الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / درس من رواندا!

درس من رواندا!

السيد عبد العليم

” تقع جمهورية رواندا ـ التي تعني أرض الألف تل ـ في منطقة البحيرات العظمى شرق أفريقيا وتجاور تنزانيا وأوغندا والكونجو الديمقراطية وبوروندي وتمثل منبعا لنهر النيل. ويبلغ عدد سكانها نحو 8 ملايين نسمة يمثل الهوتو 80% من السكان وقبائل التوتسي 20%. وتوجد بها جاليات عربية ومسلمة. وتعد رواندا من أكثر بلدان القارة الأفريقية كثافة سكانية بمعدل 430 نسمة للكيلومتر المربع الواحد. كما تعتبر الزراعة النشاط الرئيسي لسكان رواندا.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غداً السابع من أبريل هو اليوم الذي أعلنته الأمم المتحدة للذكرى السنوية للإبادة الجماعية في رواندا. ففي مثل هذا اليوم من عام 1994، تعرضت رواندا لإبادة جماعية كانت كفيلة بالقضاء التام عليها وألا تقوم لها بعدها قائمة. لكنها برغم الجراح والآلام لم تجتر الحديث عن تلك المآساة وتجعلها نهاية الدنيا. بل إنها نفضت عن نفسها الندوب والجروح وخرجت من الأحزان لترسم طريقا نحو المستقبل عماده قيادة رشيدة حققت مصالحة وطنية وتنمية اقتصادية أشبه بالمعجزة في تلك القارة السمراء.
تقع جمهورية رواندا ـ التي تعني أرض الألف تل ـ في منطقة البحيرات العظمى شرق أفريقيا وتجاور تنزانيا وأوغندا والكونجو الديمقراطية وبوروندي وتمثل منبعا لنهر النيل. ويبلغ عدد سكانها نحو 8 ملايين نسمة يمثل الهوتو 80% من السكان وقبائل التوتسي 20%. وتوجد بها جاليات عربية ومسلمة. وتعد رواندا من أكثر بلدان القارة الأفريقية كثافة سكانية بمعدل 430 نسمة للكيلومتر المربع الواحد. كما تعتبر الزراعة النشاط الرئيسي لسكان رواندا.
وكانت رواندا جزءا من مستعمرة شرق أفريقيا الألمانية ثم وضعتها الأمم المتحدة تحت الانتداب البلجيكي بعد الحرب العالمية الأولى. وحصلت على استقلالها سنة 1962 واللغة الرسمية هي كينيا روندا، وحلت الانجليزية مؤخرا محل الفرنسية ويتحدث المسلمون اللغة السواحلية.
وكان الاستقرار والسلم الاهلي نادر الحدوث في كل من بوروندي ورواندا في القرن الماضي. إذ دارت عدة حروب قبلية كان السبب المباشر فيها التدخل البلجيكي في شؤون السكان ورفع شأن بعض الفئات من التوتسي على حساب باقي السكان في بعض الأحيان. ومن ثم كسب ود الهوتو الأكثرية والدفع بهم للاخذ بالثأر القبلي من جميع التوتسي. وما مذابح 1993 – 1994 إلا أكبر دليل امام ردة فعل البلجيك والأوروبيين والذي تمثل في اجلاء رعاياهم وعدم التدخل والصمت المطبق سياسيا وإعلاميا على تلك المذبحة المروعة.
ففي السابع من أبريل 1994 بدأت جماعات مسلحة من قبائل الهوتو ملاحقتها لقبائل التوتسي والهوتو المعتدلين. وخلال مائة يوم قُتل أكثر من 800 ألف شخص بأشد الطرق وحشية. وكان سبب وقوع الإبادة الجماعية قصف الطائرة التي تقل الرئيس الرواندي السابق المنتمي إلى الهوتو “جوفينال هابياريمانا” في السادس من أبريل 1994 ولم يعرف حتى اليوم المسؤول عن هذا الحادث.
وفي منتصف يوليو من نفس العام استطاعت قوات الجبهة الوطنية الرواندية التي يتزعمها الرئيس الرواندي الحالي بول كاجامي بسط سيطرتها على البلاد، والجبهة الوطنية الرواندية هي حركة تمرد يقودها التوتسي. ودخلت البلاد من أوغندا التي نشأ وتربى فيها كاجامي والتي دعمت ومازالت تدعم رواندا بقوة حتى الآن.
ونجحت حكومة الرئيس كاجامي في انتهاج سياسة الاتحاد والمصالحة المستندة الى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم “جاكاكا”، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وتحقيق التسامح بين الناس واستئناف العيش المُشترك. وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت. وقد نجح هذا النظام إلى حد كبير في تحقيق المصالحة والاستقرار في رواندا. كما عملت رواندا على تسريح المقاتلين السابقين وإعادة دمجهم في المجتمع، والعمل على عودة النازحين والمهاجرين حيث عاد نحو 3.5 مليون لاجئ رواندي تمت إعادة توطينهم.
ومنذ ذلك الحين بدأ البلد بالمعافاة واستعادة وضعه الطبيعي، حتى اعتبرت رواندا الآن نموذجا للبلدان النامية. ولا تخفى عن عين الزائر معالم الطفرة الاقتصادية التي تشهدها رواندا. ففي غضون سنوات قليلة، نجح الشعب الرواندي في التعافي ووضع أيام المجزرة وراء ظهره بفضل قيادة حكيمة توفّرت له. واضحت رواندا اليوم أنموذجاً للبلدان النامية، فقد سجّلت قصة نجاح مميزة حيث تحقق لها الاستقرار السياسي والاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
وقد نشرت محطة سي إن إن الاخبارية الأميركية تقريرا أظهرت فيه قصة نجاح رواندا العظيم، حيث حققت الاستقرار والنمو الاقتصادي (متوسط الدخل قد تضاعف ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة) والاندماج الدولي. وتوصف الحكومة الرواندية على نطاق واسع كواحدة من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا. حيث وصفت صحيفة فورجن في مقال نشرته مؤخرا بعنوان: “لماذا يحب المديرون الكبار رواندا؟”. ذكرت فيه ان العاصمة كيجالي هي أول مدينة في أفريقيا يتم منحها جائزة زخرفة المساكن مع جائزة شرف لاهتمامها بالنظافة والأمن والمحافظة على نظام المدينة النموذجية. وتضاهي شوارع وسط مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. كما يقارع مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيرا من وسائل الإعلام الغربية الى وصفها بـ “سنغافورة إفريقيا”. ويمنع استخدام الأكياس البلاستيكية في رواندا منذ عام 2006، حتى أن السلطات تصادرها من السياح لدى وصولهم مطار كيجالي.
وفي سنة 2008 دخلت رواندا التاريخ بوجود أول مجلس تشريعي منتخب تمثل فيه الأغلبية للنساء. وفي نوفمبر 2009 أصبحت رواندا عضوا في دول الكومنولث، حيث إنها واحدة من دولتين في الرابطة لم تكن يوما مستعمرة بريطانية سابقة.
وبعد أكثر من عقدين من المذبحة البشعة، صارت رواندا وجهة للأعمال في منطقة شرق إفريقيا، وذلك في ظلّ التطوّر الذي يشهده اقتصادها، وتنامي قدرتها على المنافسة. هذا ما خلص إليه أحدث التقارير السنوية لممارسة الأعمال في العام الماضي، والذي تتصدّر من خلاله رواندا المرتبة الثالثة ضمن 3 أفضل وجهات استثمارية في كامل أرجاء القارة الإفريقية، تسبقها جنوب أفريقيا وموريشيوس. أي أنّها الأولى في منطقة شرق إفريقيا.
فمعدل النمو يناهز الـ 7 %، وذلك اعتمادا على القيمة المضافة التي تحقّقها قطاعات الزراعة والخدمات والسياحة. وهي قطاعات توفر قرابة 70 % من مواطن الشغل في رواندا، وهذه النسبة تؤشّر على انتعاشة الاقتصاد. كما يقدر الناتج المحلّي الإجمالي لرواندا بـ 7 % في 2014، وهي نسبة تعكس نموا مطّردا واستقرارا في هذا المؤشر في عام 2015 . ويتحدث سوشير باتناجار، مستثمر هندي يقيم في رواندا منذ 2008، عن تجربته في مجال الأعمال في هذا البلد قائلا: “شركتنا تنشط في مجال الورق، وهي موجودة في إفريقيا منذ 1995. فبعد رحلة جبت من خلالها العديد من الدول الإفريقية مثل نيجيريا وكينيا، قررت الاستقرار في رواندا، نظرا للسياسة الاستثمارية التي يتبناها هذا البلد، وهو ما يسّر أعمالي وأنشطتي”.
وقد ساهم الاستقرار السياسي الواضح في ظهور مناخ يشجّع على الأعمال. فمنذ 15 عاما، يقود نظام بول كاجامي البلاد، وتعهد في ديسمبر الماضي، بعدم الترشح لانتخابات الرئاسية المقررة العام القادم. وذلك لتجنب الانزلاق إلى متاهات الاحتجاجات والانقسامات، في سيناريوهات شبيهة بتلك التي تعيش على وقعها دول الجوار مثل بوروندي والكونغو الديمقراطية جراء رغبة حكامها في الاستمرار في الحكم. وإن كانت رواندا بحاجة ماسة للاستثمار في قطاع الكهرباء لتلبية المشروعات الصناعية والاستثمارية المخطط لها سواء باستثمار محلي او أجنبي.
ولعل تجربة رواندا هذه جديرة بالدراسة والاستفادة منها، لاسيما وكثير من بلداننا العربية تسودها الانقسامات والتجاذبات السياسية والصراعات العسكرية وإراقة الدماء بين أبنائها. فما أحوج تلك البلدان الى الوقوف للحظة والالتفات الى ما حدث في رواندا وكيف تعاطت حكومة عاقلة وراشدة مع هذه المآساة الشنيعة وعملت على تجاوزها وتحقيق مصالحة تجمع أبناء الشعب الرواندي ليصفح بعضهم عن البعض وليضع كل منهم يده في يد قاتل أعز الناس له بالأمس، من أجل نقض صفحة الماضي الأليم والنظر الى الحاضر والاستفادة بكل مقومات الحياة وأولها وحدة أبناء البلد في مواجهة كل الصعاب والتحديات. فكانت ثمرة هذه المصالحة أن ظلت تلك القيادة الرشيدة بالاستقرار والتقدم الذي صارت عليه رواندا، بشكل ما كان لأحد أن يتوقعه قبل 22 عاما.
فالدرس المفيد الذي يمكن تعلمه والاستفادة به من تجربة رواندا يتمثل في المصالحة المذهلة التي جرت بين القتلة والناجين من خلال الاعترافات الفردية والمغفرة والصفح في إطار محاكم خارج القضاء. فمثل هذا النوع المبتكر مما يصفه البعض بالعدالة التعويضية، خلاف القضاء التقليدي الرسمي، “يمكن أن يبرهن على فائدته في البلدان التي ستحتاج إلى تضميد جراحها في مرحلة ما بعد النزاع”، مثل سوريا ومصر وليبيا واليمن والعراق وغيرهم. كما يمكن أن يساعد أيضا في منع حلقة من الانتقام والثأر في تلك البلدان، كما حصل في رواندا.

إلى الأعلى