الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عهد سياسي جديد.. لتنمية ثقافية فاعلة

عهد سياسي جديد.. لتنمية ثقافية فاعلة

علي عقلة عرسان

إن استخدامنا لطاقاتنا وقدراتنا وقوانا وأموالنا وإبداعنا في خدمة بلداننا ومجتمعاتنا، يجب ألا يلغي إنسانيتنا من جهة ولا إنسانية الآخر من جهة أخرى، وألا يجعلنا أسرى التطرف وردات الفعل على التطرف، الذي قد تمارسه مجتمعات ودول وحكومات وفئات.. إلخ، تأخذها العزة بالإثم، وفورة التجاهل أو الجهل، فتقتحم على الآمنين بيوتهم وأوطانهم وتلغي مصالحهم ووجودهم ذاته.

التنمية البشرية أساس كل تنمية، ولكن عصبها تنمية ثقافية بالمعنى العميق والدقيق والشامل للكلمة، ولأن هناك أكثر من تعريف مهم للثقافة، فإننا نأخذ بتعريف تبناه المؤتمر الدولي للسياسات الثقافية، الذي عقدته اليونيسكو في المكسيك 1984 وهو ينص على “أن الثقافة بمعناها الأوسع هي مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية الخاصة التي تميز مجتمعًا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وأنها تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج الاقتصادي، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات”. والتنمية الثقافية هي تنمية علوم ومعارف، نظرية وعملية، وتنمية قدرات ومهارات وخبرات “فنية، وتقنية، وتطبيقية”، وصولًا إلى الإبداع في كل مجال من المجالات التي يصل إلى الإبداع فيها متميزون، علميًّا ثقافيًّا وإبداعيًّا. ويبدو أن كل تكوين وتنمية لفكر وعلم ومهارة وإبداع، في أي مجال، ينبغي أن يترافق مع برامج مستمرة لتطوير قدرات، وتنمية مواهب واستعدادات وطموحات من جهة، ولتنمية روحية، في إطار الصحة الجسدية والنفسية والعقلية، من جهة أخرى.. من أجل ترسيخ ومفاهيم وطنية وقومية وحضارية وإنسانية، وقيم خلقية ومعايير سليمة، يقاس عليها الفعل والسلوك، وتسهم في تحديد مراتب الأفعال والأعمال والأشخاص.. لأن الإنسان الذي يخوض في أي ميدان: علمي أو عملي، نظري أو تطبيقي، تشكل له القيم الروحية والخلقية والإنسانية، والمعايير الوضعية السليمة، تراتبيّة حماية، وحوافز، وبوصلة يهتدي بها إلى الهدف والمصلحة والأسلوب والأداة من جهة، ومسبارًا يحدد حجم التقدم والإنجاز ومداهما، والفائدة المتحققة منهما، من جهة أخرى.
قال ابن خلدون: “لا بارك الله في علم لا ينفع”، وهو قول مستند إلى ما جاء في الحديث الشريف: عن أبي هريرة: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع” رواه ابن ماجة. فالمعرفة التي لا توضع في خدمة الناس، ولا ترتدّ عليهم مكاسب ملموسة في المدى القريب أو البعيد، هي نوع من حجب حاجة عامة، أو التغاضي عنها، وإضاعة جهد فيما لا يفيد، مثلها في ذلك مثل كنز المال وحجبه عن التداول، وعدم استثماره فيما يعود على أصحابه، وعلى الناس كافة بالفائدة.
ويفيد في تبيُّن النافع من الضار، والصحيح من المعتل، في هذه المجالات، وعيٌ فرديٌّ وجمعيٌّ عميق وشامل، وعيٌ قادر على التمييز، والتقدير، والتقرير.. على المبادرة والقيام بالتصحيح، والدفع باتجاه التغيير والتطوير، انطلاقًا من المسؤولية، ووفق معايير وأولويات، لتحديد الضرورات والحاجات، وتقدير المخاطر والانعكاسات السلبية الناتجة عن عدم البرمجة والتنفيذ لما هو ضروري وأولوي، وبذل الجهد الصادق على طريق ذلك من جهة.. ورفع المستحقين من العلماء والمنتجين والمبدعين إلى المراتب التي يستحقونها: “.. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب” الزّمر 9.. لكي يبقى هناك تقدير وحافز، ولكي يبقى بموازاة ذلك، وفي إطار حاكميّة المعايير، ما ينفع الناس، وما يحتاجون إليه، وما تستدعيه ضرورات البقاء والتطور والأمن من جوع وخوف، والاستقرار والازدهار، وصولًا إلى بلوغ ما يحقق السعادة، وفق أسس ورؤى ومعارف وقيم وذوق.
إن ما هو في مصلحة صحة الإنسان جسديًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا هو أخلاقي، وترتبط صحة الإنسان بصحة المجتمع، أي بسلامته نهجًا ومعيارًا وسلوكًا، وبسلامة البيئة التي تؤثر في الإنسان، ويتأثر بها.. وسلامة أي مجتمع مرتبطة إلى حد ما بسلامة السياسات والمجتمعات الأخرى، لا سيما المجاورة منها، أو التي تقيم معها تعاونًا ومصالح متبادلة، واعتمادًا متبادلًا، فالعدوى من أي نوع تنتقل في كل اتجاه، ولا بد من وجود مناعة بقدر ما، حتى لا تكتسح الأمراض المجتمعية والسياسية، وتلك العابرة للمجتمعات والسياسات، شعوبًا بأكملها.. وسلامة المجتمع منوطة بالمرجعيات والأصول والأسس التي تحكم السياسات، وبأهداف السياسات وتوجهاتها ومعاييرها وأحكامها ووسائلها وتطبيقها، وينبغي ألا يبعدنا هذا عن الأخلاقي، ولا عن ارتباطه بصحة الاجتماعي والسياسي، وبمعيار سليم، منهجي وعملي، للثقافي المتصل بذلك، تفاعلًا وإلهامًا واستلهامًا، وعيًا وممارسة وتنمية للوعي بصورة شاملة.
وما لم تحرص الدول والحكومات والمجتمعات والأشخاص على القيمة الأخلاقية والإنسانية للفعل والقرار والتصرف، الفردي والجمعي، المجتمعي والسياسي، فإن الضرر متوقع، ويمكن أن يكون كبيرًا وشاملًا، ومن ثم تأتي ردة الفعل على ذلك النوع من الفعل، وربما تكون سلبية وعنيفة وفوضوية مدمرة، عندما لا يجدي الإصلاح، أو لا يتم التوجه نحوه بجدية، ومسؤولية. والسياسات والأحكام والتنظيمات التي تنطوي على احترام الإنسان، والوجود البشري المتكامل، واحترام الحقوق والحريات والقيم، وكل ما يبني الإنسان والمجتمع والدولة، ويقيم المعرفة على أسس متينة.. تخلق مناخًا سليمًا للتنمية بأنواعها، وعلى رأسها التنمية الثقافية، وتسير باتجاه تنمية تشاركية شاملة.. لكن عندما تبتعد عن ذلك كليًّا، فإنها تخلق مناخ غابة متوحشة وموحشة، لا تزدهر فيها حضارة، ولا يستشعر فيها الإنسان أمنًا ولا استقرارًا، ولا سعادة بطبيعة الحال.. غابة يأكل فيها البشر بعضهم بعضًا، وتنتج كوارث، تؤسس لكوارث. وهو ما نشهده في الكثير من بقاع عالمنا، الذي فقد فيه الإنسان الثقة بالسياسات، والعدالة الاجتماعية، والتصالح مع الأخلاقي والإنساني، وفق ثوابت محترمة.
