الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حكومات الألفية الثالثة «رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية» «4-5»

حكومات الألفية الثالثة «رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية» «4-5»

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. للذين يعتقدون أن مؤسسات القطاع الحكومي ليست قادرة على منافسة القطاع الخاص في تقديم الخدمات المتشابهة, نقول لهم, إنكم مخطئون كثيرا وهناك تجارب وأمثلة دولية كثيرة على ذلك, بل ليس على التنافس فقط, بل والفوز كذلك, وذلك من خلال الدفع بالمشاريع الاحتكارية في القطاع العام إلى المنافسة على نحو كامل مع القطاعين التجاري أو الخاص”

التحدي الثاني الذي ستواجهه السياسات الحكومية القائمة في طريقها للتحول نحو حكومات المستقبل هو أن الحكومات القائمة اليوم وحتى تدخل بسلاسة وسلامة الى المستقبل , فإنها يجب أن تعيد صياغة نظرتها إلى البيئة الاقتصادية والتجارية والسياسة الإدارية الداخلية لمؤسساتها, وعلى رأسها أهمية ان تدخل في بيئة تنافسية داخلية بين قطاعاتها الحكومية, ويختلف تعريف مفهوم التنافسية بحسب المؤسسات وقطاع النشاط التنافسي وتعريفه على مستوى الدول , كما يتداخل مع عدة مفاهيم أخرى ، من بينها النمو والتنمية الاقتصادية وازدهار الدول وهذا ما يصعب من تحديد تعريف دقيق ومحدد للمصطلح، إضافة إلى عامل مهم ألا وهو ديناميكية التغير المستمر لمفهوم التنافسية، ففي بداية السبعينيات كانت ترتبط بالتجارة الخارجية ثم ارتبطت بالسياسة الصناعية خلال سنوات الثمانينيات ، أما في سنوات التسعينيات فارتبطت بالسياسة التكنولوجية للدول ، وحاليا تنافسية الدول تعني مدى قدرتها على رفع مستويات معيشة مواطنيها وتقديم خدمات جدة لهم من خلال تطوير البيئة الداخلية لمؤسساتها العامة.
وقد ظل هذا التعريف حتى وقت قريب محصورا بشكل شبه رئيسي على البيئة التجارية أو مؤسسات القطاع الخاص, حيث كما هو معروف أن مؤسسات القطاع التجاري وحدها التي تقوم بالتنافس فيما بينها لتقديم الخدمات لزبائنها في الداخل الوطني والخارج الدولي, بينما تبقى مؤسسات القطاع العام أو المؤسسات الخدمية الحكومية مؤسسات تابعة أو مملوكة للدولة ولا دخل لها بالبيئة التنافسية الوطنية أو الداخلية بشكل كامل, لأنها وبحسب العديد ممن يدعون الدفاع عن القطاع العام هي بيئة مقدسة تقوم بتقديم خدمات رسمية محددة المعالم والأهداف والتكاليف , وأن الزج بها في بيئة تنافسية مع مؤسسات القطاع الخاص الربحية سيتسبب بعبء ثقيل على المواطنين والمستفيدين من خدماتها.
على أن هذا الأمر ليس صحيحا إلى حد بعيد , ولا يمكن أن يبقى حكرا في تلك الدائرة الخطابية السياسية والاستغلالية الضيقة للمفهوم خلال المراحل الزمنية القادمة إذا ما أرادت الحكومات التغلب على الكثير من مشاكلها وتحدياتها الاقتصادية وحتى الاجتماعية منها والسياسية وخصوصا في البيئة الداخلية, (فالمفهوم العلمي للقطاع العام يخلو من عبادة الأشكال, أو معاداة الشكل الخاص للملكية بحد ذاته, أو إضفاء صفات على القطاع العام ليست من صلبه بالضرورة مثل اعتباره صفوا للاشتراكية أو الدفاع عنه أو محاربته على ذلك الأساس).
حيث لم يعد كاف أن تقوم مؤسسات القطاع العام بتقديم خدمات محددة المعالم والأهداف والتكاليف كما سبق واشرنا, أو الاكتفاء بتقليل التكاليف على حساب الجودة, أو الجودة على حساب الوقت, حيث أن الغالبية العظمى من الطبقات المستفيدة من خدمات القطاع العام حصلت على تعليم متقدم وثقافة عالية جعلتها تدرك تمام الإدراك لطبيعة تلك التحولات والمتغيرات المحيطة ببيئة التنافسية الداخلية أو الخارجية , وتأثير ذلك على نوعية وشكل الخدمات التي يفترض أن تحصل عليها مقابل التكاليف والضرائب التي تدفعها للحكومة , وخصوصا عندما تكون على دراية بان تلك الخدمات كانت ستصبح أفضل بكثير مما هي عليه اليوم لو سلمت للقطاع الخاص في ظل البيئة التنافسية الحتمية التي يعيشها , وهو ما رفع سقف الامتعاض والغضب في كثير من الأوقات على تلك الخدمات العامة ذات النوعية غير المتناسبة مع الأسعار أو التكاليف والضرائب التي تقوم بدفعها للحكومة.
