الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ضد “داعش” والإخوان

ضد “داعش” والإخوان

أحمد مصطفى

” لا يريد الغرب أو غيره مصلحة هذا الطرف الأصيل ـ شعوب بلدان المنطقة ـ ليس بالضرورة لأنه ضدهم أو يستهدفهم ولكن ببساطة لأن ذلك لا يعنيه في سعيه لتحقيق مصالحه والحفاظ عليها. ويستفيد، مؤقتان من هؤلاء الانتهازيين الذين يعملون سواء بقصد أو غفلة على زيادة الانقسامات وتعزيز مدخلات الصراع بين أبناء جلدتهم. عارض الأنظمة كما شئت، لكن لا تقدم لي الإخوان كبديل إنقاذ..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسط التخبط الذي تعيشه المنطقة، والانتهازية الشديدة لدى البعض وكم النفاق والتدليس المهول، يجد من يرفع سيف التخوين ومصادرة آراء الآخر لمجرد أنها لا تتفق مع ما يتبناه مساحة للتأثير في الناس عبر وسائط التواصل الحديثة. ومن هذه النماذج الشائعة الآن، من يتهم كل من يعارض داعش والقاعدة والإخوان وكل الجماعات الإرهابية والمتطرفة في سوريا بأنه “يصف مع نظام الأسد” أو اتهام كل من يقف ضد فرض ما تسمى “الأسرة الدولية” حكم الإخوان في ليبيا بأنه “من أتباع نظام القذافي البائد”. ومن غير المجدي مجادلة أمثال هؤلاء بأنه يمكن أن تكون “في صف الشعب السوري” المعارض لنظام الأسد وأن تكون ضد داعش والإخوان في آن.
لسنا بحاجة لتكرار ما يعرفه كثيرون، وإن جادل البعض بالباطل لتخفيف حقيقته، من أن كل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة إنما خرجت من عباءة تنظيم الإخوان الذي تبلور مطلع القرن الماضي ونواته في مصر ليصبح تنظيما عالميا عبارا للحدود. ومنذ بدايته كان للإخوان جناح عسكري هو “التنظيم السري” الذي يعد الملهم الرئيسي لكل أعمال العنف التي ترتكب باسم الدين ـ بدءا بتنظيم “الجماعة الإسلامية” في مصر وغيرها وانتهاء بتنظيم داعش، والذي لن يكون بالضرورة الأخير. والموقف ضد كل هذه التنظيمات ليس فقط لكونها إرهابية متطرفة فحسب وإنما أيضا لأنها تشوه دين الإسلام. بل ربما يذهب المرء إلى ما هو أبعد مستنتجا أن إصرار الغرب على تولية الإخوان شؤون بلدان المنطقة يستهدف استمرار وضعها في حالة صراع داخلي يستنزفها ويبقي عليها منهكة بصراعات بين ما يوصف بأنه “تطرف” و”اعتدال”.
ليس معنى ذلك بالطبع أن أنظمة قمعية أو شمولية مستبدة هي البديل الحتمي لمثل هذا الصراع المغلف بستار الدين ولا حتى أن تلك الأنظمة هي بالضرورة حائط صد أمام ما يريده “الخارج” لبلدان المنطقة ولا يصب في مصلحتها. لكن أيضا لا يمكن الوقوع في فخ أن “تستجير من الرمضاء بالنار” وأنت تعرف وتغالط فقط لتبدو متسقا مع ما يقول به “الخواجة” طمعا في أن يعتبرك “متنورا وعصريا”. هؤلاء الذين يستسهلون توجيه الاتهامات لمن يرى غير ما يرون إنما هم أكثر ضررا من الخطرين المحدقين بنا لأنهم يريحون أنفسهم والجمهور عناء العمل الجدي لإفراز البديل. هذا البديل ليس ابتكارا، وإنما هو ببساطة الطرف الأصيل في كلا هذه الصراعات والذي لا يعبر عنه أحد سواء من نظم القمع أو من تنظيمات التطرف والإرهاب.
لا يريد الغرب أو غيره مصلحة هذا الطرف الأصيل ـ شعوب بلدان المنطقة ـ ليس بالضرورة لأنه ضدهم أو يستهدفهم ولكن ببساطة لأن ذلك لا يعنيه في سعيه لتحقيق مصالحه والحفاظ عليها. ويستفيد، مؤقتان من هؤلاء الانتهازيين الذين يعملون سواء بقصد أو غفلة على زيادة الانقسامات وتعزيز مدخلات الصراع بين أبناء جلدتهم. عارض الأنظمة كما شئت، لكن لا تقدم لي الإخوان كبديل إنقاذ أو كمحافظين على مصالح الأمة وليسوا انتهازيين يعيشون على أنقاض بلدانهم طالبين رضا الخواجة قبل ربهم الذي يدعون أنهم يعملون في ظل دينه بينما هم يستغلون هذا الدين أسوأ استغلال. ولا تشترط أن معارضة النظام تعني القبول بمن يعارضه، حتى لو كان إرهابيا أو متطرفا. ذلك التوجه السائد في السنوات الأخيرة هو ما سهل على ما تسمى “الأسرة الدولية” فرض حكومة إخوانية في ليبيا ويسعون الآن لفعل الشيء نفسه بطريقة أو بأخرى في اليمن ـ سواء عبر عملية للأمم المتحدة أو بتوافق أطراف اقليمية.
ربما لا يبدو الأمر واضحا تماما في سوريا، لكن كل المؤشرات تدفع لاستنتاج أن الإخوان هم المستفيد النهائي من كل ما يجري وأن الطرف الخارجي الذي يتدخل بقوة أكثر من غيره في الشأن السوري، إيران، لن يكون لديه مشكلة في ذلك ـ فالإخوان بطبيعتهم الانتهازية يمكن أن يكونوا أفضل من غيرهم لعقد صفقات حفاظ على مصالح الآخرين. ومع تحول الصراع، خاصة في سوريا، إلى ديني/طائفي وتعززت طائفيته بفضل هؤلاء المنظرين الذين أشرنا إليهم في البداية، تزيد فرص الإخوان باعتبارهم “البديل المعتدل” مقابل الإرهاب. وكما فعل التدخل الغربي في العراق بالعمل على تجذر صراع شيعي/سني يحدث الآن في سوريا، وقد وصل الوضع إلى مرحلة اللاعودة تقريبا. وذلك أنسب مناخ لجماعات كالإخوان لاقتناص دور لا يستحقونه، ثم ندخل في هرطقة “اختيار الجماهير” المتحمسة “بالشعور الديني” وتصبح قضية ديموقراطية وغيره.
ربما لن يتكرر سيناريو مصر في أي بلد، حيث ركب الإخوان موجة احتجاجات جماهيرية ضد نظام الحكم ووصلوا للسلطة قبل أن يزيحهم الجيش مدعوما برغبة شعبية. لكن ليس معنى ألا يتكرر ذلك أن نشهد تجربة افضل، بل على العكس فما وصلنا إليه في المنطقة ينذر بالأسوأ للأسف. حتى نموذج تونس، الذي تعامل فيه الإخوان بطريقة الحل الوسط وتفادوا رد فعل شعبي عكس ضدهم بالمشاركة في الحكم فحسب قد يكون غير وارد في حالة دول تفتتها الصراعات المسلحة ذات الصبغة الطائفية والعرقية.

إلى الأعلى