ونحن أحوج ما نكون اليوم، إلى ما يخرجنا من فوضى الغابات، وقوانينها، وتقاليدها، وظلماتها، وما تنطوي عليه الحياة فيها من رعب، ومنطق هو منطق القوة المتوحشة.. نحن بأمس الحاجة إلى ما يضعنا في الأمن، في الاستقرار، في النظام، في نور العقل والضمير.. نحن بحاجة إلى توجه السياسات نحو تغيير ثوابتها أو قواعدها التي ترسخها وتتباهى بها، إذ تقول وتؤكد: “إن السياسة بعيدة عن الأخلاق، أو لا ينبغي أن تحكمها الأخلاق.. هكذا ينبغي أن تكون، وأن تعمل”؟! ذلك لأن هذا المبدأ لا إنساني وهدام في نهاية المطاف.. فحين يستبيح القوي القيم الإنسانية والخلقية، انطلاقًا من مقولات “وطنية، وقومية” تخص بلدًا أو شعبًا، ويرى في ذلك قيمة القيم، ووفاء لشعبه، وخدمة لمصالح بلده، فإنه عمليًّا يؤسس لظلم وطغيان يقعان على آخرين، لا يلبثون أن يفعلوا رد فعلهم على الظلم والطغيان، باستباحة مكافئة ومضادة لتلك، تقع على بشر آخرين، ويفرخ الظلم ظلمًا، والعدوان عدوانًا، واستباحة الأخلاق والقيم استباحة لها تنهكها أكثر.. وهكذا يصبح تفاعل دائرة سياسة القوة، وقوة السياسة، سلبيًّا ضد الإنسان والأخلاق.. ولكل كأسه، وعلقمه، والدور الذي يكون له.. فأي منطق يجعلنا نبني سياسات على أسس لا تقيم العدل، ولا تحترم الإنسان، ولا ترعى الأخلاق.. وهي أبنية تشاد وتنهار بشرور ومظالم، تؤسس لشرور ومظالم، ويبقى ضحيتها الإنسان؟! إن السياسة، بنظري، مدعوة لمراجعة موقفها من الأخلاقي والإنساني، ومن دورهما ومكانتهما وموقفهما، عندما ترسم السياسات، وتوضع الخطط، وتبرمج البرامج لحماية المصالح، أو للهيمنة، والنهب، والحرب، والإذلال. لأنه لا بد من مراعاة “الإنساني والأخلاقي” على مستوى بشري، وليس على مستوى يضيق ويضيق ويضيق، ليشمل دولة، أو فئة، أو طائفة، أو شخص، فيصبح هو “الأخلاق، والقيم، والإنسانية والإنسان”، وأحكامه هي الأحكام. فلينته عهد ميكيفللي السياسي، وعهد “أنا ومن بعدي الطوفان”، وعهد أنا الدولة، وعهد أنا القوة، والقوة حاكمة بلا حدود.. إن العالم فيه أكثر من سبعة مليارات من البشر، كلهم ينتمون للإنسانية، ولكل منهم روح، ومعتقد، وحياة، وكرامة، وقيم.. فإذا ما استمر قانون الغاب في أرض البشر، ذاك الذي يخفي المخالب والأنياب تحت أحدث أزياء الموضة “للرجال والنساء” فإن الإنسان سيؤكل بالشوكة والسكين.. لكنه يؤكل في نهاية المطاف؟! في المحصلة يجب أن نبقي على حياتنا كبشر لهم حق متساوٍ في الحياة.. يجب أن تبقى قدراتنا في خدمة التنمية والإعمار، والتقدم المعرفي بكل أشكاله، وأن تبقى لنا آمالنا وأحلامنا في تطور ونمو وازدهار وراحة وأمن، واستمتاع في الحياة.. نحن بحاجة إلى تنمية بالمعنى الشامل تعتمد على تنمية ثقافية ـ إبداعية عليا، بمعنى التسامي والسموق، بالمعنى العميق للكلمة والفكرة.. إن استخدامنا لطاقاتنا وقدراتنا وقوانا وأموالنا وإبداعنا في خدمة بلداننا ومجتمعاتنا، يجب ألا يلغي إنسانيتنا من جهة ولا إنسانية الآخر من جهة أخرى، وألا يجعلنا أسرى التطرف وردات الفعل على التطرف، الذي قد تمارسه مجتمعات ودول وحكومات وفئات.. إلخ، تأخذها العزة بالإثم، وفورة التجاهل أو الجهل، فتقتحم على الآمنين بيوتهم وأوطانهم وتلغي مصالحهم ووجودهم ذاته.
وهذه مسؤولية عامة، للدول والشعوب، للأديان والأفكار، للثقافات والحضارات.. وينبغي أن تكون مسؤولية عامة ورئيسة للسياسات، في عهد جديد، وميثاق جديد، يضع الإنساني والأخلاقي في صميم معايير الحكم، والعلاقات الدولية، وتقييم السياسات، والأشخاص، والتوجهات.
إن كل تنمية تحتاج إلى الوعي والمعيار والقيمة والإمكانيات والأموال، ولا يوجد أفق عام واسع لأي تنمية لا تضع التنمية الثقافية: الروحية والمادية، المعرفية والسلوكية، النظرية والتطبيقية، الإنسانية والأخلاقية.. على رأس اهتماماتها، لأن ما يُبذل فيه الجهد والمال، يحتاج إلى من يحفظه ويستثمره ويطوره، بعقل وضمير ومسؤولية.. وذلك هو العنصر البشري.. الإنسان. ولا يوجد تنمية من دون قرار سياسي حكيم وحازم، واستراتيجي بعيد النظر، ذي أفق إنساني واسع، يوحي بالشراكة، ويدعو إليها، ويفرضها.. ولا بد من مشاركة غيورة من القادرين والمبادرين والفاعلين، والمشاركة المقصودة بالحديث لا تقتصر على الماديات، فالفكر، والرأي، والإبداع، والعلم.. كل ذلك شريك، ومؤثر، وفاعل.. أشار الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، خافير بيريز دي كويلار، إلى “أن مجهودات التنمية أخفقت لأن أهمية العنصر البشري تكمن في أنه مزيج معقد من الروابط والمعتقدات والقيم والحوافز، وذاك المزيج هو الذي يشكل جوهر الثقافة”.. فهل نسلم بذلك، أم نأخذ بإمكانية تنمية ثقافية قومية ـ إنسانية، مؤثرة.. استنادًا إلى ثقافة وطنية ـ قومية ـ إنسانية، ذات جذور عميقة، ومدى روحي واسع، وقدرة على التأثير في العمق التكويني للإنسان؟! إن التنمية يغذي دوافعها الانتماء والشعور بالمسؤولية والغنى الروحي الأصيل الذي يربط الناس بعقيدة وهوية وأمة وواقع، من جهة وبالآخر الإنسان من جهة أخرى.. ويجعلهم يدخلون، من خلال تمثّل ذلك كله، باقتدار وإخلاص، إلى دوائر متداخلة متكاملة دوائر: الوطني والدولي، القومي والأممي، الفردي والجماعي، الإنساني والحضاري.
إننا نتطلع إلى ذلك ونعمل على تحقيقه، ونعلّق آمالنا عليه بتنمية شاملة عمادها تنمية ثقافية ـ إنسانية عميقة، نحتاج إليها أشد الحاجة، ونوظف لها أموالنا وأفكارنا وطاقاتنا المادية والروحية، لنعمر ما هدمه ويهدمه قصر النظر السياسي والأخلاقي والإنساني.. ويحتاج كل بلد في هذا، لا سيما البلدان المدمرة بالحروب والفتن، يحتاج فيها إلى أمواله وقدراته وعقول أبنائه المتوطنة في أرضه والمهاجرة بعيدًا عن أرضه.. لكي نقوم جميعًا بأعبائنا، ونتحمل مسؤولياتنا بجدارة، كبشر، عن البشر، في أرض البشر.. ولكي نواجه التحديات الكبرى، ومنها تحديات العصر “علمية ومعرفية وتقنية وأمنية وتنموية”، استنادًا منا إلى إمكانياتنا، وهي كبيرة، وحوافزنا التاريخية وتطلعاتنا المستقبلية، وهي قوية ومثيرة، وتلبية لضرورات البقاء والتقدم والشراكة الفعلية في الأداء الحضاري الإنساني، مع شركائنا في الحضارة الإنسانية والقيم الأخلاقية والروحية الغنية.

إلى الأعلى