الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كالعادة: غياب الإجماع العربي على مرشح وحيد لليونسكو

كالعادة: غياب الإجماع العربي على مرشح وحيد لليونسكو

محمد عبد الصادق

” .. يتكرر الموقف ويدخل العرب الدورة القادمة لانتخابات اليونسكو أكثر انقساماً, بعد بروز اسم أحمد الصياد السفير اليمني في اليونسكو للترشح, بجانب كل من وزير الثقافة القطري الأسبق حمد الكواري ومن مصر طرح اسما السفيرة مشيرة خطاب ومستشارة الرئيس المصري للأمن القومي فايزة أبو النجا, إلى جانب اسم الدكتور محمد سامح عمرو مندوب مصر لدى اليونسكو.”

ـــــــــــــــــــــــــــــ
نحن العرب لا نتعظ من التجارب والإخفاقات, ولا نستفيد من دروس التاريخ مهما تكررت, ونصر على السير في نفس الطرق المسدودة, وأدمنا فنون التنازع والاختلاف مهما كلفتنا من تراجع وتهميش ونظرات السخرية والاستهجان, فللمرة الرابعة على التوالي يفشل العرب في الإجماع على مرشح لخوض انتخابات رئاسة منظمة اليونسكو, فقبل عام ونصف من فتح الباب الترشح للمنصب الرفيع في نوفمبر 2017م , أعلن أكثر من ثلاثة مرشحين عرب ـ حتى الآن ـ نيتهم خوض الانتخابات.
المحاولات العربية الفاشلة في التعاطي مع مقعد اليونسكو بدأت في انتخابات 1999م , حين ترشح المرحوم الدكتور غازي القصيبي من السعودية والدكتور اسماعيل سراج الدين من مصر, وانتهى السباق بفوز الياباني كوشيرو ما تسورا ليخلف الإسباني فريدريكو مايور في إدارة المنظمة الدولية, والمحاولة الثانية كانت في انتخابات 2009م , التي ترشح لها وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني والقانوني والدبلوماسي الجزائري الدكتور محمد بيجاوي, وحصل الوزير المصري على أعلى الأصوات في الجولة الأولى, ولكن سرعان ما تحالفت أوروبا وأميركا ضد المرشح العربي بإيعاز من إسرائيل التي اتهمت فاروق حسني بمعاداة السامية, ليخسر السباق في الجولة النهائية بفارق 4 أصوات أمام المديرة الحالية البلغارية إيرينا بوكوفا التي فازت بفترة ثانية عام 2013م , أمام مرشحين عربيين هما رشاد فارح من جيبوتي واللبناني جوزيف مايلا.
ويتكرر الموقف ويدخل العرب الدورة القادمة لانتخابات اليونسكو أكثر انقساماً, بعد بروز اسم أحمد الصياد السفير اليمني في اليونسكو للترشح, بجانب كل من وزير الثقافة القطري الأسبق حمد الكواري ومن مصر طرح اسما السفيرة مشيرة خطاب ومستشارة الرئيس المصري للأمن القومي فايزة أبو النجا, إلى جانب اسم الدكتور محمد سامح عمرو مندوب مصر لدى اليونسكو.
وامتد صراع الترشح على مقعد مدير عام اليونسكو إلى لبنان , بعد الإعلان المبكر لوزير الثقافة الأسبق الدكتور غسان سلامة عزمه الترشح بدون انتظار تزكية الحكومة اللبنانية, التي رشحت فيرا خوري التي تعمل مندوبة لدولة مغمورة اسمها سنتا لوسيا في “اليونسكو”, وأشعل امتناع الحكومة اللبنانية عن دعم المرشح الأكثر شهرة غسان سلامة حالة من الجدال بين النخب السياسية في لبنان, وتعددت الانتقادات والمناشدات للحكومة اللبنانية بالعدول عن قرارها وترشيح سلامة التي تراه الأوفر حظاً للفوز بالمنصب الدولي, بينما هاجم فريق آخر غسان سلامة واتهموه بالعمالة لأميركا والغرب لأنه عمل مستشاراً سياسياً للأمم المتحدة في العراق عقب الغزو الأميركي وسقوط بغداد وكان مساعداً للمندوب السامي الأميركي في بغداد بول بريمر, وأصيب في حادث تدمير الأمم المتحدة في بغداد في أغسطس 2003م الذي قتل فيه رئيس بعثة الأمم المتحدة بالعراق سيرجيو دي ميلو وجرح مائة وتسعة وعشرون آخرون.
ومن الناحية النظرية فمقعد رئاسة اليونسكو ليس عصياً على العرب, بل هم أولى التجمعات به, بما تملكه الدول العربية من كوادر علمية وثقافية واعدة أثرت العمل في اليونسكو على مدار السنوات الماضية , فضلاً عن الإسهامات العربية المادية السخية في ميزانية المنظمة التي تعرضت لأزمة مالية طاحنة في الدورة الأخيرة, بعد مقاطعة الولايات المتحدة الأميركية للمنظمة , إرضاء لربيبتها إسرائيل واحتجاجاً على قبول عضوية فلسطين في اليونسكو, وترتب على ذلك تجميد أميركا لحصتها المالية, وانخفاض ميزانية المنظمة من 653 مليون دولار إلى 507 ملايين دولار, أي بنسبة 22 في المائة, لكن استطاعت المديرة العامة البلغارية بوكوفا بحزمة إصلاحات إدارية و بفضل مساعدات الدول العربية وتحديداً الخليجية التي قاربت 75مليون دولار إنقاذ عمل المنظمة من الشلل.
هذا النجاح الذي حققته بوكوفا في تسيير شؤون اليونسكو رشحها بقوة لخلافة بان كي مون في منصب الأمين العام للأمم المتحدة, لاسيما وأن هناك أكثر من 40دولة تقدمت بطلب أن يكون الأمين العام القادم للأمم المتحدة امرأة, وفي هذه الحالة لن تستمر في اليونسكو حتى نوفمبر 2017, بل ستضطر لترك كرسيها في مارس لتتفرغ لمعركة الخلافة لبان كي مون, ولعل هذا سبب تسريع ملف الترشح لخلافة بوكوفا , التي لن تستقيل إلاّ إذا أمسكت بضمانات خلافتها لبان كي مون.
وهناك سبع دول عربية بينهما دولتان خليجيتان هما قطر التي لها مرشح وسلطنة عمان في المكتب التنفيذي لليونسكو الذي يقوم بالتصويت على اختيار المدير العام, ومن ثم يطرح الاسم على الجمعية العامة للموافقة أو الاعتراض عليه, وإن كانت بقية الدول خارج المكتب التنفيذي من حقها أن ترشح ولكن ليس من حقها أن تختار.
إذا لم يحدث إجماع عربي, فمن الصعب حصول أي مرشح عربي على الأصوات اللازمة للفوز بالمنصب الدولي الرفيع, وعندئذ سيذهب المنصب حتماً إلى مرشحين آخرين تقف وراءهم و تدعمهم تكتلات قارية أو إقليمية, فدول أوروبا تقف وراء المرشح الإيطالي وأميركا اللاتينية اتفقت على مرشح وحيد ستعطيه أصواتها ونفس الأمر في مجموعة الآسيان.
استغرب كيف تترك جامعة الدول العربية هذه التجارب المريرة تتكرر دون أي تدخل منها لإيجاد حل , لماذا لا يتم دعوة جميع المرشحين العرب أمام جلسة متخصصة بمقر الجامعة على مستوى وزراء الثقافة ويحضرها كبار المفكرين والمثقفين العرب , ويناقشون كل مرشح في برنامجه وخططه ورؤيته لإدارة المنظمة ويتم الاقتراع على المترشحين , وينال الترشيح صاحب أعلى الأصوات , وتلتزم الدول العربية جميعها بنتيجة التصويت وتدعم المرشح العربي الوحيد في الانتخابات المقبلة .
نتمنى ألاَّ يكرر العرب أخطاءهم فمازالت مرارة الهزيمة في انتخابات رئاسة “الفيفا” عالقة في الحلق العربي لم تجف , عندما تابعنا تشتت أصوات المرشحين العربيين , لتدفع المرشح السويسري المغمور للفوز بالمقعد الموعود دون جهد أوعناء , وكان كل ما يحتاجه المرشح العربي الخاسر في الجولة الأخيرة للفوز برئاسة “الفيفا” من الجولة الأولى أقل من الأصوات التي حصل عليها المرشح العربي الآخر.

إلى الأعلى