الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / بنين.. انتخابات نزيهة وأمن واستقرار وتخلف وفساد لا مثيل لها

بنين.. انتخابات نزيهة وأمن واستقرار وتخلف وفساد لا مثيل لها

السيد عبد العليم

” وقد ادخلت الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها سكان بنين هذا البلد في خانة أكثر عشر دولٍ في العالم تدفع بكثير من المحتاجين إلى السقوط في فخ شبكات تهريب الأطفال أو الاضطرار إلى التعامل معها. ويعتمد اقتصاد بنين بصورة رئيسية على القطن. ووفقا للبنك الدولي فإن نحو 36% من إجمالي عدد السكان يعيشون تحت خط الفقر.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاز رجل الأعمال باتريس تالون في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 20 مارس المنفك في بنين، وفق ما أعلن خصمه رئيس الوزراء المنتهية ولايته ليونيل زينسو والذي أعلن ذلك قبل إعلان النتائج الرسمية وقال “لقد اتصلت بباتريس تالون وهنأته بالفوز وتمنيت له حظا طيبا ووضعت نفسي تحت تصرفه لإعداد ملفات نقل (السلطة)”. وكان قد تمت دعوة 4.7 مليون ناخب للتصويت لانتخاب خلفا للرئيس المنتهية ولايته توماس بوني يايي الذي يحكم البلاد منذ 2006 ولم يعد بامكانه الترشح بعد ولايتين بموجب الدستور. وذلك لرغبة ياي في تغيير الدستور لمد فترة رئاسته لكن استشعاره المعارضة الشعبية القوية حالت دون ذلك.
وكان الصيرفي الفرنسي- البنيني ليونيل زينسو تقدم في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 6 مارس الماضي، بقليل على “ملك القطن” باتريس تالون.
والعصامي باتريس تالون (57 عاما) الذي توجه الى مكتب التصويت في 6 مارس في سيارته “البورش”، يحرص على صورته كرجل أعمال مزدهر. ويعد تالون المستثمر الأساسي في بنين حيث يسيطر على زراعة القطن وادارة ميناء كوتونو. وكان هو من مول الحملتين الانتخابيتين للرئيس المنتهية ولايته قبل أن يصبح أبرز منافسيه السياسيين. ويشكل البحث عن عمل والفساد وتردي قطاعي الصحة والتربية، أبرز التحديات التي ستواجه الرئيس الجديد.
بنين بلد صغير يقع في غرب أفريقيا ما بين دولتي توجو ونيجيريا وخليج غينيا. وتبلغ مساحتها نحو 112 الف كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها 11مليون نسمة. وهم ينطقون بلغات محلية عديدة, فيما تعتبر الفرنسية لغة رسمية فيها. ويعتنق أربعون بالمائة من السكان الديانة المسيحية, وأربعة وعشرون بالمائة منهم, الديانة الإسلامية. أما الباقون فينتمون الى ديانات وثنية محلية.
نالت بنين استقلالها من الاحتلال الفرنسي عام 1960. ثم تعرضت بعد ذلك لتسعة انقلابات. والمثير للاهتمام هنا هو أن تلك الانقلابات لم تدفع بهذا البلد الى دوامة العنف. فقد بقيت بعيدة عن النزاعات القبلية التي تشهدها إفريقيا عادةً. وكان الجنوح إلى السلم يغلب دائماً على الرغبة في تسوية الخلاف بالعنف. ومنذ اواخر الثمانينات مرت بنين بمسيرة من التحولات الديمقراطية بلغت أوجها عام 1991, حيث أجريت فيها, اول انتخابات ديمقراطية متعددة الأحزاب حرة وشفافة قلما يحدث مثلها في العالم الثالث. وتعتبر بنين اول دولة افريقية تحولت من النظام الديكتاتوري الى النظام الديمقراطي.
وإذا كان النهج الديمقراطي في بنين لم يستطع حتى الان حل مشاكل الناس واستغلال ثروات البلاد والنهوض بالبلد اقتصاديا، إلا أنه نجح في إشاعة الأمن، وتكريس ثقافة السلام، وتعليم الناس التعاطي مع السياسة دون اللجوء إلى العنف عكس ما هو عليه الحال في كثير من بلدان القارة السمراء. كما يكفي ديمقراطية بنين أيضاً أنها كرست حرية التعبير والاعتقاد في بلدٍ لا يمكن فيه تجاوز التنوع العرقي والاختلاف الديني.
وقد ادخلت الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها سكان بنين هذا البلد في خانة أكثر عشر دولٍ في العالم تدفع بكثير من المحتاجين إلى السقوط في فخ شبكات تهريب الأطفال أو الاضطرار إلى التعامل معها. ويعتمد اقتصاد بنين بصورة رئيسية على القطن. ووفقا للبنك الدولي فإن نحو 36% من إجمالي عدد السكان يعيشون تحت خط الفقر. ويشكو اقتصادها قلة التنوع حيث يعتمد اساسا على الزراعة وتجارة العبور واعادة التصدير باتجاه الجار الكبير وأبرز شركائها: نيجيريا. فاقتصادها بشكل عام هو اقتصاد غير متطور, ويعتمد على الزراعة, التي تسهم بثلث الانتاج المحلي العام. وقد سجل اقتصادها خلال السنوات الاخيرة نموا بنسبة اربعة بالمائة. إلا أن هذا النمو لم يعكس تحسنا في مستوى معيشة سكانها. وذلك جراء الزيادة السكانية العالية والتي تصل 3.3%. وتبلغ نسبة البحث عن عمل في بنين قرابة أربعين بالمائة. فيما يبلغ معدل دخل الفرد فيها, ألفا وثلاثمائة دولار سنويا, مما يعتبر معدلا منخفضا جدا بالمقارنة مع البلدان المتقدمة.
وبغية تعزيز النمو الاقتصادي في بنين, سعت حكومتها الى اتخاذ اجراءات لتشجيع الاستثمارات الاجنبية. كما تتجه الى الخصخصة وذلك بتحويل المشاريع الاقتصادية العامة الى القطاع الخاص, والى تطوير مشاريع في مجالات صناعة المواد الغذائية والزراعية, اضافة الى مشاريع في مجالات الاعلام والاتصالات والسياحة.
وتتمتع بنين بكل الإمكانيات الجاذبة للاستثمار الأجنبي، وأهمها توفر المواد الخام خاصة المتعلقة بالزراعة والمعادن والسياحة. وكذلك توفر قانون استثماري يحمي المستثمر ويسهل أعماله ويسمح له بالتملك الكامل أو التملك بنظام الـ« بي. أو. تي» لمدة 90 سنة. اضافة الى توفر الأمن الذي يعتبر مطلب كل مستثمر. هذا إلى جانب رخص تكلفة الأيدي العاملة التي يحتاجها المستثمر الأجنبي. كما وهب الله بنين أجمل المناظر الطبيعية الخلابة، منها الشلالات العظيمة والغابات، ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية تصل إلى 80% من مساحة الدولة.
والشركات المستثمرة في بنين هي الشركات الصينية واليابانية والكورية الجنوبية التي تستثمر في قطاع المنسوجات القطنية (بنين هي ثالث منتج للقطن في أفريقيا)، وفي قطاعي الإسمنت والزيوت النباتية. إلى جانب شركات من دول الاتحاد الأوروبي، في حين ان الاستثمارات العربية في «بنين» قليلة نسبياً، حسبما أعلن أحد دبلوماسييها. والذي كشف أن القطاعات الأكثر حاجة للاستثمار فيها حالياً هي قطاعا الزراعة والسياحة. ويرتكز اقتصادها اساسا على الزراعة حيث انها تنتج كميات كبيرة من القطن والأناناس والذرة الأميركية، إلى جانب منتجات أخرى من الفواكه والمكسرات الاستوائية. كما تملك بنين ميناء بحرياً حيوياً يخدم دول الجوار، منها النيجر، وبوركينافاسو، وتشاد، ومالي، والجارة العملاقة نيجيريا. كما يوجد مشروع بناء ميناء بحري ثان ضخم ينتظر المستثمرين لتنفيذه. وثمة برنامج تطوير المنطقة التجارية «غانهي» في كوتونو الذي سيكون قريبا قيد التنفيذ، كما تم استكمال إنشاء المنطقة الصناعية الحرة في (سيمابوجي) التي ستكون حقلاً للاستثمار الأجنبي في مختلف المجالات الصناعية. وفيما يتعلق بالسياحة في بنين فلديها امكانيات هائلة في هذا الجانب من بينها الساحل الذي يمتد على المحيط لنحو 125 كيلومترا، وبحيرات كبرى في الجنوب، ووديان ومراتع للصيد البري، وحدائق ومتنزهات وغابات السفانا.
ويشكو أبناء بنين بشكل عام من التجاهل العربي والاسلامي لهم. ويطالبون بان يكون لبلدهم نصيب من الاستثمارات العربية في المجالات المختلفة التي تتمتع بها. كما يشكو عدد من المثقفين المسلمين في بنين من أن المنح الدراسية التي تمنحها لهم الدول العربية والإسلامية لا تتجاوز إطار منح العلوم الشرعية أو اللغة العربية في الوقت الذي أصبح هناك فائض من خريجي هذين التخصصين. بينما لم يحظ أحد من طلبة مسلمي بنين بمنحة في العلوم التقنية أو الطبية أو العلوم الأخرى.
لكن كل تلك الفرص الاقتصادية والاستثمارية يعيقها ويشلها الفساد المستشري في هذا البلد بشكل ربما لا يوجد له مثيل في أي من بلدان العالم. ويبدأ ذلك بمحاولة الحصول على تأشيرة لزيارة تلك البلد. فكي تحصل على تأشيرة لابد لك من دفع رشوة للمسئولين في القنصلية او السفارة. كما ان كل شيء داخلها ـ كما يرى من زارها وأقام فيها ـ لا يتم انجازه الا بدفع الرشاوى. ومن ثم فان المنظومة كلها فاسدة. واذا كان بعض المراقبين يشيدون بالانتخابات ونزاهاتها فيها، فما هي فائدة مثل تلك الانتخابات وتلك النزاهة المزعومة اذا كانت تأتي بساسة لا يتصدون للفساد الذي يعد العدو الرئيسي والحقيقي لاي تقدم واي استثمار وتنمية حقيقية ؟ فكي تستغل بنين مواردها الحقيقية وتستفيد من ديمقراطيتها الشكلية، على الرئيس الجديد ان يدشن حملة لمكافحة الفساد يقودها هو بنفسه، كما فعل رئيس تنزانيا الجديد. وذلك حتى تواكب بنين ركب التحضر، وإلا ستبقى على حالها التي كانت عليه فيما قبل الاستعمار! فالشعارات والشكليات لم يعد لها مكان في عالم اليوم.

إلى الأعلى