الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دعوة إبراهيم لأبيه

دعوة إبراهيم لأبيه

أيها القراء الأعزاء:
روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً).
المعصية وباء ومرض أشد دماراً وهلاكاً من سرطان أو طاعون، فالأمراض والأوبئة التي تصيب الجسد حظ المؤمن منها مغفرة وأجر ورفع درجة، فأمراض البدن تُعد من مكفرات الذنوب والخطايا، أما المعصية فإنها وباء يصيب القلوب، وماذا ننتظر إذا أصبحت القلوب مريضة لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً ولا تحل حلالاً ولا تحرم حراماً؟ إن مرض الجسد ينتهي بالشفاء أو الموت، أما مرض القلب فلا ينتهي إلا في جهنم حيث خُلقت النار لإذابة القلوب القاسية.
وأهل الباطل يزينون المعصية ويغرون بها عباد الله، ولكن الباطل تعرفه قلوب المؤمنين، فليس له في قلوبهم حب ولا تعظيم ولا هيبة ولا ولاء مهما تزيا بثياب براقة ومهما حاول أهله أن يلبسوه رداء الحضارة والمدنية، فالحق هو ما دعا إليه الله ورسوله، والفضيلة هي ما جاءت به الشريعة الخاتمة، وما سوى ذلك فهو ضلال وعمى، وشر العمى عمى القلب.
إن الباطل لا يظهر إلا في غياب الحق، كما لا يحل الظلام إلا في غياب نور الشمس، فإذا سطعت أنوار الحق توارى الباطل في جحوره، فالقلوب التي أحبت ربها وعبدته وحده لا شريك له لا تساوم على غيره محبوباً وإلها معبوداً تحبه وتشتاق إليه كما في نفس الوقت تخشاه وتخاف عذابه.
ولا يزيل الباطل من حياة الناس إلا الدعوة إلى الله، ولا تقوم دعوة صحيحة إلا بالحكمة والقول الطيب، فالشارد عن الله ضائع تائه لا يعرف لحياته غاية ولا لسعيه منتهى، وحتى يفيء إلي رحاب ربه يحتاج إلي طبيب يمسح جراحه ويأخذ بيده ليدخله إلي ساحة ربه الكريم، وأما من أعرض وتكبر واستغنى عن الله، فالله غني عن العالمين لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين: روي مسلم عن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :(قال الله تعالى: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرما بينكم، فلا تظالموا، يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها: فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
ونحن أمام صورة مشرقة لداع كريم، والغريب في هذه الصورة أنها دعوة حق من ابن لأبيه، فكما أن هناك عقوق للوالدين فهناك عقوق من الوالدين إذا أعرضا عن دين الله وشرعه وقاما حائلا بين ولدهما وبين الإيمان بالله وطاعته، وحينئذ فلا سمع ولا طاعة لأن الطاعة في المعروف، أما المعصية فلا فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
إننا أمام دعوة إبراهيم (عليه السلام) لأبيه، كيف كان به رفيقاً حليماً؟ ليس بفظ ولا غليظ، وإنما يقف من العاصي موقف الطبيب من المريض الذي يبحث له عن دواء لعلته ومرضه.
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا). ونلحظ في هذه الآيات عدة وقفات:
1 ـ حكمة الدعوة: في تكرار لفظ (يا أبت) أربع مرات ، والفطرة هي أن الإنسان يحب الخير لأهله وذويه لأنهم أقرب الناس إليه فكيف بأمه وأبيه؟ وإبراهيم (عليه السلام) يربطه بأبيه صلة الرحم والأبوة قبل صلة النبوة، وإن كان في الأصل هو من أعمامه ولكن يُطلق الأب على الأعمام والأجداد.
2 ـ التدرج في الدعوة لتكون أبلغ في الحجة: وهذا نجده من تهوين إبراهيم (عليه السلام) لأصنام وأحجار لا تنفع ولا تضر، فأين عقل العاقل حينما يهين نفسه بتعظيم حجر جماد أصّم لا يسمع ولا يرى؟ بينما كرّم الله الإنسان وأسجد له الملائكة وفضّله علي كثير ممن خلق تفضيلا؟! وهكذا شأن كل من سفه نفسه فاتخذ غير الله معبودا سواء كان يعبد هواه أو درهمه وديناره أو بطنه وفرجه وشهوته، فهذا كله لا يغنيه من الله شيئاً ولا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضراً.
3 ـ مراعاة الأدب في عرض الدعوة لكونها من صغير السن إلي كبير ومن ولد لأبيه، فذكر حيثية توجب اتباع الوالد لولده وهي ما اختصه الله بالرسالة والعلم الشرعي، فلا ينقص من شأن الأب أن يتبع ولده لأنه في الحقيقة سيكون متبعاً لشرع الله وهو رب الجميع، فهذا لا ينقص من قدره ولا يعيبه بين الناس، فالحق أحقُّ أن يُتبع (إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك)، فالدين دين الله وليس رأياً أو فهماً أو فكرة يراها إبراهيم (عليه السلام) فيريد أن يلزم بها غيره، وإنما هو وحي الله الذي يختص به من يشاء من عباده.
4 ـ التحذير من المخالفة لأنها ستضع المخالف في صف الشيطان وحزبه، والشيطان عدو لله وعدو لابن آدم فلا يأتي منه خير أبداً، فكيف يقبل عاقل أن ينصاع لعدوه الذي يريد هلاكه ودماره ويترك شرع ربه الذي فيه فلاحه ونجاته في الدنيا والآخرة؟! وقد ذكر حيثية التنفير من الشيطان لتكون أبلغ في البعد عنه وهو أن الشيطان كان للرحمن عصياً.
5 ـ ومن مهمة الأنبياء تذكير الناس بالغيب الذي سنرحل إليه ، بالترغيب في الجنة وما أعده الله فيها والترهيب من النار وسخط الله على من عصاه.
وهذا المنهج في الدعوة منهج حكيم سهل جميل يدخل إلي القلوب والعقول، فيه الأدب وحسن الخلق، وفيه إشباع ومخاطبة لعاطفة القلب كما فيه تحريك لكوامن الفكر والعقل، وهذه علامة نجاح الدعوة لأنها لم تغفل أي جانب من جوانب التأثير في الإنسان بشقيه الفكر والعاطفة.

علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى