الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (207) : كي لا يحدث التهوّر

نافذة لغوية (207) : كي لا يحدث التهوّر

مثلما نجد بمعايير العدل والقضاء درجات الأحكام تتفاوت بتفاوت المخالفات بين الجنح والجنايات، كذلك نجد في أحكام بعض المتشددين عند تقويم الأساليب اللغوية بمعياريّة صارمة، وما أحب أن أُذكّر به وأشير إليه باستمرار هو أن جانباً محدوداً من جوانب البحث اللغوي الحديث هو الذي يلقي منا العناية والاهتمام وأعني بذلك قضية الخطأ والصواب في اللغة، إن اللغة ليست خطأ وصواباً وحسب، وإذا ما قيّض لها أن تبقى موضع اهتمام من هذه الزاوية وحدها، فسيصبح ميدانها حلبات للمبارزة، ومسارح للخلافات والانقسامات على النحو الذي نشهده في السياسات، ثم نكف عن الإبداع، أو نعرقل مسيرته. إن اللغة تذوّق ومؤالفة في المقام الأول، وقصٌّ لحكايات السلف، وترجيع لأغانيهم، وإنشاد لأشعارهم، وإعادة قراءة لهمومهم وفجائعهم وبطولاتهم وقِيمهم التي نكاد نعزلها كليةً عن مسرح حياتنا، إننا نقلّل من شأن اللغة عندما لا نرى فيها سوى مجموعة من الأحكام والقوانين والممنوعات، عندما لا ننظر إلا إلى سلوكها في الوظيفة، وزيّها الرسمي… إنها ليست سائقاً يلتزم بقوانين السير … ولكن، مرة أخرى أقول من خلال هذه النافذة : ينبغي أن يُتَّجه إلى الأسس والأصول، إلى بناء الجملة السليم، الذي نوشك أن نهدمه، أو نفقده على ألسنة أبنائنا وبعض الناطقين بلغتنا أمام أسماع الناس، نحن لا نريد من المواطنين غير المختصين بدراسة العربية أن يكونوا حكّاماً أو شهوداً على خلافات البصريين والكوفيين، ولا متتبّعين لدقائق العربية أو متقنين لمعاني الأدوات وعلل الصرف، وإن كنا نطمح ونسعى ما أمكننا الجهد والوقت لتحقيق هذا الأمل الكبير، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نسكت حتى يحدث التهوّر الذي لا يمكن إيقافه، ولا أن نسمع من يقول:( ذَهَبَ ضَحِيَّتُها سبعون شخصْ ) فيقع في غلطين الأول رفع ضحيتها وهي حال والثاني تسكين التمييز وهو شخصاً، أو من يقول: (أُمضي ساعاتٍ قصيرةٍ) والصواب قصيرةً … والأمثلة مفجعة.. على الرغم من تظاهر الوسائل وتضافر الجهود، وعلى الرغم من وجود حملة صادقة للنهوض بالمستوى التعليمي، وباللغة العربية بخاصة، فإن هناك ضرورة ملحّة لا تقبل التأجيل تستدعي البحث عن حلول أكثر عمليّة، وأكثر اهتماماً، ولتكن مبدئيّاً من أجل الإبقاء على الأسس الأوّليّة… وإلا فإن نهر الخطر سيفيض ويتلف أغراس المستقبل، وإن انصراف الجهود إلى العناية بالعربية في المدارس والجامعات وحدها لا يكفي، بل لا بدّ من تعاونٍ عامٍّ وجهدٍ صادقٍ ووعي حضاري لقيمة هذا العمل القومي.

د.أحمد بن عبدالرحمن سالم بالخير أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى