الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة الفنان المغربي كريم ثابت

قراءة في تجربة الفنان المغربي كريم ثابت

عندما يصبح الأثر الفني بديل حياة
يقول موريس ميرولوبونتي في كتابه العين والعقل”إن المصور يعيش في الانجذاب. وأعماله الخاصة بها إيماءاته ورسومه التي هو وحده قادر عليها، والتي تعد بالنسبة للآخرين كشفا، لأنه ليس لديهم ما لديه من نواقص، يبدو له أنها تنبع من الأشياء ذاتها” بمعنى أن الفنان في كثير من الأحيان ينتج إنطلاقا من نواقص وربما انجذابه للحظات لم يعشها فيقدم على إستحضارها ولو جزافا على سطح اللوحة. بما هي تمثلات الروح بين عالم الظاهر وعالم الرؤية الحلمية للفنان.
والتجربة الفنية للفنان المغربي كريم ثابت ذات طابع ذاتي وأصيل بما هي تبحث عن توازنه مع ذاته وعالمه الطفولي المسحوب منه بالقوة، كما أن ذاتيتها لا تنفي عنها أغراضها الكونية بماهي تضطلع كذلك بوظيفة إخراج الكائن من عزلته وفرديته ليؤسس كليته وهذا ما يشرع الحديث عن وظائف متعددة للفن من هذا المنطلق.
تجربة الفنان كريم ثابت تعد نوعا ما بديلا لحياة لم يعشها، هي فترة الطفولة، فمنذ أن كان عمره 3 سنوات أصيب بمرض أثقل جسده بالحديد فحرم متعة اللعب والركض وحرم الطفولة بمفهومها الحركي والشقي. حيث يقول الفنان في حوار لي معه” …كنت أشعر أني مقيد، مقسم بين أمرين، اندفاع روحي ورغبة في تجريب كل شيء وامتلاك اللامنتهي، وبين حال يجعلني ثابتا في مكاني لا أتحرك إلا للضرورة وبوتيرة محسوبة سلفا.” هذا الإحساس بالنقص والذي حز في نفس الفنان لم يجعله منزويا مسلما بالأمر الواقع بقدر ما سكنت روحه ملكة التحدي والابداع. فتفوق في دراسته وعزف الكمان وكتب الشعر من ثمة وجد نفسه في التشكيل ما بين لغة اللون والمادة والفضاء والفراغ حيث يقول الفنان بأنه يشعر أنه يهبه نفسه ليفعل فيه ما يريد ليصل إلى ما لم يتوقع.
في المقابل ألا يمكن أن تعد الممارسة الفنية أكثر من بديل؟ ألا يجب أن تستجيب لحاجات عديدة ومتنوعة؟
هذه التساؤلات سنجيب عليها في حديثنا عن هذه التجربة والتي بطبيعة الحال لا تعد فقط بديلا عن حياة سابقة فقط بل نشأت عنها وظائف جديدة للممارسة الفنية لدى كريم ثابت والذي تربطه بالعالم علاقة أكثر عمقا.
• التكوين ضرب من متعة وتسلية ولهو..
يبني الفنان لوحاته بكثير من الإصرار على التفاؤل ونشر الفرح والبهجة من خلال شخصياته المرسومة الأقرب إلى شخصيات الصور المتحركة الحالمة. فتغزو لوحاته أجساد في أغلبها نسائية تأتي فرادى حينا ومجتمعة أحيانا مع زهور وألعاب وآلات موسيقية ومزهريات وأحصنة…في وضعيات مختلفة جالسة تارة وفي وضعيات لعب وزهو اقرب إلى الطيران طورا أخر. كما استعمل الفنان ألوانا صارخة نوعا ما كالأصفر والأحمر والبرتقالي والأزرق والبنفسجي فأعطت لوحاته إنطباعا بالفرح والسرور الذي يريد الفنان نشره بعيدا عن ما نشهده اليوم من قتامة وقبح وتشويه يغزو حياتنا اليومية التي لا تهدأ ولا تنقطع الأخبار المفزعة فيها. فيصبح الأثر الفني للفنان من هذا المنطلق منبعا للبهجة كما بالنسبة له عالمه المتفرد، وفضائه الحر الذي يلعب فيه ويمارس شغفه بما يجب من حرية وانعتاق كانا قد غابا عنه في طفولته ووجد في الممارسة التشكيلية بديلا عنها من ناحية ومخرجا لنشر الفرح بين الناس وتغيير نفسية المتلقي وهو بصدد الأثر الفني نحو الأفضل حيث يقول”…إنه محرابي الذي ألج إليه مهموما وأخرج منه صافي الذهن مملوء الروح، بسمو يعلو عن كل مبتذل”. من هذا المنطلق يسعى الفنان إلى إغراق المتلقي في حياة جديدة ومسائلتها ربما لتسهيل هروبه من وجود قليل الإرضاء إلى أخر أكثر غنى، هذا الأخير يترجم رغبة دفينة في تحقيق حياتنا التي لم تتحقق من خلال شخصيات وأشكال أخرى يرسمها الفنان بكل ما أوتي خياله من خصب. يؤثث لنا مسرحا من الدمى قادر على الاستحواذ على كياننا بأسره رغم أن ما يدور على ركحه ليس سوى شيء مبتكر لا واقعي. حيث ترتكز ألوانه الفرحة على خلفيات رمادية وألوان نوعا ما داكنة كأني به يبني حلمه على أنقاض الماضي الحزين.
يتضح جليا إذا من خلال ما ينسج الفنان كريم ثابت من وحي خياله بأنه بحاجة ماسة إلى أن يكون أكثر مما كان عليه في ما مضى وحتى الآن، إنه بحاجة إلى خلق توازنه مع العالم بمعنى أن يكونا إنسانا كليا فهو لا يكتفي بان يكون فردا منعزلا. بمعنى أدق هو يطمح إلى كلية حياة يكون من خلالها لعالمه معنى. فهو من هذا المنطلق يعتبر ثائرا على فكرة إمكانية فنائه ضمن وجوده المحدود بالإكراه. يحاول كريم ثابت من خلال ما عاناه وآلمه إلى الخروج إلى العالم المحيط به، ومخاطبته والتأثير الإيجابي به وبالتالي “يوحد “الأنا” المحدودة بوجود جماعي عن طريق الفن، وأن يجعل فرديته إجتماعية” كما عبر عن ذلك ارنست فيشر في كتابه ضرورة الفن.

• رمزية البعد الجمالي وعد بالتحرر :
يعيد الفنان كريم ثابت في أعماله إعادة بناء الوعي البصري بصورة منافية لأسلوب التنميط والاستلاب الاجتماعي المفروضة من الواقع القائم، وبهذا يكون الأثر الفني لديه وعدا بالتحرر وهو وعد منتزع من الواقع بالقوة، حيث يتمظهر في الاحتجاج السلمي الذي يوحي به الشكل الجمالي الذي انتهجه الفنان. بأن أظهر عكس ما يعانيه الفرد في حياته اليومية وخلق حالة من البهجة لتحدي هذا الموجود كحركة تمرد تخوضها الذات في نضالها من أجل التحرر من سواد الواقع وإعطاء الشكل الجمالي بعدا متحديا ومنافيا له. حتى أن التخلي عن هذا المعنى الذي يحمله الشكل الجمالي في طياته بالنسبة إلى مركوز هو بمثابة تنازل عن المسؤولية حيث يقول في هذا الإطار”تنازل يحرم الفن من الشكل الذي يمكن بواسطته أن يخلق ذلك الواقع الأخر في داخل الواقع نفسه هو عالم الأمل”. إذا فالممارسة الفنية لدى كريم ثابت هي لعب متمرد لزرع الأمل والتحرر من إكراهات الظروف المحيطة، وهذا اللعب ليس عبثا بل هو تحدي وسعي للحرية ولنا هنا أن نستحضر مقولة لأنطونيو تابياس “…الرسم هو تركيب لأشكال بصرية في المكان. إنه لعب، ولكن لا نعني باللعب العبث. وإن الفنانين مثل الأطفال لا يلعبون عبثا. أن نلعب …وأن نلعب عندما كنا صغارا تعلمنا كيف نكون كبارا. أن نلعب…وأن نلعب هو أن نقول أشياء وأن نسمع أخرى ونوقظ النائمين ونعين من لا يقدر على الإبصار أو من أغمضنا عينيه.” إذا ترتبط الممارسة الفنية لدى الفنان كريم ثابت بالعديد من الاعتبارات منها ماهو ذاتي ومنها ماهو موضوعي ولكن رغم ذلك يحافظ الأثر الفني على طابعه الكوني الذي يولد لدى المتلقي متعة وإحساسا بالجمال، وتتمثل ميزته فيما يحققه من إحساس بلذة دائمة منزهة عن المنفعة ناتجة عن التمييز بين مدركات الأثر الفني وتحليل مكوناته وهذا ما ينجر عنه اندماج المتذوق واستغراقه في ضرب من المتعة التي تولد مشاعر وأحاسيس ينبني عليها الحكم الجمالي. ومن هنا نتبين ارتباط التذوق بالانفعال وما يحتكم إليه من طابع ذاتي، فهو لا يقوم على مقتضيات معرفية بل ينتج عن ضرب مما يسميه البعض باللعب الحر للخيال الذي يشترك فيه الفنان والمتلقي. لكن بالرغم مما تكتسبه الذات من أهمية في تحديد معنى التذوق يبقى حضور العقل ودوره أساسيا في هذا المجال، بماهو الذي يضمن التفكير في الأعمال الفنية واكتشاف الأبعاد التي تنطوي عليها في اتجاه فهم الواقع الذي يعمل الفنان كريم ثابت في هذا الإطار على تقديم تصور له ولمكوناته بصورة جمالية تمكنه من تعرية المظاهر السلبية المحيطة بالإنسان والعمل على تجاوزها بتقديم صورة جديدة حالمة، أساسها كما يقول غادمير اللعب والرمز والاحتفال. وبذلك يكتسي الأثر الفني لدى كريم ثابت مغزى تحرري انطلاقا من خاصية خلق واقع جديد من صلب الواقع المعاش، واقع بديل مفعم بالأمل.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى