الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / هل ستكون بريطانيا سببا في تفكك الاتحاد الأوروبى؟
هل ستكون بريطانيا سببا في تفكك الاتحاد الأوروبى؟

هل ستكون بريطانيا سببا في تفكك الاتحاد الأوروبى؟

البريطانيون يطالبون بالخروج من اتحاد “بروكسل”.. والمفوضية الأوروبية تكافح لإبقائها فيتو فرنسي – ألماني يناهض طموحات “كاميرون” في معركة “البقاء للأقوى”
مقدمة:
يبدو أن الاتجاه البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي يتعزز، لكن نجاحه سيقرره الاستفتاء العام الذي تنوي حكومة ديفيد كاميرون اجراءه على خروجها من عباءة الاتحاد الأوروبى، وسيتم تحديد موعد الاستفتاء فى شهر يونيو المقبل، ويبدون أن معارضي حكومة ديفيد كاميرون عاقدوا العزم على السير في نهج الانفصال دون الالتفات لأي دعوات تطالب بالتريث، حيث يرى هؤلاء أن مكاسب بريطانيا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ستكون أفضل في حالة الانفصال، بينما خروجها يعني انقسام الاتحاد وما سيتبعه من مخاطر ستؤثر على مكانته السياسية والاقتصادية في ظل القوة الهائلة التي تمنحها بريطانيا له بصفتها خامس أكبر قوة اقتصادية عالمية اضافة إلى الثقل السياسي العالمي لها وكونها الدولة الآمنة اجتماعيا بفضل قوانينها التي تراعي وتحنو على الطبقات المختلفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
///أسباب الرغبة البريطانية في الانفصال:
يعتقد صقور حزب المحافظين المشككين بأوروبا، والذين ينادون بالانفصال عن مجموعة بروكسل أن المكاسب ستكون أكبر من الخسائر، لكن الأسباب الواقعية يمكن رصدها في الآتي:
أولاً: القيود السياسية المفروضة على السيادة البريطانية، لأن خروجها يحرر السلطة القضائية من أحكام القيود القانونية، ولا سيما المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بحيث تصبح أحكامها غير ملزمة للمحكمة العليا البريطانية.
هذا الى جانب أن الانجليز يرون أن نظام الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى الديموقراطية المعمول بها في النظام البريطاني، ويستشهدون بالصلاحيات الواسعة للمفوضية الأوروبية غير المنتخبة التي يحق لها وضع مشاريع قوانين على البرلمان الأوروبي المنتخب مباشرة من الشعوب الأوروبية.
أضف إلى ذلك المخاوف من انشاء قوة عسكرية أوروبية والتي من شأنها أن تقوض حلف شمال الأطلسي الذي تقوده بريطانيا مع الولايات المتحدة، خاصة وقد عبر مسبقا رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، عن ذلك صراحة بداية العام الحالي، ودعا إلى إنشاء جيش مشترك للاتحاد الأوروبي للتصدي لروسيا وغيرها من التهديدات.
ثانياً: القيود الاقتصادية، فالاتحاد الأوروبي، كغيره من المنظمات الأوروبية، يفرض رسوماً على الدول المنضمة إليه، كل بحسب قوة اقتصاده وتعافيه، ويتذمر البريطانيون من الرسوم الأوروبية التي تثقل كاهل خزينة بريطانيا حيث يجب عليها دفع نحو 55 مليون جنيه إسترليني يومياً فى الوقت الذى تعتمد فيه على سياسة تقشفية بسبب العجز في موازنتها.
اضافة الى عدم رضوخ بريطانيا لالغاء عملتها “الجنيه الاسترليني” وهو ما يطالب به دائما الاتحاد الاوروبي، لأن يكون “اليورو” هو العملة الرسمية لجميع بلدان الاتحاد.
ثالثاً: مشكلات الهجرة واللاجئين،، فالأرقام الرسمية تتحدث عن تدفق 286 ألف أوروبي إلى سوق العمل البريطاني واستفادتهم من نظام الإعانات الاجتماعية وهو ما يقلق لندن، ويسعى كاميرون إلى تعديل القواعد المرتبطة بالهجرة وبالمخصصات التي يفترض أن يحصل عليها المواطنون الأوروبيون في بريطانيا، لكنه يُقابَل برفض أوروبي، لأن بند حرية تنقل الأفراد في الاتفاقية الأوروبية يُعَدّ واحداً من أهم بنود النادي الأوروبي.
بجانب أن أزمة اللاجئين بدأت تهد كاهل الحكومة البريطانية وتشكل عبئاً كبيراً عليها، حيث قال كاميرون أن أزمة اللاجئين قد تكون سببا أساسياً في انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بل قد تسرع به، وحذر من أن الهجرة الأوروبية وأزمة اللاجئين قد تدفع بريطانيا صوب باب الخروج من الاتحاد.
///خطوات بريطانية:
تضع بريطانيا أربعة شروط للبقاء ضمن دول الاتحاد الاوروبى، وهي إعفائها من المبادئ التأسيسية للاتحاد، وعدم اعتبار “اليورو” العملة الرسمية للاتحاد الأوروبي، وإقرار نظام “البطاقة الحمراء” لاستعادة القوة من بروكسل إلى لندن، ومنع هيمنة الدول الأعضاء على الدول الـ9 الواقعة خارج منطقة “اليورو”.
إلى جانب هذا يشترط رئيس الحكومة البريطانية الحالية ديفيد كاميرون، انتظار المهاجرين أربع سنوات قبل حصولهم على الرعاية الاجتماعية في لندن، وهو ما يلقَى رفضاً من دول الاتحاد.
وأبلغت بريطانيا شركاءها في الاتحاد الاوروبي ان معاهدات الاتحاد “لا تفى بالغرض” وانه يتعين إصلاحها وإلا فانها ستنسحب من الاتحاد، وقال وزير المالية البريطاني جورج اوزوبورن انه يتعين تغيير معاهدات الاتحاد الاوروبي لحماية الدول الأعضاء التي لا تستخدم اليورو مثل بريطانيا، وتأتي تعليقات اوزوبورن التي أدلى بها في مؤتمر في لندن بعد ان اتهم جوزيه مانويل باروزو رئيس المفوضية الاوروبية دولا مثل بريطانيا التي تشكك في حرية قواعد الحركة في الاتحاد بتبني “فكرة شوفينية ضيقة للحماية”.
وقال اوزوبورن – وهو حليف وثيق لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون- ان المعاهدات التي تنظم كيفية إدارة شؤون الاتحاد الاوروبي “لا تفي بالغرض” ويتعين إصلاحها، واضاف قائلا “توفير حماية قانونية مناسبة لحقوق غير الأعضاء في اليورو … ضرورية تماما للحفاظ على السوق الموحدة وتجعل من الممكن لبريطانيا ان تبقى في الاتحاد الاوروبي”، وأضاف “إذا لم يكن بوسعنا ان نحمي المصالح الجماعية للدول غير الأعضاء في منطقة اليورو عندئذ فإنها ستضطر للاختيار بين الانضمام الى اليورو – وهو ما لن تفعله المملكة المتحدة- أو مغادرة الاتحاد الاوروبي”، وقال ان مسعى لتوثيق التكامل بين الدول الثماني عشرة التي تستخدم العملة الموحدة يضع ضغوطا على البنيان المؤسسي للاتحاد الاوروبي.
دور شرقي:
الأمر اللافت في الصراع الأوروبي الذي بدأت تظهر إرهاصاته على السطح، أنها المحاولة الأولى، في تاريخ الاتحاد الأوروبي، التي تسعى فيها دول أوروبا الشرقية، الأحدث انضماماً للاتحاد، إلى مزاحمة دول أوروبا الغربية المؤسسة وتتكتل لتغيير معادلة القوة الراسخة داخل الاتحاد الأوروبي، في مواجهة برلين وباريس وبقية الدول الأعضاء في أوروبا الغربية، فالضغوط التى تنتهجها لندن للضغط على الاتحاد الأوروبى ليست بعيدة عن دول أوروبا الشرقية – المختلفة فكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا عن بريطانيا – حيث شرعت دول أوروبا الشرقية في ممارسة المزيد من الضغوط على دول أوروبا الغربية لإدخال إصلاحات على نظام عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تُقَلص من هيمنة وسيطرة الاتحاد على الدول الأعضاء مقابل تعزيز سلطات المؤسسات والحكومات الوطنية في الدول الأعضاء، حيث تنظر دول أوروبا الشرقية بزعامة المجر، التي تقودها حكومة فيكتور أوروبان اليمينية المحافظة، إلى الوقت الراهن على أنه فرصة تاريخية لتمرير التعديلات المطلوبة، بناءً على معطيات جديدة تتمثل في تولي حكومة يمينية محافظة مقاليد الحكم في بولندا، وظهور رغبة لدى رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، في التعاون مع دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لتمرير الإصلاحات التي ينادي بها، في اتجاه عودة السيطرة إلى الحكومات والبرلمانات الوطنية على مقاليد الأمور في بلدانهم مقابل تقليص صلاحيات الاتحاد والمفوضية الأوروبية، كبديل لخروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي.
المصالح تتلاقى بين بريطانيا ودول أوروبا الشرقية فى انتزاع صلاحيات وسلطات الاتحاد الاوروبى، فحكومتا المجر وبولندا عازمتان على عدم تفويت الفرصة المتاحة، لإعادة انتزاع جزء من سلطات الاتحاد الأوروبي لصالح الحكومات والبرلمانات الوطنية للدول الأعضاء، بالتعاون مع دول أوروبية شرقية أخرى مثل سلوفاكيا والتشيك ودول البلطيق (إستونيا لاتفيا ليتوانيا)، بالتنسيق مع ديفيد كاميرون رئيس وزراء المملكة المتحدة، حيث ترى هذه الدول أن الاتحاد الأوروبي تعرض مؤخراً لعدة أزمات أدت إلى إضعافه، في إشارة إلى أزمة اليونان المالية ومشكلة تدفق اللاجئين إلى أوروبا وارتباطها بخطر انتشار الارهاب والتهديدات الإرهابية المحتملة في أوروبا، إضافة إلى تلويح بريطانيا بالخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي، حيث تعتقد هذه الدول أن تلك الأزمات جعلت الظروف مواتية لإدخال إصلاحات على نظام عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تساهم في استرداد جزء من سلطات الحكومات الوطنية وإطلاق أياديها المغلولة في مواجهة سيطرة الاتحاد الأوروبي، واستغلال الضعف النسبي، الذي لحق بدول أوروبا الغربية، لا سيما ألمانيا وفرنسا، في تمرير الإصلاحات المطلوبة، فيما يرى محللون نمساويون أن المشاكل التي تواجه دول أوروبا الغربية فتحت الباب على مصراعيه أمام دول أوروبا الشرقية، التي تحاول استغلال هذه الفرصة عن طريق تجميع الجهود ضد نظيراتها الغربية.
التسريبات التي نشرت مؤخراً عن دوائر قريبة الصلة بالحكومة المجرية اليمينية، تكشف النقاب عن هدف حكومة فيكتور أوربان، التي ترغب في تقليص النزعة الأوروبية وجعل الاتحاد الأوروبي “تجمع يهتم بتعزيز المصالح الاقتصادية للدول الأعضاء مقابل تقليص دور الاتحاد في تقييم أداء وسلوكيات الدول الأعضاء”، وتعول حكومة المجر لتحقيق هذا الهدف على تعزيز التعاون بين دول مجموعة “فيشجراد”، المكونة من المجر وبولندا وسلوفاكيا والتشيك، بالتعاون مع رومانيا ودول البلطيق، ويعتقد رئيس وزراء المجر في القوة، التي تتمتع بها هذه الدول في مواجهة دول أوروبا الغربية، التي بدأت تعتريها مظاهر الضعف بسبب الأزمات المتعددة التي تعاني منها.
واهتمت صحف نمساوية بتصريح جاء على لسان الخبير الإعلامي البولندي اليميني، ايجور يانك، القريب من رئيس حكومة المجر، فيكتور أوربان، قال فيه “إذا ما اتحدت دول أوروبا الوسط وتعاونت مع كاميرون تستطيع تغيير الاتحاد الأوروبي”، ويرصد المحللون قضيتين أساسيتين تجمعان رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان اليميني المحافظ ونظيره البريطاني ديفيد كاميرون، رئيس حزب المحافظين، الأولى تستهدف إدخال تعديل يسمح لبرلمانات الدول الأعضاء بممارسة حق الاعتراض على قرارات الاتحاد الأوروبي “فيتو”، والثانية تطالب بتحديد موعد تعمل فيه جميع الدول الأعضاء في الاتحاد بالعملة الأوروبية الموحدة “اليورو”.
ردود اتحاد بروكسل:
وفي رسالة ضمنية من المفوضية الأوروبية للمجموعة التي تسعى لتغيير معادلة القوة الراسخة داخل دول الاتحاد الأوروبي تفكر المفوضية الأوروبية جديا في استخدام البند السابع من اتفاقية الاتحاد الأوروبي، الخاص بانتهاك الدول الأعضاء لمعايير وقيم الاتحاد الأوروبي ضد بولندا، بعد أن أقدمت حكومتها اليمينية الجديدة على تنفيذ تغييرات تحد من سلطات المحكمة الدستورية وتهدد حرية الإعلام، بشكل أزعج قادة الاتحاد الأوروبي ودفع المفوضية الأوروبية إلى الإعلان عن تخصيص جلسة لمناقشة وضع سيادة القانون في بولندا بعد هذه التعديلات الأخيرة.
كما اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على العمل لإيجاد حلول ترضي جميع الأطراف بشأن مقترحات بريطانيا لتعديل المعاهدات الأوروبية، لاستثناء المملكة المتحدة من أي اتحاد أو اندماج سياسي كبير للاتحاد الأوروبي مستقبلا، ومنع مواطني الاتحاد الأوروبي من الاستفادة من أي ضمانات اجتماعية في بريطانيا لمدة أربع سنوات متتالية، وكذلك حماية المركز المالي لبريطانيا في وقت يتوجه فيه الاتحاد الأوروبي نحو اندماج نقدي ومالي أكبر، وإعطاء دور أكبر للبرلمانات المحلية في عملية اتخاذ القرار الأوروبي، والإقرار بأن اليورو ليست “العملة الوحيدة” للاتحاد، خاصة وأن الاتحاد النقدي الذي رفضت بريطانيا الدخول فيه، أصبح هو محور اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يشكل حساسية كبيرة لدى الدول غير الأعضاء في منطقة اليورو، وعلى رأسها بريطانيا.
في سياق متصل حث رئيس المفوضية الاوروبية جوزيه مانويل باروزو بريطانيا على أن تتواصل مع شركائها في الاتحاد الاوروبي بدلا من أن تدير ظهرها للاتحاد قائلا إنه ينبغي على لندن أن تناضل لمحاولة تغيير الاشياء التي لا تروق لها، ويتخذ الائتلاف الحاكم في بريطانيا والذي يقوده المحافظون موقفا متشككا بشأن التكامل الاوروبي.
ووعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قبل إعادة انتخابه في 2015 أنه سيحاول اعادة التفاوض على روابط بريطانيا مع الاتحاد الاوروبي الذي يضم 28 دولة وان يعرض على البريطانيين في استفتاء بحلول اواخر 2017 الاختيار بين البقاء او الانسحاب من الاتحاد.
وقال باروزو في كلمة القاها في كلية لندن للاقتصاد “الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله ليس الابتعاد بل التواصل ومعرفة ما الذي يمكننا معا ان نفعله من أجل آداء أفضل… إذا كنتم غير راضين عن اوروبا كما هي فلتحسنوها”، واستبعد باروزو أي محاولة لتغيير قواعد الاتحاد الاوروبي بشأن حرية انتقال العمال وهو شيء قال كاميرون انه يريد ان يفعله لمنع مواطني الدول الاعضاء الجدد في الاتحاد من استغلال مزايا الرعاية الاجتماعية في بريطانيا.
وأضاف باروزو قائلا “مثل هذه المحاولات ستكون كمن يطلق الرصاص على اوروبا في القدم”.
من جهته عبر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عن رأى بلاده قائلا إن إعادة التفاوض على عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي “ليست أولوية”، وأضاف “لا نستطيع فرض الخيار البريطاني على اوروبا”.
جدل بريطاني:
يرى فريق من المراقبين أن بريطانيا تحت قيادة ديفيد كاميرون تسعى لانتهاج سياسة جديدة تتوافق مع التطورات الجديدة على الأصعدة كافة، وذلك باعتماد إستراتيجية الانفصال لضمان تحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية مستقبلا، ويتضح أن الاتحاد يعتبر بالنسبة لكثير من البريطانيين رحلة لا تتوقف في اتجاه واحد وينحسر فيه السيادة الوطنية، كما أن مصير البلاد تحدده قوة أوروبية عظمى، لذا يتخذ المحافظون في بريطانيا موقفا متشككا بشان التكامل الأوروبي.
بينما يرى فريق آخر أن ما دأبت به الحكومة البريطانية في المدة الأخيرة من مماطلة سياسية تهدف للخروج من الوحدة الأوروبية، او الحصول على موقع رئيسي في هذا الاتحاد، خصوصا بعد هيمنة القوى الفرنسية والألمانية عليه سياسيا واقتصاديا في الفترة الاخيرة، أظهر مساعي هذه الدولة لإعادة هيمنتها الدولية، بالإضافة إلى الخوف البريطاني من تدخل الأوروبيين في شؤونهم الداخلية التي يفضلون تسويتها فيما بينهم، دون أن ننسى الأسر الحاكمة التقليدية في أوروبا التي كانت دائماً تناوئ بريطانيا، وغيرها من الأسباب والدوافع الأخرى، التي قد تمهد لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوربي في المستقبل القريب.
فيما اختلفت الآراء وتعددت الانتقادات بشأن خروج المملكة المتحدة من اتحاد القارة العجوز خلال المدة المقبلة، فقد حذر أغلب المتخصصين من تداعيات سلبية إذا انسحبت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإن مثل هذه الخطوة قد تلحق ضررا بالاقتصاد البريطاني وتخفض الاستثمار من الشركات الدولية، كما أن تبعات خروج لندن من الاتحاد من شأنها أن تؤثر على السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي، كون وجود بريطانيا فيه يعزّز السوق الاقتصادي الحرّ، لما للندن من أهمية كبيرة لكونها مركزاً مالياً في أوروبا، ومركزاً لصناديق التحوّط المالي وشركات الأسهم الخاصة.
وعليه فإن المعطيات تطرح العديد من التكهنات حول الضمانات بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي وبالتالي يبقى الحسم مبهما حتى اللحظة الراهنة، وهذا الامر وضع المملكة المتحدة أمام خيارات صعبة وبدائل حالمة.
مكاسب وخسائر:
التقديرات تشير إلى أن أكبر المكاسب التي يمكن جنيها هي مطالب لندن الحالية من الاتحاد الأوروبي، بينما تتركز الخسائر في تدهور العلاقات التجارية بين لندن والاتحاد الأوروبي، وخسارة بريطانيا ميزة تنافسية كبيرة في قدرتها على جذب الاستثمارات كونها عضوا في الاتحاد.
وتوقع مركز الاصلاح الاوروبي الذي مقره لندن أن بريطانيا فى حال انسحابها ستجد صعوبة في الحفاظ على التجارة مع الدول الاخرى الاعضاء بالاتحاد الاوروبي لأنها تشكل 54% من تجارة السلع.
وأظهر بحث طلبته مجموعة ضغط تمثل البنوك ومديري الأموال أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يؤدي إلى تدمير موقف لندن بوصفها المركز المالي الوحيد لمنافسة نيويورك وإلى عزل الاقتصاد البريطاني، وفقا للمجموعة التي تضم بنوك “جولدمان ساكس” و”سيتي” و”جيه بي مورغان”.
على الجانب الآخر، يرى معارضو البقاء في الاتحاد الأوروبي إن بريطانيا ستكون في وضع أفضل فيما يتعلق بالتجارة مع العالم من خارج الاتحاد الأوروبي، خاصة أن مصادر نمو الاقتصاد العالمي الآن تأتي من الدول الناشئة وليس من الاتحاد، ثم إنهم يرون أن الاقتصاد الخامس في العالم يمكنه العيش خارج الاتحاد الأوروبي، وأنه ينبغي على أوروبا أن تكون سوقًا مشتركة وليس بلدًا مشتركا، فيحتفظون بالمكاسب الاقتصادية دون تحمل مشاكل المهاجرين.
وترى بريطانيا أن قوانين الاتحاد الأوروبي هي السبب في تدفق المهاجرين إليها، هؤلاء الذين أثروا على مستوى المعيشة والنسيج الاجتماعي، وتشير الأرقام الصادرة أخيرًا عن “لندن سكوول أوف إيكونوميكس” إلى أن عدد المهاجرين غير الشرعيين يناهز 863 ألف مهاجر في المملكة المتحدة، وهم يشكلون عبئًا ماديا على الخدمات العامة كالتعليم والصحة تبلغ قيمته 3.67 مليارات جنيه إسترليني سنويًّا.
وطالبت بريطانيا بوضع آلية للتحكم في حركة المهاجرين الوافدين إلى المملكة المتحدة من بلدان أوروبا والسيطرة على الحدود البريطانية، إلا أن مطالبها لم تنفذ.
وليس بعيداً عن هذا الانقسام، تأتي خطورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على مكانة الاتحاد، على الرغم من المخاطر التي من الممكن ان تواجهها البلاد، ومنها إعطاء الذريعة مجدداً للاسكتلنديين للمطالبة بالاستقلال عنها.
الخلاصة:
بريطانيا الآن تقف أمام مفترق طرق صعب جداً، وكل شيء وارد في علاقتها مع بروكسل؛ فالتحدي الأوروبي فرض نفسه بقوة على المشهد السياسي البريطاني، وحكومة ديفيد كاميرون تتبنى الاستفتاء الشعبي حول البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه.
ربما يكون سعيها لممارسة ضغوط على الكتلة الأوروبية هو لتحقيق مكاسب لكنه يصطدم بفيتو فرنسي ألماني رافض لإجراء اي تعديل على اتفاقية لشبونة، لكن في الوقت نفسه وبعيدا عن الحسابات السياسية، تأتي الحسابات الاقتصادية بثقل كبير لتبقى المعادلة مفتوحة لاضافة قرارات أو أطراف اخرى.

أيمن حسين
مراسل الوطن بالقاهرة

إلى الأعلى