السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الحكمة والتاريخ و شواهق اليمن

الحكمة والتاريخ و شواهق اليمن

علي عقلة عرسان

” .. من ذلك الذي شاهدته في منطقة المحويت، أو في الطريق إليها، وفي جبل صَبْر أو في الطريق إليه، وفي تعز، ودار الحجر، وصنعاء.. إلخ، أستطيع أن أجزم بأن اليمني تلاءم مع الطبيعة ولم يخربها، انسجم معها، وتطاول عليها، مستفيداً من فهمه لمعادلاتها. اليمني يأكل القليل عند اللزوم، ويكتفي بلقيمات يُقِمْن صُلبه، ولكنه لا يرخص كرامته، ولا يضع روحه في خدمة جسده، بل يفعل العكس.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اليمن يتبدى لك التاريخ بصورة تختلف كلياً، عن تلك التي تجدها عند مفكر مهجَّن مثل فوكوياما، رؤيته مثل نهاية تاريخه، ترتبط بنهاية صراع، قد يجده مقدساً وقد يكون سياسيا،ً ولكنه في الحالات كلها يسجل ادعاء فارغاً من كل معنى لنهاية مفتَرَضة للتاريخ، ولأمة تريد أن تفرض تاريخاً و”حضارة”على الأمم، وجوهر تاريخها وحضارتها دمٌ، ودمارٌ، وعبودية، وتمييز عنصري، وقتل، وهيمنة، واستلاب. والتاريخ بالمعنى المتعارف عليه لا ينتهي، لأنه سجل الحياة على نحو ما، تجدده الأفعال البشرية بالإرادة، وبما هو في متون السلم والحرب، البناء والهدم، التقدم والتخلف.. في إطار صراع، يكاد يلخص الحياة. وكل شعب يعيد كتابة تاريخه، ويجدد وقائع فيه ويضيف إليه وقائع، بمقدار حيويته وقدراته وتطلعاته، مادام موجوداً في ساحتي الوجود والفعل، الواقع والحُلم. وعلى هذا فإن كل شعب يضيف إلى التاريخ، وينقض بعض ثوابته أو يعدلها، ويعيد تسجيله”كتابته”، أو يصحح مساراته على نحو ما.
تاريخياً، الإنسان من شواهق اليمن، وهو أكبر ما فيها، فيما رأيت. وإذا كانت جبال “ريمة” أعلى ما في اليمن من جبال، فإن الإنسان اعتلاها، وزيَّن قممها بالدُّور والقصور والحضور.. فالإنسان أكبر ما في اليمن، هذا ما تأكد لي بعد زيارات، وجولات، ومشاهدات. وحين تضع أمامك ثلاث أثافيٍّ كباراً في جغرافية اليمن، هي:”جبل صبر” في منطقة تعزّ، و”جبال ريمة” في الجنوب الغربي من صنعاء، على مسافة أربع ساعات بالسيارة تقريباً ، و”مرتفعات منطقة المَحْويِت” على مسافة 220كم ـــ سفر ساعتين ونصف بالسيارة تقريباً ـــ إلى الغرب من صنعاء.. تجد نفسك أمام معجزة يحققها اليمني في تطويعه للطبيعة، وفي تعامله، وتفاعله، وتلاؤمه، وانسجامه التام معها. وفي كل تلك الذرى وسواها، ينتصب ويقول:هانذا، التاريخ والحضور، في قمم من أرض البشر.
هاجتني الذكرى إلى اليمن، وأنا أنسكب دمعاً عليه، وعلى غيره من مواطن الذكرى، في وطن العرب، الذي تتساقى بعض أقطاره، ومنها اليمن، الموت الزؤام، وتردم على تاريخها المجيد وحل الأيام. قبل حوالي العقدين من الزمن، جلت في مواقع من أرض أجدادي، أرض اليمن.. ولا أدري بأية قوة، وأي ضربٍ من الكروب، تدهمني مواقع من اليمن، وكل أرض اليمن تكاد تكون حروباً، إثر حروب.
في منطقة الرّيادي ـــ الشَّرف، إلى الشمال من المَحْويت، في أرض اليمن، تجد نفسك رمحاً مغروساً في الأعالي، تشرف على وادي “مُور”من أعلى قمة تتخيلها، وتمتد أمامك قُرَىً فريدة المواقع والمطالع هي:السيَّة، المصْيَة، قدْحة، الرّخام، القَرن، تراها معلقة في أعلى صخور الجبال الشاهقة المشرفة على الوادي السحيق، أعشاش من حجر، تحلِّق في الفضاء المشرف على الهُوَّات السحيقات، كما الشواهين تبحث عن طريدة. تنتصب بيوتها نسوراً تنشب مخالبها في الصخر، وترى النسور تطير في ظلال جفونها، فاردة أجنحتها في فضاء لا يكاد يقارب جبين تلك القرى علواً، وإذا تخيّلتها في الليل فإنك واجد أكثر من ثريا تتلألأ، على مقربة من الثُّريا، في سماء أقرب إليك من راحتيك، وأنت في جوفها مثل السمكة في حوض ماء. الوادي، وسفوح الجبال المقابلة لـه، تشكل صفحة الأفق المديد، أمام إنسان أقام بناءه الحجري الشاهق على آخر ما يحدده شفا الصخر العملاق، القائم مثل حد السيف في المدى من قمة فضائية إلى جوف جرفٍ هارٍ، هو الهوة السحيقة، يكتب المسافة بالرَّوع والرَّوعَة. قرى كأعشاش النسور تحلِّق بجناحين، أو تفرد جناحاً وتضم آخر، وتتبختر في فضاء يماني مفتوح على الشمال الشرقي، يستقبل الشمس قبل سواه. وقفت في فتحة رؤية رائعة، كأنني أنظر من نافذة الزمان إلى المكان.. رأيت النسور تطير من تحتي، على الرغم من أنني لا أقف في مستوى أعلى بيوت قرى منطقة الشّرف تلك، فوق وادي مور!؟ قلت في نفسي هاهم بعض أهل اليمن أمامي، يقيمون أعشاش نسور من الحجر، يعجز عن تصديق حكاياتها البشر، ويجددون التاريخ بتعالٍ، يسخر من كل من يقول بنهاية للتاريخ؟! إنها تعلو فوق النسر وعشه، ورغم ذلك لا تسلم من الشر وبطشه.. ها هي قرى على قمم الجبال، وقمم الصخور، يسكنها الإنسان، ويقتتل فيها الإنسان. هنا في اليمن حيثما ارتفعت أرض، يشمخ فوقها بناء يمانيّ يرفع رأس الإنسان، فالعمارة في اليمن، فن خالد من فنون العرب، التي تحتفي بها الأمم… ها هم أهلي الذين بهم أعتز، يقدمون للحياة شيئاً عجيباً مُعجِباً ومثيراً وبهيراً، ومنه الترجح بين سلم وحرب، منذ سنوات عجاف مهلكات.
في تلك الأماكن تنظر وتتبصَّر وتحار: كيف رفع الإنسان الحجارة، وأقام البناء في هذه الأماكن؟!، كيف لم يرتعش ويسقط مع الحجر الذي رفعه خيمة!؟ ذلك لأن مجرد الوقوف والنظر يصيب المرء بالدّوار، ويفتح على قلبه جحيم الخوف؟ كيف أقام الإنسان الشاقول، ونظر إلى الأرض، وتحقق مما أراد التحقق منه، واستقر لـه رأي ونظرٌ، وقرر استقامة البناء، ودقة موقع الحجر، ومتانة الجدار، فوق هذا النوع المريع من الانحدار؟! وكيف يعيش ويطمئن في نومه يا تُرى، وهو يضع رأسه أو قدميه على طرف الصخر الذي يشبه أجنحة تفردها الأرض، لتحلق فوق الوديان، مصادمة الشمس، معاندة طبيعتها والطبيعة.!؟ كيف.. وكيف.. وكيف.. وألف كيف وكيف تدوِّم في فضاء عقلك وروحك، وجوابها عند الإنسان اليميني الجَلود.. الذي نراه اليوم يرفد “تَعزَ، الحرب، الحصار”، بالقوت، عبر أكثر الطرق وعورة وخطورة، ويُشرف على صنعاء من قمم “جبل النهدين”، ويتحصّن بها أيضاً.. حيث أنه كله اليمن.؟!.
أينما توجهت بنظرك في ذلك المدى الرحب تجد فوق كل قمة، مهما علت ودقَّت، بيتاً أو قرية أو عُقاباً من البشر، يتفرَّد في الأفق العملاق، ويطل من عشه العالي، ليرى أعشاش النسور تحت قدميه؟!
إذا بحثت عن السر، وحاولت التماس تفسير لتلك الظاهرة، تجد أمامك عوامل عدة تصلح أسباباً لهذا النوع من العمران والتاريخ “النابيين؟!”بنظر بعض البشر، ويأتي النبوُّ من أن صاحبه لا يكاد يرضى بجوار أحد من البشر، كل البشر، على سطح أرض متواضعة في ارتفاعها أو ترفعها. ومن تلك العوامل أو الأسباب فيما أقدِّر: حب التفرد، والمزاج الجمالي العالي، والخوف من الثأر الذي يطارد أفراد القبائل في صراعها المستمر، وعدم سيادة قانون، يضع قاعدة وضعية للأمن والاستقرار، يحتكم إليها الناس.. بدلاً من القاعدة الطبيعية التي يدافع الإنسان فيها عن نفسه بقوته فقط”فرداً أو عشيرة”، ويحتمي، ويحصن نفسه وبيته وملكه من أخيه الإنسان، في دائرة العالي والمتين من الجبال والجدران والحصون والقلاع. وربما تجد من الأسباب أيضاً حرص اليمني على عرضه، وتعلقه بحرية تهون معها العُزْلة. ولا بد أن وراء ذلك تاريخ من المعاناة، والخبرة، والتجربة المرة، جعلت الإنسان يهجر السهل إلى قمم الجبال، ويقضي وقتاً طويلاً في البناء، ويبذل جهداً شاقاً في الصعود والهبوط كل يوم ليُحَصِّل قوته، وينام مطمئناً في آخر الليل، وسلاحه قريب منه.
في منتصف سفح، نظرتُ باباً في الصخر، إنه باب مغارة، يقول أهل المنطقة إنها تفضي إلى سرداب أو سراديب، تخترق الجبل الضخم، وتصل إلى المدينة أو البلدة:”المَحْويِت”. ويُروى أن فيها كنزاً، وأن كثيرين من الأميركيين والأوربيين حاولوا الوصول إلى نهاية مسار نفق هناك، ابتداء من ذلك الباب، واكتشاف المغارة، وبلوغ نهاية الطريق، والعثور على الكنز، الذي تروي الحكايات أنه موجود هناك، وأنهم استخدموا في محاولاتهم أدوات ومعدات حديثة، وإضاءة قوية، ولكن بعضهم دخل ولم يخرج، أو أنه تاه بعد أن انقطع “حِيْلُ”تيار الكهرباء، ولم يعد هناك مدد أو سند من أحد.؟! حكايات الشعوب كثيرة، وتضرب في أعماق التاريخ، أو تشير إلى تاريخ.. ولكن تحديات الطبيعة للعقل والمنطق أكثر.. وربما لذلك يحلق الخيال ليعثر على تفسير، ويتشبث الإنسان بالمواقع الأصعب، ربما لأنها تشكل الانتماء لشعب وتاريخ.
في طريقي إلى تلك المنطقة الفذة، من مناطق معاصي اليمن، ومناطق إبداع الطبيعة فيه، وقفت في قرية “كَوْكَبان”، وهي قرية تتربّع فوق قمة جبل، يحيطها سور يحكمه باب الحصن الذي يتحكّم بالطريق التي تصل بينها وبين أقرب القرى منها، وتشكل المنفذ الوحيد الممكن إليها. وتجد تلك الطريق العجيبة بين شقي صخر انفلق، وسمح للبشر بالمرور، وتوقف يحرسهم ويحميهم.. طريق وجدت مثلها في قرية معلولا السورية، وقد رُصِفت أرضُ تلك الطريق بالحجارة، ويستطيع الإنسان أن يمضي عبرها بأمان، ومعه دوابه:الجمال، أو البغال، أو الخيول، أو الحمير، وأن يصل مباشرة إلى البلدة التي تشرف عليها كوكبان من علٍ. ويستطيع السالك فيها أن يصل إلى هدفه ذاك، قبل أن يصل راكب سيارة تسلك الطريق الوعرة الملتفة من وراء الجبل، لتبلغ البلدة أو القرية ذاتَها.
في حصن كوكبان المشرف على حلق الوادي وفوهة الطريق، نوافذ “طَلَّاقيَّات”يمكن منها الدفاع عن القرية، وجعل الوصول إليها، من تلك الطريق، أو من المدخل المؤدي إلى باب الحصن، مستحيلاً. ومثل هذه الحصون والأسوار، منتشرة في قرى اليمن ومدنه بكثرة، وربما تغري بما هو أكثر من التمرد، عند الضرورة، ويفتحها الوفاق بأمن وسلام.
في كوكبان ـــ واسمها يدل على ارتفاعها مثل كوكب ـــ تزودت بمعرفة، وذكريات،وعظات، قد تبقى لأحفادي.. وقد لا أنسى أبداً وادي الريادي وقراه، وطيبة الناس وبساطتهم هناك، على الرغم قسوة الطبيعة، وشظف العيش.
في الطريق إلى “المحويت”، كان الشاعر اليمني الشاب، الحارث بن الفضل الشُّميري، الذي يرافقني، يسمعني بعض أشعاره، ويجيب على بعض أسئلتي، ويفتح لي صدره.. الشميري من منطقة تعز، يملك موهبة شعرية، وروي لي عن صحبته للمرحوم الشاعر عبد الله البردُّوني، حيث رافقه مدة خمسة عشر عاماً، يقرأ لـه، ويستفيد منه، ويتتلمذ عليه.
وفي مرحلة من الطريق، أشار لي الشُّميري إلى بيت في حضن قمة، بيت مبني من الحجر الأبيض والأسود، أشبه بقصر، وروى ما يشبه الأسطورة، قال: كان صاحب هذا القصر متسلطاً، متجبراً، يجبر أهل المنطقة على أن يقدموا لـه في كل يوم عذراء، يفتضّ بكارتها، ويشير لهم بعد ذلك ليأخذوها. وكبُر الأمر على أحد أبناء المنطقة، ومعظمهم من قبائل كبرى، إذ طلب المتسلط أخته أو ابنة عمه، فراجع الإمام، فقال لـه اقتله. فلبس لباس النساء، وأخفى خنجره في ملابسه، وأسلم نفسه ليُقتاد بوصفه المرأة المطلوبة. واقتيد بوصفه العذراء ليفتضَّها المتحكم، وفي اللحظة المناسبة استل خنجره ونحره، ثم فتح النوافذ التي كان يفتحها صاحب القصر بإشارة معروفة لدى حاشيته وأتباعه، ليأتي من يأخذ الفتاة، بعد أن افتضّ بكارتها.. ومن ثم خرج من المكان منتصراً.
كنا نمر في منطقة الأهجر وحصون وادي النعيم وكان معي سائق من همدان، من أبناء المنطقة، يشير إلى بعض القرى، ويضع ما يحب من الأشرطة للمطربين اليمنيين الذين يحبهم، وأشار إلى موقع، قُتل فيه مجاهد أبو شوارب. في مقطع من أغنية سمعتها، قال المغنّي:
بنيت لك في قلبي دار .. حجارة صم
والسَّاس نَشْم
وأصبحت حجارها مردَّم”
وحفر ذلك القول في قلبي: قوة عاطفة، وقوة إرادة، وتصاريف دهر، ليضع أمامي ما يصنعه التاريخ بالإنسان، وما يسجله الإنسان من تاريخ، وتأريخ في الحجر وفي الحياة، عن الإنسان المعجز، الذي يجدد التاريخ والحياة.
كان الحارث يوضح لي بعض ما غمض على من كلمات، وحدثني بشوق عن زيارته لجبال ريمة حيث البناء يعلو على السحاب، ويشكل الغيم ستراً، ويسمونه ثوب الستر، لأنه يخفي العاشقين الذين ينتشرون في مواقع عصية، من طبيعة جبلية في جبال ريمة. وحدثني عن “زول”أي شخص سوداني اختصر تلك المواقع الشاهقة بقول طريف، فحين سئل عن جبال ريمة قال: الناس في كل أنحاء الدنيا يدعون الله هكذا وجعل جسمه منتصباً، وكفيه مبسوطتين، ورأسه وعينيه إلى أعلى.. أما في “الجبين”، أي في القرية التي تقع في قمة من قمم جبال “ريمة”، فهم يدعونه هكذا: وقوس ظهره، وأخفض رأسه، وبسط كفيه نحو الأسفل، ونظر من أعلى إلى أسفل.
وادي الريادي وقراه منظر طبيعي جعله اليمينيون منظر انتصار الإنسان على الطبيعة، ومنطقة يجتلي فيها اليماني صورته المفارقة لطبيعة نوع من البشر، ينتشرون مثل الديدان في وحول الأرض.
في وقت من الأوقات كنت قرب مدينة تعز، التي كان اسمها عُدَينَة، وتغير اسمها بعد معركة قاتل فيها أهلها دفاعاً عنها، وكانوا يرددون تَعِزّ سوف تَعِزّ، أي تنتصر وتعلو، ومن ثم سميت تعز ونُسي الاسم”عدينة”..
في تلك المدينة التي كانت عاصمة لليمن في يوم من الأيام، زرت “جبل صَبْر” ذَا اللَّيَّات، والسطوة، والزهو، وصعَدت إلى القمة، حيث الناس نسور، وصليت من فوق امتداد صخرة، استشرفت منها الكثير مما هو مادي، ومعنوي، وروحي. كان اليمن أمامي من ذلك المرتفع الشاهق.. نعم اليمن أمامي: الجغرافية، والتاريخ، والناس الذين ملأت حكايات بطولاتهم أرضاً واسعة، وللحظة خِلْت أن الفضاء من حولي يضج بذكرى والي اليمن معاذ بن جبل، والوالي الخليفة علي بن أبي طالب، الذي أقام في مدينة “إِبْ”، رضي الله عنهما، خلتهما في ذلك الفضاء الرحب علمان وآيتان من عمل وجهاد واجتهاد. وكثيراً ما عاودتني تلك الصورة التي رسمتها لليمن من فوق قمة جبل صَبْر. لفتت نظري مدرجات صنعها الفلاح اليمني في السفوح، ليطوع الأرض، ويزرع.. ووجدت في أماكن بعض شَجر الطَّلْح، والسِّدْر الذي يشكل في كثير من الحالات، أماكن يستظل بها الإنسان من الشمس، ويرتاح في ظلها بين أوقات العمل الشاق.
في “دار الحجر”قرب صنعاء شاهدت منظراً عجباً، لقد حول اليمانيون صخرة ضخمة تقع في وسط “وادي ظَهْر”إلى مقبرة في القديم، وكهوف سكن من بعد، حيث حفروا في ذلك الجسم الأصم أماكن ملائمة للسكن، والخزن، وسواهما من أغراض. وفي عهد الإمام تمت الاستفادة من الصخرة والكهوف، وبنيت فوقها طبقات ثلاث، على تمام مساحتها، اتُّخذت قصراً، وتمت الاستفادة من التجاويف والنتوءات، كما تم الانسجام مع تكوراتها وتجاويفها ونشوزها، والاستفادة من ذلك بصورة نادرة، مع المحافظة على الطبيعة.. وهي تقدم صورة إنسان ذواقة، لـه تفوق عبقري في فن العمارة، وصورة بنائين يتقنون البناء بمهارة وذوق، ويخضعون الحجر لإرادتهم، ومهندسين على الفطرة، يتفوقون على كثيرين ممن درسوا الهندسة، وفنون العمارة. في جوف الصخرة حُفرت بئر لتخزين الماء، قيل إن عمقها مئتا متر، وحتى لو كانت مئة أو أقل من ذلك، فإن حفرها في قلب الصخر، وفي موقع ملائم من ذاك المكان، وبأدوات قديمة، ينم عن عبقرية كبيرة.
في المكان الذي أصبح مقراً ومزاراً ثم متحفاً، توجد أماكن لتبريد اللحم وحفظه، حيث يمكن أن يبقى هناك مدة زمنية طويلة، من دون أن يفسُد، وهناك أماكن لخزن الحبوب وبئر للمياه كما أسلفت، وأماكن توفر ما يلزم للصمود في حالة حصار قد يطول.
دار الحجر في وسط محيط خضرة، وادٍ تحول عن زراعة شجرة البُن إلى زراعة شجرة القَات، وأصبح أفضل منتِج لواحد من أفضل أنواعه في اليمن:قات ضُلَع. ولن أتحدث عن القات فقد كانت لي معه قصة ليس هنا مكانها.
باب اليمن في صنعاء مما يجب أن يتم تذكره والإشارة إليه، وسور صنعاء ممتد بحصون ذات بطون منتفخة. والسوق داخل السور من بدايته حتى سوق الملح، ينتشر فيه باعةٌ على طريقة أسواقنا، مع بعض التخلف في العرض. ومما لا ينسى تمايزه بفن معماره، ذلك البناء الممتاز من الحجر الأسود، القصر الجمهوري. عبقرية في المعمار تجدها في أبنية صنعاء، التي تكسب المدينة شخصية متميزة، وتشير إلى عبقرية البنَّاء اليمني، وذوقه، وقدرته على التعامل مع الحجر الصلد، وكأنه يتعامل مع الخشب أو الجبصين أو التراب، حيث يطوعه لإرادته تطويعا. وقد استحقت صنعاء بجدارة جائزة المدينة العربية، وهي من المدن التي يتمتع معمارها بحماية اليونيسكو، لأصالته، وجماله، وخصوصيته.
ومن ذلك الذي شاهدته في منطقة المحويت، أو في الطريق إليها، وفي جبل صَبْر أو في الطريق إليه، وفي تعز، ودار الحجر، وصنعاء.. إلخ، أستطيع أن أجزم بأن اليمني تلاءم مع الطبيعة ولم يخربها، انسجم معها، وتطاول عليها، مستفيداً من فهمه لمعادلاتها. اليمني يأكل القليل عند اللزوم، ويكتفي بلقيمات يُقِمْن صُلبه، ولكنه لا يرخص كرامته، ولا يضع روحه في خدمة جسده، بل يفعل العكس.
“أهلي في اليمن، واليمن أصل العرب في أقوال، هم الذين أخضعوا الجبال الصم، وسكنوا القمم الشاهقة، وأشاعوا في الصخر حياة، وفي الحياة كرامة، وحساً جمالياً، وروح حرية عالية.. إنهم ينتجون عن “غِل”صغير ـــ أي نهير، أو ساقية منحدرة من جبلٍ عبر واد ـــ خضرةَ الوديان، وطعام الإنسان، وفاكهة الزمان. في اليمن.. في أرض همدان أرض حاشد وبكيل، وقبائل، وقبائل.. ينتشر البشر على القمم مثل النسور، ويزرعون، ويرتاحون، في أحواض الخضرة والسكون التي يصنعونها.
كل ذلك الذي أشرت إليه يجعل الإنسان على مر التاريخ، في اليمن، هو أكبر شواهق اليمن.. وكم يحزنني، وأنا أستعيد هذه الذكريات عن عَمْد، وبقصدٍ، في هذه الظروف المؤلمة والصراعات الدامية، أن أجد بعض اليمنيين، يهوون باليمن من شواهق، إلى هوة بعد هوَّة من الدم والردم والشقاء والغم، لا تليق به، ولا بتاريخه العريق، ولا باليمنيين الذين كان منهم، بعض شواهق الزمن.. أستعيد ذلك لأتذكَّ، ولأُذكِّر بأن “الحِكْمةَ يمانية”، فلا تضيعوها، ولا تفرّطوا بتاريخكم وتاريخها.. واستقيموا يستقم بعض شأن الأمة، ويَلْتَئم جرح من جراحها الكثيرة.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إلى الأعلى