السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اللازمن العربي ومقاييسه الأخلاقية الرديئة!

اللازمن العربي ومقاييسه الأخلاقية الرديئة!

د. فايز رشيد

” من يؤمن بتحرير كل أرض فلسطين من النهر إلى البحر, يبدو في نظر كثيرين: “مغامرا “, لغته خشبية, مثاليا غير واقعي, حالما يسبح في الخيال …. كذلك من يؤمن بالوحدة العربية على المدى الاستراتيجي, وقس على ذلك!. في كل حقل من مجالات الحياة, تجد القيم الأصيلة, والقيم المكتسبة, الطارئة على مجتمعاتنا: في الثقافة هناك مروجو ثقافات النخب الحاكمة وسياساتها وتبريراتها وعجزها.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باع يهوذا الاسخريوطي, المسيح عليه السلام لليهود, بثلاثين من الفضة! وحاصر العرب (الأعراب) نبينا الكريم في غار حراء, ولو وجدوه لعلقوا رأسه المقطوع على جدران الكعبة. ضرب الأمويون الكعبة الشريفة بالمنجنيق مرّتين, واحرقوها خلال حكمهم، مرة في زمن يزيد بن معاوية, ذلك بقيادة الحصين بن النمير، وأخرى في زمن عبد الملك بن مروان بقيادة الحجّاج بن يوسف الثقفي. الأخير حاصر الصحابي الجليل عبدالله بن الزبير سبعة أشهر في الحرم الشريف!. خشي عبدالله المثول للأمويين حيّا. حضّته أمه أسماء بنت أبي بكر على المضي في القتال حتى نيل الشهادة. لكنه خشي أيضا التمثيل بجثته! فقالت له المقولة الخالدة: وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها!. مضى إلى القتال واستشهد. جزّ الحجاج رأسه, وأرسله إلى عبد الملك بن مروان، وصلب بدنه مُنكّسًا في مكة، فما زال مصلوبًا حتى مر به عبد الله بن عمر, فقال قولته الخالدة المملوءة عزّا وكبرياء للمعني في حياته وموته: أما آن لهذا الفارس أن يترجّل؟، فأُنزل ودُفن هناك.
من بين مئات العناوين التي قرأتها, والتي تدور ولو قليلا حول الموضوع المطروح, استوقفني عنوانان: الأول, عنوان مجموعة قصصية للراحل الشهيد المبدع غسان كنفاني:” عالم ليس لنا ” . الثاني , ” لن يفهمني أحد غير الزيتون ” وهو عنوان قصيدة للشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة أطال الله في عمره. العنوانان ينطقان بنوع من الغربة عن القيم المجتمعية السائدة حاليا! في أحيان كثيرة: ومن قبل كثيرين, يجري وصف من قام بالنصب بـ” الفهلوي”, ووصف الانسان “الأمين ” الذي لا يستثمر منصبه في نهب المال العام والاغتناء بـ” الأهبَل” !. أما ” المنافق” فقد أصبح في سياق الزمن الرديء “ذكيا ” يعرف كيف يغتنم الفرصة ويسترضي رؤساءه!, والذي يقول الحق ولو على قطع رأسه, “حدّي” و “عدواني”. يجري تقييم الإنسان حاليا من قبل الكثيرين, وفق ما يمتلك من أموال, وليس لأخلاقه! وكذلك من حيث مدى احترامه من قبل العديدين في مجتمعه. في محاولة لتمرير القيم الجديدة يجري التمسك بأقوال وأمثال من نمط: “بقدَر ما تملك , بتسوى” , ” بوس إيده وادعي عليها بالكسر” , ” اللي بوخذ إمي هوعمي ” وغير ذلك من المصطلحات الشبيهة.
ما سبق هو استعراض مختصر لزمنين قديم وحديث! الزمنان يتقاطعان في الظلم والجور بعيدا عن العدالة, بين مفهومي الأصالة والنذالة لصالح الأخيرة ! نرى اضمحلالا متدرجا لقيَم مثل : الأصالة, المبدئية, الأخلاق العالية, الشهامة, النبل وغيرها من الصفات التي مثلت عناوين رئيسية للوجود الإنساني في عالمنا العربي, لصالح ما يوحي بعكسها. نعم يتلقى الواحد منا, الطعنات يوميا في ظهره من القريبين (المفترض فيهم أنهم خط الدفاع الأول عنه!) كما البعيدين. يعتدون علانية على الحقائق ووعودهم وعليك, في انجرار واهم نحو الذات(الفارغة أصلا) وتضخيمها! كما البهرجة والبروزة أيا كانت أكلافها! لكل ذلك, فإن التفاهة هي السائدة مواضيع, كتّابا, ونَيلا لإجماع القراء.إن كتب فن الطبخ والأبراج وحوادث الفنانات (طلاقهن وزواجهن وعريهن) هي الأكثر رواجا في زمننا. يكفي أن تكتب ولو اختلاقا لحوادث عن مساويء النظام السوري والآخر الإيراني .. والروسي أيضا لتنال إعجاب الآلاف من القراء! وحول اهمية شرذمة الوطن العربي إلى سنة وشيعة وعلويين وأكرادا لتنال إعجاب الآلاف من القراء! هذا على صعيد الاجتماع.
من يؤمن بتحرير كل أرض فلسطين من النهر إلى البحر, يبدو في نظر كثيرين: “مغامرا “, لغته خشبية, مثاليا غير واقعي, حالما يسبح في الخيال …. كذلك من يؤمن بالوحدة العربية على المدى الاستراتيجي, وقس على ذلك!. في كل حقل من مجالات الحياة, تجد القيم الأصيلة, والقيم المكتسبة, الطارئة على مجتمعاتنا: في الثقافة هناك مروجو ثقافات النخب الحاكمة وسياساتها وتبريراتها وعجزها. تجد مثل هذه المظاهر أيضا في المجال الاقتصادي وغيره. في محاولة تفسير هذه الظواهر! يتوجب التطرق ولو بشكل مكثف ومختصر إلى بعض المصطلحات التي هي بمثابة القوانين في المجالات المطروحة, وعلى هذا الصعيد نقول : بداية, إن الوعي هو انعكاس للواقع. الأخير يتشكل رئيسيا من المعرفة, وبما يدور في المجتمع من ظواهر: اقتصادية, اجتماعية, سياسية, ثقافية وغيرها. كل هذه الظواهر / المجالات لها نظرياتها المبنية على تعريفات تحاول أن تكون محددة, فالاختلاف حولها كبير وواسع ,لكن هناك سمات مشتركة لكل واحدة منها وقاسما مشتركا أعظم, فيما بينها. هذه الظواهر ليست منفصلة بعضها عن بعض, فهي مرتبطة بشكل جدلي: تؤثر كل حلقة منها في الأخرى وتستقبل تأثيرها, لذا فلا فصل بين الثقافي والسياسي والأخير والاقتصادي, وكلها والاجتماعي. هذا على سبيل المثال وليس الحصر, وإذا كانت مهمة المثقف أن يحلم , فالسياسي هو الذي يقوم بتحقيق الحلم! هذا ما هو متعارف عليه, لكنه يفتقد إلى الصحة التامة وما أقصر نظر العديدين من سياسيينا ومثقفينا ممن جعلوا من أنفسهم أدوات قمعية لمثيلهم في الصفات كلما سنحت الفرصة لهم بذلك! لكن لعل البعض يدرك متأخرا: بأن ليس لحم كل الطيور قابلا للأكل, فمن حق المثقف أن يعمل على تغيير الواقع ولا يقتصر دوره على الحلم فقط. الأمر الأخير يستند إلى مدارس متعددة, منها: الواقعية ( والواقعية الاشتراكية) من ضمن الأخيرة! كذلك الأمر في الاقتصاد وغيره.
لعل عيسى عليه السلام كان أكثر من محق عندما قال جملته الشهيرة: “لا كرامة لنبي في وطنه/قومه!. في الواقع .. وعلى الأغلب… فإن الدوائر المحيطة بمطلق كفاءة عربية, هي آخر من يعي ويدرك حقيقتها! للعلم, الكفاءات نوعان: كفاءات لم يكن لأحد أن يسمع بها لولا انتمائها لهذه الحركة/ الحزب/ الجهة, التي كانت السبب والمسبب في توصيلها لما وصلت إليه, ولهذا تراها تسبق اسمها بما تحتله من منصب بحذافيره, وتحاول إخراجه بشكل جميل.. النوع الثاني, كفاءات… لم يكن لأحد فضل عليها, سوى سواعدها! الأولى تكبر بمناصبها, أما الثانية فتكبر المناصب بها, والفرق كبير بين الحالتين بالطبع ما سبق ينطبق أيضا عل كافة أشكال الكفاءات بمن فيها الفكرية وعلى رفض البعض الإصغاء للآخر,وافتقاد الكثيرين لأدب الحوار..الخ . بقي القول: في العادة ,هناك أعداء للنجاح من الإطارات الضيقة القريبة للكفاءات المعنية , والتحية لكم أيها القراء الأعزاء, وإلى لقاء.

إلى الأعلى