وما يهمنا هنا هو التعرف على تعريف المصطلح في البيئة الداخلية للقطاع العام ,حيث يعرف التنافس في البيئة الداخلية للدولة على انه: التنافس على تقليص داء الاحتكار في تقديم خدمات القطاع العام, والسعي لإدخال القطاع التجاري أو الخاص إلى بيئة شراكة تنافسية مع المؤسسات العامة للدولة من خلال خصخصة المشروعات الحكومية مع إبقاء البيئة التنافسية الداخلية لنفس المشاريع بكل أبعادها وفوائدها,على أن ذلك لا يعني التنافس التجاري الهادف بشكل رئيسي إلى الربح بقدر ما هو تنافس على تقليص الاحتكار بهدف رفع مستوى الجودة والتقليل من التكاليف, فليس هناك ثابت غير قابل للتفنيد في القول المأثور أن : مؤسسات القطاع الخاص هي دائما أكفأ وأفضل أداء من مؤسسات القطاع العام, فالتمييز المهم ليس بين العام في مقابل الخاص, بقدر ما هو في الاحتكار والمنافسة, فحيث توجد منافسة فانك تحصل على نتائج وخدمات أفضل بتكاليف اقل.
وللذين يعتقدون أن مؤسسات القطاع الحكومي ليست قادرة على منافسة القطاع الخاص في تقديم الخدمات المتشابهة, نقول لهم, إنكم مخطئون كثيرا وهناك تجارب وأمثلة دولية كثيرة على ذلك, بل ليس على التنافس فقط, بل والفوز كذلك, وذلك من خلال الدفع بالمشاريع الاحتكارية في القطاع العام إلى المنافسة على نحو كامل مع القطاع التجاري أو الخاص, بحيث لا يبقى أمام القطاعين من خيار سوى إرضاء زبائنهما بتقديم خدمات تنافسية وبأسعار وتكاليف اقل.
( صحيح أن التنافسية لن تحل مشكلاتنا كلها , ولكن لعلها أكثر من أي مفهوم آخر تمسك بالمفتاح الذي يفك عقدة الازدحام البيروقراطي الخانق , الذي يشل حركة كثير من المؤسسات والوكالات العامة , وليس معنى ذلك تأييد المنافسة القاتلة بلا هوادة , والتي يمكن أن تستخرج كل ما هو ردئ كما تستخرج كل ما هو جيد , فعندما يتنافس مجهزوا الخدمات من كلا القطاعين على تقديم نفس الخدمات , فإنهم سيبقون من جهة تكاليفهم منخفضة , – وربما سيكون الفارق البسيط لحساب رفع الكفاءة والجودة – وسيستجيبون بسرعة للطلبات المتغيرة , وسيكافحون بقوة لإرضاء زبائنهم , أما من جهة أخرى فسيندفعون لاعتناق التجديد والابتكار والإبداع والتميز).
ومن أبرز واهم الأهداف التي يحققها التنافس المركب بعناية وضوابط في البيئة الداخلية بين القطاعين العام والخاص على تقديم الخدمات في نفس المشاريع انه يرفع الكفاءة والتأثير , كما انه يرغم الاحتكارات العامة أو حتى تلك الخاصة على الاستجابة لحاجات زبائنها , كما أن المنافسة تكافئ التجديد والإبداع والتميز أما الاحتكار فإنه يخنقها بشكل كامل , بالإضافة إلى أن التنافس يعزز من كبرياء الموظفين في القطاع العام ويرفع من روحهم المعنوية.
والمتتبع لأهداف مفهوم التنافسية والنتائج التي حققها في العديد من المشاريع والمرئيات بالبيئة الداخلية بعدد من الدول التي تتبع هذا النهج أو النظرية الاقتصادية , يتأكد له تماما أن التنافس بين مؤسسات القطاع العام أو بين القطاعين العام والخاص قد قدم نتائج أفضل بكثير من الاحتكار أو انعدام وضعف المنافسة , وإن الشراكة التنافسية في البيئة المحلية أو الوطنية من خلال محاربة الاحتكار ورفع التنافسية سيكون أمرا ضروريا في السنوات المقبلة.
وهكذا يتأكد لنا أن من أهم أبرز المبررات ومن ثم الأهداف و النتائج المتحققة من الشراكة والتنافسية في البيئة الداخلية أو الوطنية بين القطاعين العام والخاص هي : إن التنافس يكافئ التجديد والاحتكار يخنقه , فالتجارب الطبيعية التي لا تنتهي في التغيير المفاجئ تساعد الأنواع على التطور والتكيف والبقاء رغم الضغوط وتقلب الأوضاع الاقتصادية وتسارع التطور التكنولوجي , كما أن التنافس يرغم الاحتكارات العامة أو حتى الخاصة على الاستجابة لحاجات المستفيدين من خدماتها, كما انه يرفع من الفاعلية والكفاءة والجودة في الإنتاج نظرا للتركيز على الميزة المقارنة وعلى تقسيم العمل العقلاني.
على أن تبقى السياسة العامة مسيطرة على نوع المنافسة المسموح بحدوثها وتمويل ورعاية من لا يملكون مالا كافيا – بمعنى آخر – لا تعني التنافسية هنا ترك كل شيء بلا ضوابط تنظيمية تولد الانصاف والعدالة , بل هي منافسة خاضعة للسيطرة والإشراف والمراقبة المؤسساتية والتشريعية للدولة ,إلا أننا لا نعني أن تكون الضمانات الوحيدة لإنجاح بيئة التنافس التشاركية بين القطاعين الخاص والعام أو بين مؤسسات القطاع العام مقتصرة على التشريعات والأنظمة والضوابط الرقابية والتشريعية التي تسنها السياسات العامة بشكل مباشر بقدر أهمية وجود روابط بينهما وبين مفهوم الحكومة ( فكلاهما له أبعاد ذات جوانب إدارية وقانونية واقتصادية واجتماعية تلتقي في نقاط مشتركة مستندة إلى الشفافية والإفصاح والمساءلة والحقوق المتساوية لأصحاب المصلحة وتحديد المسؤوليات من أجل رفع كفاءة استخدام الموارد وتعزيز القدرة التنافسية وجذب مصادر التمويل والتوسع في المشاريع لخلق فرص عمل جديدة ودعم الاستقرار الاقتصادي).

إلى الأعلى