الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ارتجاج دماغي .. رياضيون يقعون ضحية فساد الكبار
ارتجاج دماغي .. رياضيون يقعون ضحية فساد الكبار

ارتجاج دماغي .. رياضيون يقعون ضحية فساد الكبار

كثيرا منا لا يعرف عن كرة القدم الاميركية أو كما تسميها بعض الدول برياضة “الرجبي”، فهي غير مشهورة في بلداننا العربية كشهرتها في دول العالم خاصة أميركا وكندا، وبالتأكيد انجلترا.
وكما أن لدى البعض منا شغفا بكرة القدم لدرجة تصل احيانا الى الجنون والهوس، كونها أكثر لعبة جماعية شعبية حول العالم، لدى كرة القدم الاميركية مشجعوها ومهووسوها أيضا، فشعبيتها تصل إلى حوالى 32% من الشعب الأميركي، بحسب إحصائية سنوية تجريها صحيفة “Business insider”.
من الناحية الاقتصادية فإن الـ “football” الاميركي، تتربع على عرش الصناعات الرياضية بالولايات المتحدة، فإيراداتها تلامس حاجز الـ10مليارات دولار سنوياً، جراء بيع تذاكر المباريات، أضف الى ذلك التربح عن طريق الدعاية التلفزيونية والرعاية وغيرها. لكن بعيداً عن كل تلك الاشياء الجميلة، فإن جدران اتحاد الكرة الاميركية الـ”National Football League”، واختصاره “NFL”، تخبئ العديد من الخفايا والاسرار السيئة والقضايا الفاسدة التي لا يعلمها محبو تلك الرياضة، تكاد تلامس تلك الاخيرة التي عصفت بستة مسؤولين كبار من “الفيفا”، فهما متنافسان من حيثُ السلطة والنفوذ.
أن تواجه مواطن أميركي بحقيقة تلك الاشياء، أمر بعيد المنال، خاصة اذا كان من عشاق تلك الرياضة التي يمارسها الطلبة ويلعبونها منذ صغرهم في المدارس والجامعات، فهي كما ذكرت سالفا اللعبة الشعبية الاولى في الولايات المتحدة، كذلك الامر في السينما الاميركية، بالتأكيد لن تكشف عن الوجه القبيح لتلك الرأس البيضاوية. وهو ماحدث عكسه تماما، حيث قررت هوليوود اقتحام اروقة الاتحاد والتجول داخل الملاعب العشبية المستطيلة، ثم تفجير قضية خطيرة، والكشف عن مرض دماغي يصيب اللاعبين، ويتجاهله مسؤولو الاتحاد. مؤخرا بات يهدد عرش اللعبة وظل مثارا للجدل والخلاف داخل الولايات المتحدة.
ارتجاج دماغي (Concussion) : هو فيلم دراما أميركي مقتبس من قصة حقيقية، نشرت على هيئة مقال موسع بإحدى المجلات، ثم بيعت حقوقها لتصبح سيناريو فيلم درامي.
الفيلم من كتابة وإخراج بيتر لانديسمان الذي تابعنا معه الأحداث التي أعقبت اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي عام 1963 تحديدا في مستشفي باركلاند، من خلال شريطه الاول” Parkland ” عام 2013.
ولمن لا يعرف لانديسمان، فهو كان يعمل مراسلا صحفيا، وغطى العديد من الأحداث العالمية أهمها هجمات 11 سبتمبر 2001، بالاضافة الى كونه صحفيا وروائيا وفنانا تشكيليا، أسلوبه الصحفي ينعكس على اعماله كتابة واخراج، لتجعل منها ذات قيمة عالية. فلو حالفك الحظ وتابعت احد اعماله، سواء ما أخرجه أو قام بتأليفه، ستشعر كأنك تتابع تقريرا صحفيا مشوقا، وهو بالتأكيد ما ستشعر به عند مشاهدة ارتجاج دماغي، الذي يضم حبكة قوية، غنية بمواضيع مؤثرة عديدة، واسترسال متصاعد دون توقف للأحداث.
بطولة الفيلم من نصيب النجم الأسمر المحبوب ويل سميث، العاشق للفوتبول الاميركي، كمعظم أفراد مجتمعه، والذي صرح أنه لم يكن متخيلا أنه قد يقوم بإدانة تلك اللعبة في يوم من الايام عبر أحد اعماله. يقول سميث لإحدى وسائل الاعلام :” خلال 5 سنوات، كنت اشاهد ابني وهو يمارس هذه اللعبة، من دون ان اشك لحظة انه يعرّض حياته للخطر. لذلك من واجبي كأب ان اكشف الحقيقة أمام الرأي العام”. ويل سميث لم يرغب في الاشتراك بالفيلم في البداية، حيث كان مترددا عند قراءته السيناريو وظل يردد : “أرجوك قل شيئا يجعلنى لا أصنع هذا الفيلم”، بعدها وجد أنه منجذبا للقصة والحقيقة التى لم يكن يعلمها. بحسب ماورد في تصريحات لوكالات الأنباء.
بأداء محترف، مقنع ومؤثر، ليس بجديد على ممثل بارع مثل سميث، يجسد دور الطبيب الاميركي ذي الاصول النيجيرية ” بينيت أومالو “، مكتشف الداء الدماغي الذي يصيب اللاعبين. اللافت في ادائه أنه تمكن من تغيير جلده كاملا، حيث تقمص بامتياز شخصية الطبيب شكلا ومضمونا، فتمكن من تحدث الاميركية بلهجة نيجيرية.
يشارك سميث البطولة عبر اداءات جيدة أيضا في حدود مساحة الادوار، كل من الممثل الك بالدوين بدور طبيب فريق بيتسبرغ ستيلرز لكرة القدم “جوليان بايلز “، البارع ديفيد مورس، في دور اللاعب السابق “مايك وبستر”، والممثلة الانجليزية السمراء جوجو مباثا راو وتقوم بدور زوجة أوماليو ” بريما”.
التصوير بدوره، جاء ملائما مع الحوارت سواء كانت منطوقة أم تعبيرية، استعان المخرج بلقطات حية لما يحدث للاعبين داخل أرض الملعب مع موسيقى ملائمة توحدك مع القضية محور السيناريو.
ورغم غرق الفيلم في كليشيهات البطل الاميركي في اغلب الأعمال الهوليودية، الا ان المخرج قد وازن الامر بعدد من الاشارات الواضحة عن الحلم الاميركي الزائف، والادعاء الاميركي بحرية الرأي والديمقراطية تظهر في حوارات الشريط، وفي حوار مع زوجته ذات الاصول الافريقية ايضا، يقول الطبيب المهاجر من القارة السمراء ليعيش الحلم الاميركي : ” عندما كنت طفلا أنمو في نيجيريا كانت الجنة هنا “ويشير بأصبعه لمنطقة عالية، ويكمل “وأميركا هنا”، خافضا يديه قليلا.
……………………………..

أحداث

تبدأ الأحداث من مدينة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا الاميركية، حين تعقد جلسة بمحكمة المدينة للاستماع الى شهادة الطبيب الشرعي بينيت أومالو حول جريمة قتل.
حينها نتعمق في عالم أومالو الطبيب، بداية من موسيقاه المفضلة التي يسمعها قبل الشروع في عمله، مرورا بأدوات التشريح الخاصة به والتي لايعيد استخدامها، وصولا الى مخاطبته الجثة، طالبا منها أن تكشف له أسباب الوفاة، وتبوح له بسر رحيلها عن الدنيا.
على الجانب الآخر، نلتقي بأسطورة كرة القدم الاميركية للمحترفين، نجم فريق بيتسبرغ ستيلرز ومعشوق جماهير اللعبة مايك ويبستر، في حالة يرثى لها، بعد أن يترك عائلته وينخرط في الفوضى المالية والتشرد، يعيش داخل مقطورته المهلهلة بالقرب من أحد خطوط السكك الحديدية بالمدينة، وقد بدت عليه أعراض الجنون وأخرى كتلك التي تصيب مدمني المخدرات. الا أن حالته يصعب تشخيص سببها من قبل طبيب الفريق جوليان بايلز.

……………………………..

الالتهاب الدماغي المزمن

“هذا يوم صعب في مدينة بيتسبرغ” .. هكذا تصف المذيعة في إحدى القنوات الفضائية، حادث وفاة ويبستر، الذي تطالب السلطات تشريح جثته، لتصل الى يد الطبيب أومالو.
التشريح الاولي لم يوضح أسباب الوفاة ، خاصة مع وجود عدة أشعات مقطعية لدماغ ويبستر تبدو طبيعية تمام، أومالو لا يكتفي ويعتزم مواصلة التحري، ويطالب بتجهيز الدماغ لتشريحه، برغم الميزانية الضخمة التي يتكلفها تشريح الدماغ وهو ما يعارضه مشرف المشرحة.
يتوصل أومالو بعد تشريحه دماغ ويبستر الى مايسمى بـ” مرض الالتهاب الدماغي المزمن” وهي حالة ارتجاج في المخ تصيب لاعبي كرة القدم الاميركية، نتيجة ارتطامهم في الملاعب، وتصل بهم في النهاية الى الجنون ثم الموت المفاجئ، كويبستر الذي بدأ يفقد عقله قبل وفاته في سن الخمسين.
……………………………..

مزيد من الحالات

يستأنف د. أومالو أبحاثه ودراساته، متسلحا بيقينه وايمانه، وبالفعل يتأكد من صحة اكتشافه حينما تقع تحت يده حالة مشابهة لويبستر ويدعى تيري لونغ، وهو لاعب بنفس الفريق ايضا، أصيب بفقدان في الذاكرة ثم أكتئاب حاد، وانتهى به الامر منتحرا.
الأمر المزعج يصل الى أروقة اتحاد الرابطة الاميركية لكرة المحترفين، بالتأكيد ليست حالات موت الرياضيين هي من تعكر صفوهم، انما الاكتشاف الذي توصل اليه الطبيب أومالو، وبحثه الذي وضعه في كتاب وانتشر في الولايات المتحدة كانتشار النار في الهشيم. فهم لا يهتمون بمصلحة اللاعبين أكثر من الاهتمام بالأرباح الضخمة التي يجنوها من وراء هذه اللعبة.
……………………………..

عش دبابير
يسعى أومالو الى انقاذ حياة رياضيي الفوتبول، وتحذيرهم من مواصلة ادائها ، الا أنه لم يكن يتوقع انه على بعد خطوات من عش للدبابير، وأنه سوف يخوض حربا مع أكبر مؤسسات العالم وأكثرها نفوذا.
فتيل الحرب يشتعل، مع اعتزام أومالو استكمال ما بدأه. كبار اللعبة من سماسرة ورؤساء اتحاد وغيره، أضف الى ذلك من له مصلحة في استمرار تلك التجارة الرابحة من كبار شخصيات الدولة، يرفضون صدق مزاعم الطبيب، ويعقدون المؤامرات التي تكذبه وتضلل الرأي العام، بل ويهددون بتصفيته اذا لم يتراجع عن ادعاءاته. وفي كل مرة يثبت طبيبنا شجاعته وأمانته المهنية، يعاونه تلك المرة د. بايلز بعد أن كان يرفض منذ البداية تلك المزاعم.
في نهاية المطاف، يتمكن أومالو من هز عرش اللعبة، واظهار الحقيقة للرأي العام، حيث يسمح له بالظهور أمام العالم والإدلاء بشهادته وذلك فى مؤتمر كبير يضم حشدا من كبار اللعبة ورياضين ومسؤولين في الدولة. فيما يعرض عليه مسئول كبير من البيت الابيض أن يكون الطبيب الشرعي للولايات المتحدة. في محاولة لتمجيد السياسة الاميركية وحرص قيادتها على تقديم الرعاية لمواطنيها، لكنها في الحقيقة ماهي الا محاولات لغسل ماء الوجه القبيح. الا ان اومالو يرفض العرض ويكتفي بحصوله على الجنسية الاميركية.
ارتجاج دماغي .. دراما وسيرة ذاتية، أكتفي بتقييمها بالشيقة، كون السيناريو عانى من بعض المشكلات أهمها التطويل في الحوارات والتركيز على حياة الطبيب وحلمه في الحصول على الجنسية الأميركية أكثر من اللازم، ما سبب ترهلا في بنيان الشريط.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى