الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بنوك الدم .. والحكم الشرعي (4 ـ 5)
بنوك الدم .. والحكم الشرعي (4 ـ 5)

بنوك الدم .. والحكم الشرعي (4 ـ 5)

حُرِّم الدم المسفوح كونه مضراً وأنه من المستقذرات والخبائث، وهذه الصفات غير موجودة في الدم المسحوب بواسطة الإبر نقض الوضوء أو عدم نقضه بنقل الدم يختص بالمتبرع، فانتقاض الوضوء بالنسبة للمتبرع مسألة مبينة على مسألة خروج الدم من غير السبيلين

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(بنوك الدم) للباحث حسن بن علي بن سيف الشعيبي.
يستكمل الباحث بقوله: إن التبرع يكون من رضا المتبرع واختياره وطواعيته لأن الدم جزء من جسده وله حق التصرف فيه، وهو أحق وأولى من غيره به، وهناك شروط شرعية أخرى ذكرها غيرهم وهي: أن يقتصر في نقل الدم مقدار الحاجة لأن ما أبيح للحاجة يقدر بقدرها، إذن المستقبل أو أحد أولياءه لأن الجسد جسده، وهو مؤتمن عليه فلا يجوز التصرف فيه إلا بإذنه، وأن يكون النقل والتعويض بإجراء طبيب ماهر لأن إجراء الطبيب الذي يريد التعلم لهذه العملية يضعف جانب غلبة الظن بنجاحها الذي قد اشترطناه سابقاً، والمبحث السابع هو: الآثار المترتبة على نقل الدم المطلب الأول: اثر نقل الدم من حيث الطهارة والنجاسة، حيث جدت في هذا العصر عمليات نقل الدم من الأصحاء إلى المرضى الذين هم بحاجة إلى الدم لتوقف حياتهم عليه، وإلا تعرضوا للهلاك، لكن هذا الدم المسحوب عن طريق الحقن، هل يحكم شرعاً بطهارته أو نجاسته؟ لا خلاف بين الفقهاء على أن الدم المسفوح نجس العين، وذكر البعض الإجماع على نجاسته.
وقال: ونجد أن الفقهاء المعاصرين اختلفوا في الدم المسحوب بالحقن هل هو من قبيل الدم المسفوح عليه، أو ليس كذلك على قولين: القول الأول: أنه من قبيل الدم المسفوح المنصوص عليه، والقول الثاني: أنه يفارق الدم المسفوح، فأدلة القول الأول: لأن الدم المسحوب يجري ويسيل داخل الإبرة والأنبوب من العرق إلى المحقنة أو الزجاجة ،فإن له قوة السيلان والسفح، فهو دم مسفوح، وأن الدم المسفوح هو الدم المصبوب والمراق، وهذا متحقق في الدمالمسحوب بواسطة الحقن والطرق الطبية الاخرى، إذ هو دم مصبوب مراق، والأصل في الدم المراق هو أنه دم مسفوح وحكمه حكمه، أما أدلة القول الثاني فهي: إن حكمة تحريم الدم المسفوح غير موجودة في الدم المسحوب بواسطة الحقن، ذلك أنه إنما حرم الدم المسفوح لكونه مضر وأنه من المستقذرات والخبائث، وهذه الصفات غير موجودة في الدم المسحوب بواسطة الإبر، بل هو مفيد للجسم إذا اتبع فيه الأسلوب الطبي الصحيح، وهو غير مستقذر وغير مستخبث لأنه لايستعمل كمطعوم، والرد:أولاً: أن هذه الحكم المذكورة قد تكون بعض الحكم للتحريم، وليست كلها، وثانياً: أن السبب الرئيسي لتحريم الدم المسفوح هو النجاسة، وهو أصل متفق عليه والخلاف هنا في الناقل عن هذا الأصل في الدم المسحوب بواسطة الحقن، ولم يصح لعدم صحة الفرق بينهما.
موضحاً بأن الدم المسفوح هو الدم المسال المهدر، الدم المسحوب هو الدم المأخوذ بمقدار معين من الوريد بآلة طبية مخصوصة بغرض الاستخدامات الطبية من نقل وتحاليل، فالمعنى الاصطلاحي قد اختلف بين المسفوح والمسحوب بالحقنة فلا يعطى حكمه، والرد على هذا الاستدلال: إن الدم المسفوح هو المسال فقط وليس (المهدر) مما له أصل في اللغة العربية، وكذلك الدم المسحوب هو دم مسال فلا فرق.
مشيراً الى أن عملية نقل الدم تشبه إلى حد ما عملية انتقال الدم وسريانه في العروق في الجسم الواحد، غاية ما فيه أن الدم انتقل من جسم المنقول منه إلى جسم المنقول اليه ماراً بمثل المكان الذي كان يمر فيه من شرايين الجسم وأوردته، وهو المحقنة أو إحراز الدم وأوعية الحفظ ففارق الدم المسفوح المنصوص عليه في القران الكريم، والرد: إن هذا الاستدلال استدلال في محل الخلاف، والخلاف في المسألة هو هل هذا الدم الذي ينقل بطرق طبية حديثة متطورة تضاهي انتقاله داخل جسم الانسان في الأوردة والشرايين، هل هذا الانتقال بفارق الدم المسفوح أولاً؟ والاستدلال في محل الخلاف لايصح، والمطلب الثاني: أثر نقل الدم من حيث نقضه للوضوء، فنقض الوضوء أو عدم نقضه بنقل الدم يختص بالمتبرع، فانتقاض الوضوء بالنسبة للمتبرع مسألة مبينة على مسألة خروج الدم من غير السبيلين هل ينقض الوضوء أو لا؟ اختلف أهل العلم في على قولين: القول الأول: خروج الدم من غير السبيلين لاينقض الوضوء ،وهو مذهب المالكية والشافعية، والقول الثاني: خروج الدم من غير السبيلين ينقض الوضوء، وهو الإباضية مذهب الحنفية والحنابلة، وأدلة القول الثاني: قوله (صلى الله عليه وسلم):(لاوضوء إلا من صوت أو ريح)، ووجه الدلالة: وجوب الوضوء محصور في الصوت أو الريح، وعدا المذكور لاينقض الوضوء بالدليل، ولم يصح في الدم الخارج من غير السبيلين دليل على نقض الوضوء، وحديث الأنصاري الذي كان يصلي فرماه مشرك بثلاثة أسهم فخرجت دماؤه ولم يقطع الصلاة، ووجه الدلالة: أنه لوكان خروج الدم ناقضا لما جاز بعده الركوع والسجود وإكمال الصلاة، وعلم بذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم ينكره، وما ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) احتجم فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمة، وأدلة القول الثاني: قول النبي (صلى الله عليه سلم):(من أصاب قيء أو رعاف أو قلس أو مذي، فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبين على صلاته، وهو في ذلك لايتكلم)، وقوله (صلى الله عليه وسلم):(الوضوء من كل دم سائل)، والرد على الاستدلال بهذين الحديثين: ضعف الحديثين، وأنهما لو صحا حملا على غسل النجاسة أو على الاستحباب، قوله (صلى الله عليه وسلم):(الوضوء مما يخرج وليس يدخل)، ووجه الدلالة: حيث علق الحكم بمطلق الخارج، ومنه الدم، وحديث عائشة قال: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت: يارسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لا إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلى)، ووجه الدلالة من الحديث: حيث أمرها بالوضوء، وحلل بأن الاستحاضة دم عرق، وكل الدماء كذلك، ولم يعلل بالمرور على المخرج، والرد على الاستدلال: أن الحديث معناه إعلامها أن هذا الدم ليس حيضا، بل هو موجب للوضوء لخروجه من محل الحدث، ولم يرد أن خروج الدم من حيث كان يوجب الوضوء، وهناك الإجماع، فهذا القول مروري عن بعض الصحابة،(ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فيكون إجماعاً)، وقياس الدم الخارج من غير السبيلين على الدم الخارج منهما في نقض الوضوء بجامع أن كلاً منهما خارج يلحقه حكم التطهير.
.. البقية في الاسبوع القادم.

إلى الأعلى