الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “مسجد الموحدين” بالجزائر.. حينما يرتفع صوت المؤذن من باطن الأرض
“مسجد الموحدين” بالجزائر.. حينما يرتفع صوت المؤذن من باطن الأرض

“مسجد الموحدين” بالجزائر.. حينما يرتفع صوت المؤذن من باطن الأرض

الجزائر ـ العمانية:
حينما قال العلامة الجزائري عبد الحميد بن باديس (1889-1940) مقولته المشهورة التي تتداولها الألسن إلى اليوم كالمثل السائر: “شعبُ الجزائر مسلمٌ.. وإلى العروبة ينتسب”، لم يكن يُفاخر أو يُباهي بهذه الصفات التي ميّزت شعبه وأمته التي ناضل من أجلها معلّما ومصلحا طيلة حياته، وإنما كان يُقرّر أنّ الشعب الجزائريّ لن تستطيع قوى الاستعمار الفرنسي أن تمحو عناصر هويته، أو أن تسلخه من روافد شخصيته التي يُشكّل الإسلام واللغة العربية أهمّ مكوناتها.
وللوقوف على هذه الحقائق، ليس هناك أفضل من استنطاق الشواهد التي ما زالت ماثلة إلى اليوم تتحدث بلسان فصيح لا عوج فيه عن تمسُّك الجزائريين بدينهم ولغتهم حتى في أحلك الظروف التي مرُّوا بها وذاقوا فيها ويلات الاستعمار الفرنسي طيلة 132 عاما من القهر والظلم والحرمان.
هناك بعيدا في صحراء قاحلة، ولكنها عامرة بقلوب عاشت بالله ولله، اضطر الشيخ سيدي محمد بن بحوص أن يحفر باطن الأرض ليتّخذ منه مسجدا يتعبّد الله فيه بعدما بلغ جبروت السلطات الاستعمارية الفرنسية أن منعت الجزائريين، وهم أصحاب الأرض، من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وحرمتهم بقوة السلاح والنار من بناء المساجد.
وإلى اليوم ما زال سكان ولاية البيض (800 كم جنوب غرب الجزائر) يتردّدون على مسجد زاوية الموحدين للعبادة أولا، وللوقوف على تحدّي الشيخ بن بحوص للسلطات الاستعمارية الفرنسية عندما قرّر حفر مسجده سنة 1940 باستعمال وسائل تقليدية بسيطة لم تزد على المطرقة و”القدوم”، على ما تذكر الكثير من المراجع التاريخية، متّخذا له من الصخور أعمدة وجدرانا، ومن باطن الأرض سقفا على مساحة تُقدر بنحو 200 متر مربع.
وعلى الرغم من أنّ الكثير من الجزائريين، خاصة أولئك الذين لم يسبق لهم وأن زاروا ولاية البيض، يجهلون وجود هذا المسجد، إلا أنّ السكان المحليّين يعرفون جيّدا تاريخ إنجاز المسجد وتفاصيل بنائه، وهم يُفضّلونه لأداء صلواتهم على مساجد أخرى، خاصة في فصل الصيف المعروف بشدة حرارته بهذه المنطقة، فمسجدُ الموحدين الواقع تحت الأرض يوفّر لهم أفضل الظروف لأداء العبادة في جو بارد.
لم يستعن الشيخ بن بحوص لإقامة هذا المسجد بأيّ مادة من مواد البناء المعروفة في ذلك الوقت، واستعان فقط بوسائل بدائية أعانته على نحت الصخور نحتا، ليتمكّن هذا الشيخ الفاضل، وهو من سلالة أولاد سيدي الشيخ، تلك القبيلة المعروفة في هذه المنطقة بوقوفها في وجه الاستعمار الفرنسي وقوف الأبطال، من إتمام تشييده سنة 1940 بعد شهور من العمل الدؤوب المتواصل.
ولم تكن فكرة إنشاء مسجد تحت الأرض التي راودت الشيخ بن بحوص سوى بمثابة الرد العملي على المستعمر الفرنسي الذي كان وقتها يمنع بناء المساجد ويهدمها ويحظر تعلُّم علوم القرآن واللغة العربية في إطار عملية محاربته للهوية الوطنية.
ولأنّ الشيخ عاش طيلة حياته معتزّا بعروبته وإسلامه، اهتدى إلى تلك الطريقة الفريدة من نوعها، والتي خادع بها المستعمر الفرنسي لفترة طويلة في الجزائر، إلى درجة أنْ تحوّل هذا المسجد إلى منارة للعلم وقبلة لطلبة العلوم، كما كان في الوقت نفسه مخبأ للمجاهدين الرافضين لتواجد المستعمر الفرنسي بالجزائر.
وما أن أرسى مسجد زاوية الموحدين دعائمه وذاع صيته، حتى استطاعت السلطات الاستعمارية الفرنسية اكتشافه، حيث اهتدت إليه سنة 1950، وهذا بعد تحريات ووشاية من بعض أعوانها، فسارعت كخطوة أولى في سبيل إسكات صوت الحق إلى اعتقال الشيخ بن بحوص، ثم نفيه من المنطقة ووضعه تحت الإقامة الجبرية في مدينة البيض، بعيدا عن زاويته التي شيّدها بأكثر من 40 كم، حتى وافته المنية سنة 1954، وهي السنة التي شاءت الأقدار أن تتزامن مع اندلاع ثورة التحرير.
وبقي هذا البيت العامر بالذكر والصلاة قبلة مفضّلة لدى الكثير من المصلّين المقيمين بهذه الولاية الجنوبية لأداء صلواتهم، وذلك لكونه يقع بالكامل تحت الأرض على عمق ستة أمتار من سطحها، وهو بهذه المواصفات يوفر الظروف الملائمة صيفا وشتاء للمصلين والذاكرين والمتعبّدين، وفضلا عن ذلك، فهو مسجدٌ متميّزٌ أيضا من حيث طريقة إنجازه الفريدة من نوعها.
ويتم الدخول إلى مسجد زاوية الموحدين، عن طريق بوابة صغيرة تقع فوق الأرض، حيث يقوم مرتادو هذا المسجد بنزول سلالم تمّ إنجازها عن طريق الحفر أمتارا تحت الأرض، ولعلّ الزائر للمسجد تجذبه طريقة تشييده التي تعدّ آية في الإتقان، إلى درجة أنّ كثيرا ممّن زاروه لأول مرة، اعتقدوا أنّ مهندسا مختصًّا صمّمه، وذلك بالنظر إلى تناسق أركانه وجدرانه، وتطابق مساحته مع الأعمدة الأرضية التي تحمله.

إلى الأعلى