الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (75)

تكـريـم الله للإنسان (75)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فإن حـفـظ الأمـوال مـن الأمـور الضـرورية، لما يتـرتـب عـليها مـن المصالح العـامة والخاصة ، ولـذلك فـمـن الضـروري أن يـنـزل الله الحـكـم الـرادع لحـفـظ الأمـوال، حـتى لا تمـتـد أيـدي ضـعـاف الإيمـان إلى أخـذ الأمـوال العـامـة، ولـو تـصور كل مـن تـسول له نفـسه أخـذ مـال الغـير بغـير حـق، لـو تصـور قـطـع يـده إذا أخـذ مال الغـير بغـير حـق، ما كانت نفـسه تحـدثه بالسـرقة، ولـكـن ضـعـف الإيمـان وعـدم الخـوف مـن الله وقـلة العـقـل وعـدم استحـضار العـقـوبة الـدنيـوية والأخـروية، هي العـوامـل التي دفـعـت السارق أن يسـرق.
ولـقـد كـرم الله الإنسان بمـا أنـزل مـن الآيات البـينات، وشـرع مـن الأحـكام لتسير الحـياة طـبيعـية عـلى وفـق سـنة الله العادلة في الأرض وفي السـماء.
فإذا سـرق السارق ووصـل نصاب الـقطـع، تقـطـع يـده اليـمـنى، فإذا سـرق ثانية، تـقـطـع رجـله اليسـرى، ثـم إن سـرق ثـالثة تـقـطـع يـده اليسـرى، وهـكـذا فالحـق أحـق أن يـتبـع، وقـد يقـول بعـض المغـرضـين، الـذين لا يـؤمـنـون بالله ربا ولا بالإسـلام ديـناً، إن قـطـع يـد السـارق تشـويـه لخـلـق الله، وما عـلمـوا أن ذلك القـطـع هـو سـبب لصـيانـة أمـوال الناس، وصـيانة لـكـرامـة الإنسـان السارق ذاته، فإذا عـلـم أن الحـكـم الشـرعي يقـضي بـقـطـع يـده ، ما هـم بـسرقـة أمـوال الناس.قال الله تعالى:(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائـدة 38 ــ 39).
قال الشاعـر أبو العـلاء المعـري:
يـد بمخمس مـئـين عـسـجـد وديـت
ما بالها قـطـعـت في ربـع دينار

وللعـلمـاء أجـوبة كـثيرة، نثـراً ونـظـمـاً، ومـنهـا قـول القاضي عـبـد الـوهـاب مجـيبـا له في بحـره بقـوله:
عـز الأمانة أغـلاها وأرخـصهـا
ذل الخـيانة: فافهـم حـكـمة الباري

وقال بعـضهـم: لما خـانـت هـانـت، والـواضـح مـن تلك اليـد الخسيسة الخائنـة لما حـملت رذيلة السرقـة وإطـلاق اسـم السرقـة عـليها في شـيء حـقـير، كان مـن المناسب المعـقـول أن تـؤخـذ في ذلك الشيء القـليـل، الـذي تحـملـت فـيه هـذه الــرذيـلـة الكـبرى حـتى تصان حـقـوق الناس، ويأمـن الناس عـلى أمـوالهـم وعـلى أعـراضهـم، لأن مـن أراد مالك أراد عـرضـك، إن حـلت بينه وبين رغـبته في السـرقة.
وقال الإمام القـرطبي في تفسـيره أحـكام القـرآن، لتفـسـير هـذه الآية الكريمة: وقـد قـطـع السارق في الجاهـلية، وأول مـن حـكـم بقـطـعه في الجاهـلية الـولـيـد ابن المغـيرة، فأمـر الله بقـطعه في الإسلام، فـجـاء الإسـلام فأقـر ذلك الحـكـم لما فـيه مـن خـير للجـمـيع، لأن الشـرع إن مـنعـني مـن سـرقة أمـوال الناس كشـخـص فـقـد حـماني مـن جـميع الناس أن يسـرقـوا مالي، فأنا الـرابح أولاً وآخـراً.
فـكان أول سـارق قـطـعه الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) في الإسـلام، مـن الرجـال الخـيار بن عـدي بن نـوفـل بن عـبـد منـاف، ومـن النساء مـرة بنـت سـفـيان بن عـبـد الأسـد مـن بني مخـزوم، وقـطـع أبـو بكـر الصـديـق يـد اليمني الـذي سـرق العـقـد، وقـطـع أمـير المؤمنين عـمـر بن الخـطاب يـد ابن سـمـرة أخي عـبـد الـرحـمن بن سـمـرة وقـيـل إن اسـم التي قـطـع الرسـول يـدها هي: فاطـمة بنت الأسـود بن عـبـد الأسـد بن عـبـد الله بن عـمـرو بن مخـزوم، وهي بنت أخي أبي سـلمـة بن الأسـد الصـحابي الجـلـيـل، الـذي كان زوج أم سـلمة قـبل النبي (صلى الله عـليه وسـلم)، قـتـل أبـوها كافـرا يـوم بـدر، قـتله حـمـزة بن عـبـد المطلب ـ رضي الله عـنـه ـ عـم رسـول الله ، وقـد قـطـع النبي يـدها عــام الفـتـح، وأما سـرقـة أم عـمـرو بنت سـفـيان بن عـبـد الأسـد ابنة عـم المـذكـورة، فالنبي قـطـع يـدها في حـجـة الـوداع بـعـد قـصـة الأولى بأكـثـر مـن سـنتين.
ومـن حـديث ابن عـمر ـ رضي الله عـنهـما: أن النبي (صلى الله عـليه وسـلم) قـطـع في مجـن ثمنه ثـلاثة دراهـم، ومـن حـديث عـائشـة ـ رضي الله عـنها: أن النـبي (صلى الله عـليه وسـلم):(كان يقـطـع السارق في ربـع دينار فـصاعـداً) والأحـاديث بمثـل ذلك كـثيرة، مـع أنه عـرف مـن الشرع أن اليـد فـيها نـصـف الـدية، والـديـة ألف ديـنار ، فـتكـون ديـة اليـد خـمسمائة ديـنار، فـكيـف تـؤخـذ في مقـابـل ربـع ديـنار؟ وما وجـه الـعــدالة والإنـصاف في ذلك؟.
والجـواب: أن هـذا الـنـوع مـن الاعـتراضـات التي يـروجـها المـروجـون أعـداء الإسـلام، الـذين لم يـؤمـنـوا بالله رباً وبالإسـلام ديـناً وبمحمد نبيـاً ورسـولاً.
فانظـر مـا يـدعـو إلـيه القـرآن الكـريم مـن مـكارم الأخـلاق، والتنـزه عـمـا لا يـلـيـق، وقـطـع يـد السارق في ربـع ديـنار فـصـاعـداً يـدل عـلى أن التشـريع السماوي يضـع درجـة الخـائن مـن خـمسـمائة درجـة إلى ربـع درجـة، فانظــر إلى الحـط العـظـيـم لـدرجـته، بسبب ارتـكاب الـرذائـل.
قال الله تعالى:(إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (الإسراء ـ 9)، وليـس هـناك تـعـارض بين التـقـدم العـلمي، وبين التمسك بـعـرى الـدين وإنما نشـأ ذلك التعـارض في مخـيلة المهـزومـين مـن ضـعـفـاء الإيـمان، الـذيـن تأثـروا بالملحـدين وغـيرهـم من أعـداء الإسـلام، والإسـلام بـريء مـن ذلك ولا مـانـع في حـكـم العـقـل من كـون المحـافـظ عـلى امتـثال أوامـر الله واجـتـناب نـواهـيه، مشـتـغـلاً في جـمـيــع الميادين التقـدمـية كما لا يخـفى، وكـما عـرفـه التاريخ للنبي (صلى الله عـليه وسـلم)، وأصحـابه والتابعـين لهـم بإحسان إلى يـوم الـدين.
أما بالنظـر إلى نصـوص الـكـتاب والسنة النبـوية، كـقـوله تعـالى:( .. ولَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور) (الحـج 40 ـ 41)، وقـوله تعـالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم ـ 47).
وإن النسبة بين التمسك والـتقـدم كالنسبة بين المـلـزوم ولازمـه، ولأن التمسك بالـدين ملـزوم للتـقـدم، بمعـنى أنه يـلـزم عـليه التقـدم، كـما صـرحـت به الآيات المذكـورة، ومعـلوم أن النسبة بين الملـزوم ولازمه لا تعـدو أحـد أمـرين: إما أن تكـون المساواة أو الخـصـوص المطـلـق.
قال الله تعـالى:(.. ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد ـ 4).
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى