الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دراسة من خلال القرآن الكريم والسنة وكلام العرب

دراسة من خلال القرآن الكريم والسنة وكلام العرب

الحرف في اللغة العربية له عدة استعمالات، وهو في كل استعمال له أحكامه وضوابطه، وله معانيه ودلالاته، وقد رأينا عددا من الحروف التي عرضت لها كم كانت سامية الدلالة في كل استعمال من استعمالاتها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سعة هذه اللغة الشريفة، وكمال حروفها وجلال ظلالها وتنوعها وثرائها، وفي هذه السطور نعرض لاستعمالات اللام في لغة العرب، ونعرج على دلالات كل حرف وخصائصه وأحكامه، واللام في اللغة لها أربعة عشر استعمالا ( غير المعاني التي ترد عليها هذه الأنواع ، ونعرضها استعمالا استعمالا، مردفين بعضا من شواهده في القرآن الكريم ، وشيئا من ضوابطه عند النحاة، ونمثل إن اتسع الوقت له من الشعر، والنثر ؛ لبيان دقة هذه اللغة، واتساع دلالات كل نوع من أنواع اللام فيها.
فالاستعمال الأول للام: أن ترد للقسم، وذلك إذا دخلت على كل من: ( قد/ المضارع المؤكد / إن ) ، نحو: ” تالله لقد آثرك الله علينا ” ومثل: ” لقد جاءكم رسول من أنفسكم …” ،ونحو:” لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ” ، وكقوله- تعالى-:” تالله لتسألن عما كنتم تعملون “، وكما ورد في قوله- عز وجل-: ” وتالله لأكيدن أصنامكم …” ، ونحو:” لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ” ، وكما في:” ولئن لم يفعل ما آمره به ليسجنن وليكونن من الصاغرين “، وهي عندئذ تعرب حرفا واقعا في جواب القسم ، مبنيا على الفتح، لا محل له من الإعراب ،والجملة بعده تكون جواب القسم لا محل لها من الإعراب .
قال الشاعر :
ولقد علمت لتأتينَّ منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها
فهذه اللام ترد في أسلوب القسم، وتفيد التأكيد، وتكون علامة على أن المتكلم يقسم، والقسم له ضوابطهن وأحكامه، وأقل شيء يحتسب به القسم وجودُ تلك اللام التي تقع في جواب القسم، وبغيرها لا تحتسب الجملة جواب قسم،ولا تدخل في إطار القسم،
والاستعمال الثاني : أن تقع اللام لام ابتداء، توجب صدارة المبتـــدأ ، نحو : ” و لأمـــة مؤمــنة خير …” ، ونحو:” ولعبد مؤمن خير من مشرك …” ، وكقوله- صلى الله عليه وسلم-:” لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ” ، ونحو قوله – عز وجل -:” ولدار الآخرة خير ” ، وهذه اللام إذا دخلت في تركيب (إنَّ) الناسخة فإنها تزحلق إلى الخبر، حتى لا يدخل توكيدان على مؤكد واحد، نحو : ” إن ربك لبالمرصاد “، ومثل: ” إن الله لذو فضل على الناس …”، ومثل: ” إن الله لقوي عزيز ” ، وتدخل هذه اللام على اسم (إنَّ) شريطة أن يتأخر ؛ وذلك للسبــب نفسه ، نحو : “إن في ذلك لعبرة …”، ونحو: ” إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ” ، وتدخل هذه اللام المزحلقة كذلك على ضمير الفصل ، نحو : ” إن هذا لهوا القصص الحق ” ، ومثل:” إن هذا لهو البلاء المبين “، ونحو: ” إن هذا لهو الفضل المبين ” ، ولا تؤثر هذه اللام من حيث العمل ، فهي حرف مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب، إلا أنها إذا تصدرت المبتدأ أوجبت له صدارة الكلام، بمعنى أنها تجعله من مواضع التزام الأصل في الجملة الاسمية ، كما سبق في قوله- تعالى-:” ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم”، فهذه اللام تجعل المبتدأ يتقدم وجوبا ، ويتأخر الخبر وجوبا، فلها تأثير على بنية التركيب، وتقديم عنصره الأول وتأخير عنصره الثاني، وتفيد كذلك التأكيد وترسيخ الدلالة في نفس السامع والقارئ.
والاستعمال الثالث : أن ترد حرفَ تعليل ،وهو ذلك الحرف الذي ينصب المضارع بعدها ، فهو من نواصب المضارع، إما أن تنصب بنفسها على الرأي الكوفي، وإما بأن مضمرة جوازا على الرأي البصري، نحو : “اجتهد لتتفوقَ ” ، وكقوله- تعالى-:” ليكون الرسول شهيدا عليكم …”، ونحو: ” ليظهره على الدين كله ” ، ونحو:” ساعد المحتاج ليرضى الله عنك ،ويبقيه في عقبك ” ، ومثل:” اعمل واجتهد لتسعدَ غدا” .
والاستعمال الرابع : أن تقع اللام بعد ” ما كان ” كان المنفية، أو ” لم يكن “أي كان في المضارع، أي تقع بعد كون منفي، وتسمى عندئذ لام الجحود، وتنصب المضارع بعدها كذلك إما بنفسها ، وإما بأن مضمرة وجوبا ، نحو : ” وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ” ، ونحو:” فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ” ، ومثل:” وما كان المؤمنون لينفروا كافة “، وكما في قوله – تعالى-: ” ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك …”، وكما في نحو: ” وما كان الله ليعجزه من شيء في الأرض ولا في السماء ” ، ونحو:” قال لم أكن لأسجد لبشر …”، ونحو: ” لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا …”، فهي لام ناصبة أو لام جارة وأن مضمرة وجوبا بعدها، فهذه هي خصائصها وضوابطها النحوية : أن تسبق بكون منفي ماضيا كان أو مضارعا، وتنصب بنفسها أو بأن مضمرة وجوبا والبصريون يعدونها جارة للمصدر المؤول من أن المضمرة وما بعدها، ولكنها تنصب بذاتها عند أهل الكوفة من النحاة .
والاستعمال الخامس : أن ترد اللام لام أمر، حرفا يجزم المضارع ، فتكون من أدوات الجزم ، نحو: ” ليقرأ كلٌّ منكم جزءا من القرآن حتى أعودَ لأبدأ التدريس لكم ” ، ونحو: “ليصمت كل منكم عند سماع القرآن الكريم” ، و” ليدع كل منكم إلى الله بحسب علمه”، و” لتكونوا مخلصين في أعمالكم”،” ليقل الحق أحدكم ولا يتردد في ذلك : ونحو قوله – تعالى-: ” لينفق ذو سعة من سعته ” ، ونحو:” ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ”، ومثل: “وليطوفوا بالبيت العتيق”.
* وهذه اللام الجازمة الموضوعة للطلب مكسورة أو مبنية على الكسر في الأصل، ولكنها تُسَكَّن بعد الفاء والواو وثم (أحرف العطف)، أكثر من أن تتحرك، نحو ما سبق من قوله- تعالى-: ” ثم لْيقطع فلْينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ” ،ومثل ” ثم لْيقضوا تفثهم ولْيوفوا نذورهم ولْيطوفوا بالبيت العتيق ” ، ونحو: ” فلْيستجيبوا لي ولْيؤمنوا بي لعلهم يرشدون ” .

يتبع العدد القادم

د جمال عبد العزيز

إلى الأعلى