الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: تعزيزا لنهج استكمال منظومة القوانين والأنظمة

رأي الوطن: تعزيزا لنهج استكمال منظومة القوانين والأنظمة

إقرار مجلس الشورى في جلسته الاعتيادية الثانية عشرة لدور الانعقاد السنوي الأول (2015-2016م) من الفترة الثامنة للمجلس، مشروع قانون غسل الأموال ومكافحة الإرهاب في ضوء دراسة اللجنة التشريعية والقانونية بالمجلس، يأتي في إطار المشاركة الفعلية للمجلس في صناعة القرار والقوانين والأنظمة في البلاد، ومساهمته الواجبة في عملية التنمية، وتعزيزًا ودعمًا لنهج حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على استكمال منظومة القوانين والأنظمة التي تنظم العلاقة بين الناس داخل المجتمع، وتحصنه من أي مظهر من مظاهر الفساد أو التعدي على حقوق الناس أيًّا كانت صفتهم (مواطنين مقيمين تجارًا مستثمرين…إلخ). فالقوانين بمختلف تشريعاتها ومصادرها تعد من الأهمية بمكان داخل أي مجتمع من المجتمعات لتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتنظيم العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع، كما تكتسب أهميتها أيضًا من إقامة قواعد العدالة والمساواة، وإرساء مناخات الأمن والأمان والنمو والازدهار، بما يكسبها الاحترام من قبل المجتمع مؤسسات وأفرادًا، وكلما كانت هذه القوانين ذات قوة ونافذة، ونظرت إلى المتخاصمين الواقفين أمامها بمنظور المساواة ولا أحد فوقها مهما بلغت سطوته ومكانته، ومهما كان منصبه، اكتسبت هيبتها وزاد تقدير الناس لها. إن قانون غسل الأموال في شكله ومضمونه يتضافر دوره التشريعي والرقابي مع قانون حماية المال العام وتجنب تضارب المصالح الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم (112/2011) الذي جاءت مواده لتضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه المساس بالمال العام، مُرتِّبةً عليه عقوبات رادعة من شأنها أن تعالج دنس النفس من شهوة الرشوة والمحسوبيات والوساطة وتسهيل المنفعة بصفة مباشرة كانت أو غير مباشرة.
وبالنظر إلى منظومة القوانين هذه المتعلقة بالمال بصورة عامة، نجد أنها تمثل متراسًا لحماية الأموال سواء كانت أموالًا عامة أو أموالًا خاصة، ومن شأنها أن تخلق بيئة اقتصادية واستثمارية جاذبة ومشجعة، وتنشئ أسواقًا حرة تتمتع بالشفافية والنزاهة والمنافسة، وتحصِّن البلاد من نشوء تلك الصورة السلبية المعروفة بـ”السوق السوداء” وما قد تجره من آثار مدمرة لا تمس الوضع الاقتصادي وحده، وإنما تمتد إلى الوضع الأمني وما يترتب عليه من جرائم ونشوء مافيات. فحفظ الأموال غدَا قضية تزداد أهمية وتتوسع دائرة الاهتمام بها في ظل وجود عدة متغيرات تتنوع بين الزخم الاقتصادي والمالي وكثرة المشاريع والمخصصات، والبحث عن الربح السريع والسهل، وبين ضعف الرقابة والقوانين، وكذلك تدني الأجور أو انتشار مظاهر الفقر؛ ولذلك تعد مكافحة الفساد المالي والإداري بكل صوره ومظاهره أحد محركات التنمية، وأحد مظاهر النظام الديمقراطي وبناء المؤسسات وتفعيلها وتفعيل نظام اقتصاد السوق، وعنوانًا عريضًا للنزاهة والشفافية، ومظهرًا من مظاهر التحضر. كما أن قانون مكافحة الإرهاب هو الآخر يكمل في الوظيفة والهدف قانون غسل الأموال، فإذا كان الأخير ينشد بيئة اقتصادية نظيفة وحرة ويحافظ على نظافة المال ومصدره، ويسعى إلى القضاء على الكثير من أساليب التحايل لتنظيف الأموال المتأتية من مصادر مشبوهة كالمخدرات والخمور والاختلاسات والدعارة وغيرها، فإن قانون مكافحة الإرهاب ينشد نشر الأمن والأمان، ويحمي النفس والأرض والمال والاستثمار من التعدي. صحيح أن بلادنا ـ ولله الحمد ـ تنعم بالأمن والأمان في ظل هذا العهد الزاهر لجلالة السلطان المعظم ـ أيده الله ـ ولما تتمتع به طبيعة الشخصية العمانية من تسامح ومحبة وألفة واحترام وتكافل وتعاون، ورفض لأي مظهر من المظاهر المخلة بالأخلاق والآداب العامة والتعدي على حقوق الآخرين، إلا أن المتغيرات التي يشهدها المحيط الإقليمي والعربي والدولي تستدعي التحسب لكل الاحتمالات بتشريع قانون مكافحة الإرهاب، بما يضفي مزيدًا من الاطمئنان للمواطن والمقيم والزائر والمستثمر. فبلادنا ليست معزولة عن هذا المحيط، بل تتأثر بما يدور حولها من متغيرات وتطورات. على أن الوازع الديني والوازع الأخلاقي يبقى لهما دورهما الكبير في الحرص على الكسب الحلال والمشروع، وأن لا يكون السحت مصدر اللقمة، فـ”كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به”، ولهما دورهما أيضًا في إعلاء قيمة الحياة والنفس وصون الحقوق أيًّا كانت، والتحرز من المساس بها.

إلى الأعلى