الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عندما لا يكون عطف الغرباء كافيا

عندما لا يكون عطف الغرباء كافيا

إن الاستثمار المستقر هو الحل على المدى الطويل. حتى بعد التصويت في الاتحاد الأوروبي، فإن حماية الاقتصاد البريطاني من الصدمات ستعني أن وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن يحتاج للقلق أكثر حول العجز في الحساب الجاري وبصورة أقل بشأن عجز الموازنة، وهذا ما كان يستهلك كثيرا من اهتمامه خلال السنوات الخمس الماضية. إذ لا تزال الإنتاجية في بريطانيا منخفضة…

واحدة من أكبر علامات الاستفهام التي تلوح في الأفق حول استفتاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي هو مقدار رأس المال الذي قد يهرب من أرضها إذا ما قررت أن تنسحب من الاتحاد.
فكما هو معروف، فإن المستثمرين الأجانب يؤدون بشكل أفضل في بريطانيا من المستثمرين البريطانيين في الخارج، وكان هذا الاستثمار قاطرة كبيرة في اقتصاد المملكة المتحدة. كما أنه يساعد على تفسير لماذا هناك الكثير من القلق بشأن العجز المتزايد في حسابها الجاري ـ الفجوة بين ما تدفعه بريطانيا للأجانب وما تحصل عليه.
الاقتصاد البريطاني هو واحد من أقوى اقتصادات أوروبا من حيث النمو. ولكن في عام 2015 بلغ عجز الحساب الجاري في بريطانيا رقما قياسيا، وهذا يعني أن المال الذي كان يتدفق خارج المملكة المتحدة أكثر من الداخل فيها. وبعد أن توسع لمدة أربع سنوات متتالية، بلغ العجز 32700000000 جنيه استرليني (46470000000 دولار) في الربع الرابع – أي 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى في اقتصاد أي دولة متقدمة.
العجز الكبير في الحساب الجاري ليس بالضرورة شيئا يدعو للقلق. فقد تعمل بلدان على إدارة العجز الكبير إذا ما كانت تنفق بشكل كبير من أجل النمو في المستقبل، أو التعافي من الكوارث الطبيعية. وبالنسبة لبريطانيا، فإن ذلك يشير أساسا لأمرين: أن الأمة لا تزال مكانا جذابا للغاية للمستثمرين الأجانب، وأنها تعيش فوق إمكانياتها.
رؤوس الأموال تتدفق بشكل طبيعي إلى المناطق التي يمكن للمستثمرين الحصول فيها على عائد أعلى، والاقتصاد البريطاني قد أدى بشكل جيد بالنسبة لأكبر شريك تجاري لها، وهي أوروبا. ولكن تفاقم العجز في الحساب الجاري نتج إلى حد كبير من الانخفاض في صافي الدخل من الاستثمارات البريطانية في الخارج. وهذا يعني أن الدخل المدفوع للأجانب على استثماراتهم في بريطانيا يفوق ما تحصل عليه في استثماراتها في أماكن أخرى.
اعتادت المملكة المتحدة لفترة طويلة استيراد مزيد من السلع أكثر مما تصدر، وفي الوقت نفسه تدير فائضا في الخدمات، وذلك بفضل القطاع المالي الكبير. ولكن هذا لا يزال يعني أن البريطانيين يستهلكون مرة أخرى أكثر مما ينتجون. ومهما حدث من شد الحزام بعد الأزمة المالية فإنه يبدو قد تلاشى. فاستهلاك الأسر البريطانية آخذ في التوسع، مع زيادة كبيرة في القروض الاستهلاكية. بينما الادخار هو في أدنى مستوياته التاريخية والاستثمار في السلع القابلة للتداول انخفض.
واحدة من الطرق التي يمول بها البريطانيون جميع أوجه الإنفاق هو الحال مع الاستثمارات من الخارج. فاقتصاد المملكة المتحدة يعتمد بشكل كبير على ازدهار المبيعات الراقية من العقارات في لندن للمشترين الأجانب، حيث وصلت أسعار المساكن الآن مستويات بدأت تبدو كأنها فقاعة. وأي صدمة ـ والخروج من الاتحاد الأوروبي سيكون من مؤهلاتها ـ من المرجح أن يخفض التدفقات الأجنبية إلى سوق الإسكان.
كل هذا يترك بريطانيا تعتمد على “عطف الغرباء”، كما قال محافظ البنك المركزي الإنجليزي مارك كارني في وقت سابق من هذا العام: “إن البيئة العامة العالمية أصبحت مصابة بالحمى أكثر، وصارت أكثر تقلبا بكثير، والاعتماد على عطف الغرباء ليس الأمثل في هذا النوع من البيئة ـ وهذا هو الحال عندما تواجه عجزا بنسبة 4 إلى 4.5 المئة في الحساب الجاري “.
من نافلة القول إن المستثمرين الأجانب متقلبون، خصوصا عندما تحصل هزات للقارب. ففي الأزمة الآسيوية عام 1997، كانت اقتصادات البلدان التي عانت أكثر هي التي كان لديها أكبر عجز في الحساب الجاري ـ وهذا يعني أن الواردات بالإضافة إلى الدخل المدفوع للأجانب تجاوز الصادرات وعائدات الاستثمارات الأجنبية والتحويلات الأخرى. في الأزمة المالية الأخيرة، كانت الدول الأوروبية التي لديها أكبر عجز في الحساب الجاري هي الأكثر تضررا، حتى بدون وجود تحول كبير في موازينها التجارية.
ثمة ملاحظة واحدة مطمئنة بشأن العجز في بريطانيا وهي أن معظم الأموال التي تتدفق عليها، أو نحو 81 في المئة من صافي رأس المال المتدفق بالمملكة المتحدة في عام 2014، هو عبارة عن استثمار أجنبي مباشر أكثر استقرارا، على المدى الطويل، وليس “أموالا ساخنة” على المدى القصير، وهو ما قد ينقلب بسهولة في حال الأزمة. لكن الثقة يمكن أن تتحول بسهولة، وحتى تقلب أسعار العملات قد لا يكون كافيا لاستعادة الشعور بالنظام. فعجز الحساب الجاري البريطاني أكبر كثيرا من أن يقلل من خلال أسعار الصرف. وكان قد تم خفض قيمة الجنيه بنسبة 25٪ على أساس الوزن التجاري في عام 2008، ولكن جاء الرد التجاري على ذلك متواضعا، في حين أن الولايات المتحدة نجحت في إدارة انتعاش تقوده الصادرات على الرغم من ارتفاع الدولار. فإذا لم تستثمر بريطانيا في قدرة تصديرية جديدة، فلن تجد في انخفاض العملة مساعدة تذكر.
إن الاستثمار المستقر هو الحل على المدى الطويل. حتى بعد التصويت في الاتحاد الأوروبي، فإن حماية الاقتصاد البريطاني من الصدمات ستعني أن وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن يحتاج للقلق أكثر حول العجز في الحساب الجاري وبصورة أقل بشأن عجز الموازنة، وهذا ما كان يستهلك كثيرا من اهتمامه خلال السنوات الخمس الماضية. إذ لا تزال الإنتاجية في بريطانيا منخفضة، وتزيل منها دافعا هاما للنمو الاقتصادي. وأما التركيز الأحادي على الحد من العجز في الميزانية فيعني أن الاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية غير كافٍ.
في غضون ذلك، من الصعب أن نرى أوروبا تسارع لإنقاذ بريطانيا. وأفضل سيناريو لبريطانيا في حال ترك الاتحاد الأوروبي “سنوات من عدم اليقين.” هناك، بطبيعة الحال، أمور أسوأ من عدم اليقين. فالذين سيصوتون في استفتاء بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي في غضون ثلاثة أشهر من الآن ـ وأنا منهم ـ سوف يحتاجون إلى مراقبة كيف ستدفع صدمة خروج من الاتحاد الأوروبي “الغرباء” الذين يعتمد عليهم الاقتصاد البريطاني كثيرا للنظر في خيارات أخرى.

تيريزا رافاييل
كاتبة متخصصة في الشؤون السياسية والاقتصادية الأوروبية ورئيس تحرير “بلومبيرج فيو” في لندن
خدمة “واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز” – خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى