الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التعبير الكنائي بالصورة الجزئية في قصص هِبة قريش

التعبير الكنائي بالصورة الجزئية في قصص هِبة قريش

هبة سعيد قريش، من مدينة صفوى شرق المملكة العربية السعودية، شاعرة وكاتبة قصة قصيرة وخاطرة، تحمل مؤهل البكالوريوس في اللغة العربية، ناشطة في المشاركات الإبداعية بالمحافل المحلية، أُجري معها ثلاث مقابلات تلفزيونية، ومقابلة مع إذاعة ال بي بي سي، وأخرى في برنامج “الهوا شرقي” من إذاعة الرياض، لها عدة مقالات، وكتبت العديد من القصائد الشعرية، ولها نصوص في القصة القصيرة، والخاطرة نشرت بعضها في مجلة اليمامه الصادرة في الرياض، وجريدة الشرق الصادرة في الدمام، كما نشرت في عددٍ من الشبكات الألكترونية، والمنتديات، والمواقع اﻹجتماعية، وهي عضو أدبي في (متن العرب) وهو موقع يهتم بالنقد الأدبي والكتابة للمغتربين وغيرهم، وقد شاركت بمجموعة من قصصها القصيرة في يوم القصة العالمي الذي نظمته منتدى النورس الثقافي بالقطيف، بإشراف الأديب والباحث الأنثروبولوجي والمؤرّخ الدكتور علي بن إبراهيم الدرورة، الذي انعقد في شهر فبراير الماضي، بمشاركة ثلة من كُتّاب القصة من منطقة الساحل الشرقي وبعض دول الخليج والوطن العربي، وقد استوقفتني ظاهرة جميلة لدى هذه القاصة الرقيقة، ألا وهي: “التعبير الكنائي بالصورة الجزئية”، والتعبير الكنائي ” يمثل انزياحاً أسلوبياً يحتل مكانة متميزة بين وسائل التعبير الفني في أدبنا العربي بشكل عام، وذلك عبر درس ما يتيسر من تطبيقات كنائية منتقاة متوخيا الرصد والتصنيف لمكونات شبكة العلاقات الدلالية التي تربط بين التعبير الكنائي الدال والمعنى المقصود المدلول، وذلك بغرض التعرف إلى الركائز المعرفية التي تستند إليها بنية الكناية… وتُدرس في موضوع الكنابة المزاوجة بين: رصد تشكيل البناء اللغوي والكشف عن الدور الفني للكناية على مستوى كل علاقة من تلك العلاقات ” (راجع : بنية الكناية: دراسة في شبكة العلاقات الدلالية، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، السنة :22 العدد : 88، 2004 )، وقد وجدت في مجمل نصوص هذه القاصة اعتمادها الكبير في التكوين النصي للقصة على إيراد جُمَل كنائية متناثرة هنا وهناك في جسد النص، مما يعني تشكيل مركزية مترابطة بين هذه الكنائيات..فتعطينا نصّاً متكاملاً رغم ما به من الروابط اللغوية البسيطة بين هذه الجمل الكنائية المتباعدة شكلاً والمتآلفة مضموناً.
ففي نص ” شتاء ومطر “.. تقول:
” دخلت في ليلة ماطرةٍ نفقَ عشقٍ ولم تستطِع الخروج منه لأن موظفي الأنابيب أحكموا إغلاقهم.. وهي تستطيع الذهاب؛ ولكن لا يوجد طريق معبد إلى قلبه.. وهي تمتلك في حنجرتها خاصيّة التحدث ولكن لغته غير مفهومة ولا توجد معاهد للترجمة.
هي تخاف عليه من مطر قادم في الإسفلت الذي يسافر عليه جسده كل يوم حتى الغروب.. ولأنها تريد الاطمئنان عليه بعثت بزاجلٍ ليخبره بأن لا يذهب غداً..
يتساءل “المطر والشتاء” عن سبب خوفها عليه وأخبراها بأن الخوف من ممتلكات زوجته وأمه.
كما أخبراها بأن هذا الخوف سيجعل نتيجتها صفر..ولأن درجة الحرارة أيضاً قريبة من الصفر، فلم تجِب على أسئلتهما لأنها لازالت عالقة في النفق وورقة الامتحان خارجه “.
نلاحظ في هذه القصة الاتّكاء الموضوعي على الكناية التعبيرية الجزئية في عدة جُمل فهي تقول: (نفق عشق)..كناية عن ميلان القلب للمحبوب والتعلّق به.. وتقول: (… موظفي الأنابيب) كناية عن العُذّال الذين يحسدونها على هذا الحب وهذه العاطفة الذاتية تجاه المحبوب.. وتقول: (لا يوجد طريق معبّد) كناية عن الصعوبات التي تواجهها الحبيبة للوصول إلى الحبيب..وتقول: (لا توجد معاهد للترجمة) كناية عن عدم وصول الرسالة من الحبيبة إلى الحبيب.
في قصتها (مواصلة نبض) تقول الكاتبة:
” تبعث إلى صندوق بريده رسالتين يومياً، ولأنه بارع في ردم فوهة بريده الحديدي بإسمنت فرعوني وحبات من رخام شمالي.. ولأنها تجهل وصولهم إليهِ وقراءتهم .. ضربت عدد الرسائل في عدد أيام السنة فأصبح حاصل الضرب 730 .. ولأن هناك نصف يومٍ بلا بريدٍ بعثت نبضَها عِوضاً عنه “.
ففي جملة (بارعٌ في ردم فوّهة بريدهِ الحديدة بإسمنتٍ فرعوني) كناية عن الصدود المترسّخ في شخصيته عن أيّ قادمٍ من قريبٍ أو بعيد.. وفي جملة (…وحبّاتٍ من رخامٍ شمالي) كناية عن صلابة انسداد هذه الفوّهة بالرّخام الصلب..أي المبالغة الشديدة في الصدود الذاتي في شخصيته.. أما في اختتام هذه القصة فتستخدم أيضاً الكناية عندما قالت: (بعثت نبضها عوضاً عنه).. وهي كناية عن شدّة المواصلة واستمرارية الحُبّ المتدفّق بالحياة رغم كل هذا الصدود من الطرف المحبوب.
وفي قصتها (لم يكن)، تقول:
” لم يكن حبيبها يمتلك مقومات الجمال.. لم يكن بارعاً بالطول فارهاً.. إذَاً هو يفتقد إلى جلب زجاجة عطرٍ من أعلى الرف.. لم يكن بلا نظارتين.. إذاً يرى الدنيا بعيون أربع كالاتجاهات.. إذاً سيصلي أربع مرات في الفريضةِ وسيفوته اللعب.. لم يكن ذا لونِ بشرةٍ ناصعةٍ.. إذاً يحتاج إلى طلاء وفرشاة.. لم يكن حديثه شيقاً.. إذاً يجب أن ينوب الببَّغاء للتحدث عنه .. و لم يكن لها أن تهوى غيره “.
في هذا النص، تستخدم الكناية في جملة: (يرى الدنيا بعيون أربع)، وهي كناية نستخدمها في حياتنا اليومية لمن يستعمل النظارة فنقول: ( أبو أربع)، و في جملة (يحتاجُ إلى طلاء وفرشاة ) كناية عن التزيّن والتأنّق.. وفي قولها: (يجب أن ينوب الببغاء للتحدث عنه ) كناية عمّن يترجم لها أقواله أو يشرح مُراده..
ووجود هذه الكنايات في هذه الأقاصيص مهم جداً للتعبير الفني، وقد وجدنا هذه الظاهرة في مجمل قصص هبة قريش مما يعني تمكنها من العرض اللغوي البياني من حيث تكوين وحدات هذه الكنايات من جهة، وتشكيل هذه الظاهرة في مجمل قصصها من جهة أخرى لتُعرف بهذا الأسلوب، وإيصال المعاني المقصودة بكلمات وجمل ظاهرية يُفهم منها أشياء أخرى، ولكن الذي يصل إلى المتلقي بالقرائن التعبيرية هي المفاهيم الصحيحة والمعاني المقصودة من قبل القاصة، وهذا ما يوصل إلينا أن القصة القصيرة لا تنفك في اعتمادها على البلاغة العربية بمختلف تشكيلاتها التعبيرية ومنها الكناية التي تزيد المتلقي إدهاشاً وتجذبه إليها مُحدثة أثر السحر (البيان) على المسحور (المتلقي)، وما هذه القراءة المختصرة في بعض أقاصيص هبة قريش إلا للتأكيد على هذه الغاية من الأدب القصصي الجميل.

عقيل بن ناجي المسكين aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى