الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الرضا بالمقسوم عبادة

الرضا بالمقسوم عبادة

هذا الجملة (الرضا بالمقسوم عبادة) كنا دائماً نسمعها صغاراً ولم نكن نفهم معناها حتى اتضح لنا فيما بعد معناها وعلمنا أن المقصود بها القناعة.
فالقناعة هي الرضا بما قسم الله تعالى فإن كان الرزق يسيراً فعلى الإنسان أن يصبر وإن كان كثيراً، فعلى الإنسان أن يشكر ولا يكون الإنسان شاكرا أو صابراً إلا المؤمن لأن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر ولا يكون الصبر والشكر خلقاً من خلق المسلم إلا بالتغلب على شهوات النفس والحد من رغباتها والقناعة ليست بعيدة المنال بل هي متصلة بحياة الإنسان السعيد الذي لا يريد من عمله شهرة إنما يريد السعادة في الدنيا والآخرة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه) ـ رواه مسلم.
ويروى عن مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز عند موته فقال: يا أمير المؤمنين صنعت صنيعاً لم يصنعه أحد قبلك تركتَ ولدك ليس له درهم ولا دينار وكان له ثلاثة عشر من الولد فقال عمر: أقعدوني! فأقعدوه فقال: أما قولك لم أدع لهم ديناراً ولا درهماً فإني لم أمنعهم حقاً لهم ولم أعطهم حقاً كان لغيرهم! وإنما ولدي أحد رجلين: إما مطيع لله فالله كافيه والله يتولى الصالحين وإما عاصٍ لله فلا أبالي على ما وقع. وروي أن محمد بن كعب أصاب مالاً كثيراً فقيل له لو ادخرته لولدك من بعدك؟ قال لا ولكني أدخره لنفسي عند ربي وأدخر ربي لولدي. وقال يحيى بن معاذ: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته، قيل: وما هما؟ قال: يؤخذ منه كله ويسئل عنه كله.
فالمؤمن قانع دائماً ويعلم أن القناعة كنز لا يفنى لأنه مؤمن بربه ويعلم تمام العلم أن ليس كما مهملا ولا درة ضائعة بل عبد مطيع لربه مطمئن على رزقه وقال علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ أحسن إلى من شئت تكن أميره واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره إن القانع يشعر بسعادة في فقره لا يشعر بها صاحب السعة في الطامع في جشعه فنفس القانع آمنة مطمئنة لم يدخل إلى ساحتها الجشع ولم يمد يده إلى أحد طامعاً.
روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه جاء وقت غدائه فأكل ثم قال الحمد لله الذي أوجده وجعلنا نشتهيه فقيل له لم تتقول ذلك قال إن الناس أربعة هناك من يجد ويشتهي وهو الغني السليم وهناك من يجد ولا يشتهي وهو الغني المريض وهناك من لم يجد ويشتهي وهو الفقير المعافى وهناك من لا يجد ولا يشتهي وهو الفقير المريض فالحمد لله الذي أوجده وجعلنا نشتهيه. فكم من فقير تمنعه عزة نفسه أن يسأل وعلى رزقه يسعى وعلى الله يتوكل، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس) ـ رواه البخاري.
إن المتصف بغنى النفس يكون قانعًا بما رزقه الله لا يحرص على الازدياد لغير حاجة ولا يلح في الطلب ولا يلحف في السؤال بل يرضى بما قسم الله له والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أُعطي بل هو أبدًا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغن بما أُعطي فكأنه ليس بغني ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره علمًا بأن الذي عند الله خير وأبقى.
وقد وصف لله تعالى المنافقين بعدم القناعة والطمع والجشع وجعلها من سماتهم فقال تعالى:(ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون) (التوبة ـ 59)، وعن ابن عباس قال في قوله تعالى: (فلنحيينه حياة طيبة) (النحل ـ 97) قال: (القنوع)، قال: وكان رسول الله يدعو يقول: (اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير) مصنف ابن أبي شيبة إن ما أعطاك الله هو خير لك فقد يعطيك الله مالاً فيطغيك قال تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير) (الشورى ـ 27).
وقد أراد الله سبحانه وتعالى بحكمته البالغة وعلمه النافذ أن يفضل بعض الناس على بعض في الأموال والأولاد والمساكن والأراضي والبساتين والصحة والعافية والقوة والعقل والذكاء والحكمة واللسان والبيان والمراكب والمناصب، إلى غير ذلك مما فضل الله به بعض الناس على بعض، ولا يقدر أحد من الناس أن يغير حياته، وأن يزيد أو ينقص في رزقه أو عمره، فكل ذلك مسجل عند الله تعالى بمقدار، وقد قدره علينا الكبير المتعال.
ولا بد للمسلم إذا أراد علاجاً من الشره والطمع أن ينظر إلى عمره أنه أيام معدودة وساعات محدودة وليس له إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى وقدم فأبقى وليرض بما قسمه الله تعالى له ولينظر إلى من تحته ولا ينظر إلى من فوقه.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى