الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الحاجة إلى الحكمة الاقتصادية

الحاجة إلى الحكمة الاقتصادية

عادل سعد

”لعل من الإنصاف أن نشير هنا إلى الاقتصاد العماني بوصفه أحد الاقتصادات التي تواجه تحديات من هذا النوع، غير أن ما يدفع المتابع إلى الاطمئنان على أوضاع هذا الاقتصاد أن الدولة العمانية بكل مفاصلها المؤثرة تعي تمامًا حجم تلك التحديات وتضعها دائمًا على طاولة اهتمامها، وأن الوعي بذلك ليس وعيًا سلبيًّا، بل هو وعي متحرك لصالح القدرة على المواجهة.”

من ضمن الأسئلة التي تلح في ذهني الآن كمتابع للاقتصادات العربية: هل هناك حكمة تحركها في ظل مناخات استثمار وتنمية لا يمكن الاطمئنان إليها دائمًا بفعل المتغيرات فيها؟
وأين هي هذه الاقتصادات الآن من مجرى التحديات العديدة التي تتوغل في المشهد الاقتصادي الدولي والمتمثلة عمومًا بخصومات واتهامات متبادلة بين مسؤولين عن هذا الاقتصاد أو ذاك، أو في إطار تحديات تمثلها مكونات اقتصادية إقليمية وقارية تحرص على شق طريقها من أجل أن تكون لها أولوية على الاقتصادات الأخرى.
الحال أنني مع هذه الأسئلة الملحة أضع في الاعتبار شهادات خبراء تصلح لمراجعة وتشخيص (ومحاكمة) عدد من الاقتصادات العربية، وإجراء مقارنات بين ما لها وما عليها، وأية رؤية للعمل تضعها من أجل ذلك.
لا بدّ من الاعتراف بأن هناك حاليًّا أنواعًا من المكابدة والتذبذب والانكماش والمداورة؛ بمعنى المناقلة التي تغطي مساحات واسعة من هذه الاقتصادات مع هامش من الواقع أنها لا يمكن أن تتكيف دائمًا مع الانخفاضات الحاصلة في أسعار النفط، وما يتبع ذلك من مشاكل في التمويل الاستثماري والإنفاق العام، والتوحش الذي يحكم الأسواق في منافسات تصل إلى حد الخصومات وما يتبعها من اتهامات وفراغات في هذا المجال أو ذاك، إلا إذا كانت على درجة من الوعي بما يسود دوليًّا أو على الأصعدة الإقليمية.
ولعل من الإنصاف أن نشير هنا إلى الاقتصاد العماني بوصفه أحد الاقتصادات التي تواجه تحديات من هذا النوع، غير أن ما يدفع المتابع إلى الاطمئنان على أوضاع هذا الاقتصاد هو أن الدولة العمانية بكل مفاصلها المؤثرة تعي تمامًا حجم تلك التحديات وتضعها دائمًا على طاولة اهتمامها، وأن الوعي بذلك ليس وعيًا سلبيًّا، بل هو وعي متحرك لصالح القدرة على المواجهة، وهذا أول مستلزمات الانضباط في التصدي للمعضلات القائمة، مع ملاحظة أنها ليست المرة الوحيدة التي يتعرض لها الاقتصاد العماني لتحديات من هذا النوع وغيرها وينجح في مواجهتها.
إن قراءة ميدانية للواقع الاقتصادي في السلطنة لا بدّ أن تضعنا وجهًا لوجه أمام استنتاج أن السلطنة هي الآن في صميم المعاينة والمعايشة الاقتصادية التي تأخذ بالاعتبار التجديد الإحيائي للبيئة التنموية من خلال عدد من الخطوات في مقدمتها الاستمرار في استحداث المزيد من القرى الزراعية العصرية، وإيجاد شبكة طرق تربطها مع بعضها ومع مراكز المدن في المحافظات، ومن العينات الأخرى للمواجهة التي تعتمد على مسار التنمية الاقتصادية في السلطنة، ذلك الشرط الذي أخذ يحكم أغلب الصناعات العمانية ويتعلق بجودة الإنتاج نوعًا وكمًّا، بما يغطي حاجة السوق العمانية ويدفع المستهلك العماني إلى الاعتزاز بمنتجه الوطني في المقارنة مع بضائع وخدمات أجنبية من ذات النوع، وتلك خطوة مهمة في إدخال المواطن العماني ضمن مسؤولية التنمية بوصفه أحد أركانها بما لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال، وكذلك ضمن متطلبات منافسة السلعة العمانية في الأسواق الخارجية.
إن وعي المواطن العماني، بل ووعي المؤسسة الاقتصادية بهذه المسؤولية الوطنية يمثل أحد شروط نجاح الاقتصاد العماني في مواجهة التحديات التي يتعرض لها، مع أن هذا الوعي نسبي من مواطن إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى تبعًا لدرجة المعرفة والفهم والحرص.
وهكذا أيضًا أن أي دارس لهذا الاقتصاد لا بدّ أن يكتشف وجود متلازمة تحكمه في أن يكون بمقاربات أقوى للتطورات التكنولوجية الحاصلة عالميًّا، وإن كان لم يصل بعد إلى المكانة التي تجعله ضمن قائمة الدول المتقدمة تكنولوجيًّا، ولكن بمقارنة الاستخدام الأمثل الآن للتكنولوجيا عمانيًّا أن المعدل يغطي نسبة لا يستهان بها من حاجات السلطنة، وهذا عامل آخر من عوامل الاطمئنان على توجهات التحديث التي تشهدها السلطنة منذ عام 1970.

إلى الأعلى