الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الناقد السعودي عبد الله الغذامي : الأدب والنقد الأدبي اللذان نعهدهما من قبل صارا طللين والوقوف عليهما هو وقوف على الأطلال

الناقد السعودي عبد الله الغذامي : الأدب والنقد الأدبي اللذان نعهدهما من قبل صارا طللين والوقوف عليهما هو وقوف على الأطلال

يشير إلى أن الناس الذين يرون الأدب ذلك الجميل الممتع هم قوم قد انقرضوا

*سيرى طلابنا أن التعرف على أدونيس هو فرض وواجب علمي، وليس رغبة نفسية أو ثقافية !
* خطابات أدبية عديدة مثل الأغنية والأمثال الشعبية والحكايات والأساطير وأخبار التراث كلها لم يقاربها النقد

دمشق ـ من وحيد تاجا:
أكد الناقد السعودي الدكتور عبد لله الغذامي إيمانه الشديد بفكرة المثقف الناقد، وان الأولوية بالنسبة إليه هي لبعث الحس النقدي.. ولفت في حوار مع ” أشرعة ” إلى أن نقد الذات ونقد الثقافة ونقد المجتمع ونقد المؤسسة، لا يعنى بالضرورة محاربتها وإيذاءها والتصادم معها لذات التصادم وإحراجها أو القضاء عليها.
الدكتور عبد الله الغذامي أستاذ النقد والنظرية في كلية الاداب بجامعة الملك سعود بالرياض. وحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة اكستر البريطانية، وهو صاحب مشروع في النقد الثقافي وآخر حول المرأة واللغة. وصدر له 21 كتابا في النقد منها: النقد الثقافي . الكتابة ضد الكتابة ـ ثقافة الأسئلة .. مقالات في النقد والنظرية. نقد ثقافي ام نقد ادبي … حصل على جائزة مكتب التربية العربي لدول الخليج في العلوم الإنسانية. و جائزة مؤسسة العويس الثقافية في الدراسات النقدية، عام 1999م. وتم تكريمه من قبل (مؤسسة الفكر العربي) للإبداع النقدي، 2002 ـ القاهرة.

* أعلنت في كتابك ( نقد ثقافي) ان ” الأدب والنقد الأدبي اللذين نعهدهما من قبل صارا طللين والوقوف عليهما هو وقوف على الأطلال” . وناديت بضرورة إحلال النقد الثقافي مكانهما..؟
** في تواريخ العلوم تتكشف أسباب نهوض علم مكان علم آخر، او تلاشي علم وتجمده، والقانون العام في ذلك ان العلم متى تشبع تشبعا يبلغه حد النضج التام فانه يصبح مهددا ببلوغ سنه التقاعدية، ولا شك ان العلوم تتقاعد مثلما يتقاعد البشر، غير ان الفارق ان العلم لا يدرك سنه التقاعدي ولا يراه، ويحتاج إلى من يكشف له عن اللحظة الحرجة في تاريخ المعرفة، ولقد شاع عن الشيخ أمين الخولي قوله عن البلاغة العربية بأنها : نضجت حتى احترقت، وهذا رأي فيه صدق وبصيرة ، ولكننا مع هذا ، مازلنا ندرس طلابنا في المدارس والجامعات مادة البلاغة بعلومها الثلاثة، ولا نعي ان ما ندرسه لهم هو علم لم يعد يصلح لشيء، فلا هو أداة نقدية صالحة للتوظيف، ولا هو أساس لمعرفة ذوقية او تبصر جمالي، وان كان قديما كذلك إلا أنها لم تعد أساسا لتصور او لتذوق، ومن ذا يحتاج اليها لتذوق اي نص او تعرف صيغه ودلالاته،ونحن في الجامعات ندرس طلابنا وطالباتنا كل ماهو نقيض لهذه البلاغة ومتجاوز لها، ولكننا لا نجرؤ على الغاء مقررات البلاغة، وقد نظن ان إلغاءها سيكون بمثابة الانتحار المعرفي، او التآمر ضد التراث، وضد ذائقة الأمة. وبرأيي ان النقد الأدبي قد بلغ حد النضج ووصل الى سن اليأس، وهنا قلت بان الأدب والنقد الأدبي اللذين نعهدهما من قبل صارا طللين والوقوف عليهما هو وقوف على الأطلال. ومن هنا تأتي حتمية التغير وتبديل التصور. ولابد من التأكيد ان النقد الثقافي لن يكون إلغاء منهجيا للنقد الأدبي، بل انه سيعتمد اعتمادا جوهريا على المنجز المنهجي الإجرائي للنقد الأدبي.

* ولكن العديد من النقاد يرون أن النقد الأدبي لم يستنفد حتى الساعة مسوغات وجوده ولم يخفق مطلقا في تأدية دوره ووظائفه ومهماته..؟
** هذا رأيهم . وبالتأكيد انا لا أتحدث حول النقد الأدبي بوصفه ممارسة أكاديمية، أو بوصفه درساً في التدريب والتذوق. وإنما الأمر عندي هو أن العالم اليوم ومنذ أكثر من عقد مازال يشهد حالة من التحول الضخم، وهو تحول نوعي في رؤية الإنسان لنفسه وللآخر وللكون من حوله، وهذا يشمل قراءة الإنسان للتاريخ وللثقافة بما إن الاثنين شاهدان لغويان على الأذهان المنتجة لهما، مثلما أنهما علامتان على الأنساق المكونة للذهن البشري والمصنعة لذوق الناس ولتصوراتهم وأحكامهم. فالتاريخ يصبح ملحمة قومية تجنح الذات الوطنية إلى تذكر البطولي منها وتتناسى المأساوي والانهزامي، ومن ثم فإن التاريخ سجل نفسي ووجداني، وعلامة ثقافية من حيث ما نتذكره منه وما ننسبه إليه وما نسقطه عليه. في مقابل ما ننساه أو نتناساه من التاريخ. كما أن منظومة الأنساق الثقافية المكونة لذهنية أية أمة من الأمم تظل كامنة في نصوصها الأدبية الرسمية والشعبية. وهذه تتكامل مع التاريخ بوصفه نصاً كبيراً وممتداً، فيجتمع التاريخ من جهة والنسق الثقافي من جهة ثانية، يجتمعان في تكوين ذات وطنية وجدانية وعقلية. وحينما نتكلم عن مرحلة النقد الثقافي فإن المقصود هو التنبه إلى هذا الملمح الجديد في تطور الفكر البشري. إن الثورة الاتصالية الحديثة قد أعطت الإنسان وسيلة للتمدد لم تتوافر له من قبل، وهذا زاد من قدرته على الرؤية وقدرته على الوصول، ومن ثم فإن أدوات وآليات التفسير والتأويل القديمة صارت الآن قاصرة، مثلما أن آليات التذوق قد تغيرت تبعاً لذلك، والتغير الضخم في الوسائل هو المسؤول عن كل التغيرات النوعية في الفهم وفي التفسير. وإذا لم نتنبه لهذا التغير فسنظل نمارس تفسيراً قديماً لظواهر جديدة، ولن يستقيم الأمر لعدم تجانس الآلتين بعضهما مع بعض. وليس النقد الأدبي سوى آلة من آلات الفهم والتفسير، وكان يخدم موضوعه حينما كان الموضوع محدداً مثل تحديد الوسيلة، أي إن المنتوج أدب وآلة التناول ستكون نقداً أدبياً.

* اشرت في ذات الكتاب إلى ” ان الأدب لم يعد فناً جميلاً ولغةً راقيةً ومتعةً نفسية وقرائية”.. هل يمكنك إيضاح هذه الفكرة..؟
** هذا صحيح . هذه سمات للأدب بمفهومه القديم، والناس الذين يرون أن الأدب هو ذلك الجميل الممتع هم قوم قد انقرضوا أو هم في حكم المنقرضين، أو في طريقهم إلى الانقراض. ليس لعجز فيهم، ولكن لأن التبدل المعرفي أكبر من طاقتهم على المقاومة. ولا شك أننا نحن المنتمين للجيل الأدبي وللنقد الأدبي قد خسرنا شيئاً كثيراً وكبيراً حينما فقدنا زمن الأدب والأدبية، وهي خسارة فادحة ولاشك، غير أن الحكمة تقتضي من الخاسر أن يتحرك لتبديل بضاعته كي لا يظل يبكي على الأطلال. إن القارئ التقليدي الذي كان يقرأ المتنبي وابي تمام قد اندثر أو هو في طريقه للاندثار، ونحن فقط من لا يزال يقرأ هؤلاء، أقصد نحن أساتذة الأدب في الجامعات وطلاب وطالبات أقسام اللغة العربية.

* وهل تدعو الى إلغاء المتنبي وابي تمام ..؟!!
** لا بالطبع. هذه ليست دعوة لإلغاء المتنبي وأبي تمام ولا تنكراً لديوان العرب، ولكنها دعوة لتغيير أساليب القراءة من قراءة الجمالي والممتع بوصف النص أدباً جميلاً مشحوناً بالمتعة والنشوة، إلى كونه خطاباً ثقافياً وعلامة ثقافية، وفرق بين العلامة الثقافية والعلامة الأدبية. في الأدب نقرأ الجمالي، وفي النقد الأدبي نبحث عن الجمالي أو ما يعيب هذا الجمالي، أي إننا في إطار النص. أما في الثقافة والنقد الثقافي فإننا نقرأ النسق ونكشف عن تكوينات الخطاب بوصفه صناعة للأنساق وليس إنشاء لنصوص. وهذا فرق جوهري بين الهدفين، اقتضته التطورات المعرفية واقتضاه التغير الثقافي والمجتمعي الخطير والجذري. وإذا كان الشباب والشابات الآن يستمعون إلى نوع من الموسيقا والفن يسمونه باسمهم ويشرطونه بشرطهم، أي الأغنية الشبابية، وهذا حدث جذري يحول الاستقبال الجمالي ويحرفه عن قصائد الفحول من المتنبي إلى أدونيس، يتحول الاستقبال إلى نوع جديد من الخطاب لفئات بشرية هي التي تنتج الآن الخطاب الثقافي والاجتماعي، ولو سألت هؤلاء عن المتنبي وأدونيس فلا شك أن لديهم بعض أجوبة عن المتنبي وربما ذكر بعضهم شيئاً من بقايا ذاكرة عن هذا الشاعر، ولكنهم أقرب إلى أن يجهلوا أدونيس، وربما جهلوا حتى اسمه فما بالك بوظيفته وشعره.
إن من يعرف أدونيس ويصرف الوقت مع شعره هو نحن معشر أساتذة وأستاذات الأدب العربي، ولن يشمل هذا حتى زملائنا من النحويين واللغويين، وسيرى طلابنا أن التعرف على أدونيس هو فرض وواجب علمي، وليس رغبة نفسية أو ثقافية. وهذا محزن طبعاً، ولكن حزننا على هذه الخسارة لن يجدي نفعاً، وإنما النفع سيكون بالسؤال عن السبب، ولماذا مثلاً كان يتزاحم الناس على أمسية لمحمود درويش في لبنان او دمشق حتى لقد عقدوها في ملعب كرة قدم امتلأ عن آخره، بينما لم يحضر لأمسية أدونيس سوى بضعة أشخاص…؟
وكذا تجد الأمر نفسه في إقبال الشباب على الأغاني الشبابية أو الأغاني الوطنية الحديثة لمارسيل خليفة مثلاً.
إننا أمام تغير يقتضي التفكر، ولن يكون السؤال عن جماليات النصوص هو الجواب، ولو كان ذلك جواباً لحظي أدونيس بقبول واسع، لأنه أكثر شعرائنا شكلانية شعرية وأقلهم تحولاً نوعياً إذا تركنا الشكل الجديد عنده، وهو شكل حداثي على مضمر رجعي، بحسب رأيي.
* هل تتفق معي بان اهتمام النقد بالشعر عندنا يأتي على حساب الاهتمام بباقي الأجناس الأدبية ..؟
** هذا صحيح لأن الجامعات بما تملك من أساتذة وجهت عنايتها إلى الاهتمام بالشعر نقدياً دون أن توجه الاهتمام إلى سائر الأجناس الأدبية الأخرى بل إن هذه الجامعات شجعت طلابها وأساتذتها معاً على مقاربة الشعر نقدياً دون باقي الأجناس الأدبية، ولهذا تلاحظ بأن ثمة انحسارا نقدياً واضحاً تجاه الشعر في السنوات الراهنة، والسبب كثرة الإقبال النقدي على الشعر، إن عدداً كبيراً من الشعراء درست قصائدهم ونتاجهم عشرات المرات ومن زوايا مختلفة، في حين أن قصاصين وروائيين كثر، وهم من المهمين في عالم الإبداع لم تقارب إبداعاته إلى يومنا الراهن لأسباب عديدة لكن من بينها توجه الجامعات العربية وتشجيعها للكتابة النقدية حول الشعر حصراً ، إن تركيز النقد على الشعر ألغى مقاربة الكثير من الخطابات الأدبية بحجة أنها غير جديرة بالوقوف عندها ونقدها والعجيب أن النقد قارب النثر الأدبي عندما اقترب الأخير من مناخات الشعر وعوالمه وبذلك صار له حظوة عند النقد والنقاد معاً ، وهذا يعني أن النقد يعني بالشعر لأن الشعر يشكل البؤرة المركزية لاهتماماته.
ومن المؤسف أن خطابات أدبية عديدة مثل الأغنية والأمثال الشعبية والحكايات والأساطير وأخبار التراث كلها لم يقاربها النقد فظل بعيداً عنها على الرغم من أهميتها في حياة الناس وتفاعلها معهم، بالإضافة إلى ذلك هناك خطابات أدبية ووجدانية وإعلامية لها تأثير عميق في حياة الناس مثل النكتة والإشاعة وأفلام التلفزيون والسينما، والحكايات المشوهة، والشعر الشعبي والزجل في بلاد الشام .. ” لكن النقد ظل بعيداً عنها، وهذا يعني أن النقد الأدبي اهتم بأمور لا تؤثر في حياة الناس، ولذلك حدثت قطيعة بين النقد الأدبي والناس حين انحصر هم النقد الأدبي بأصحاب النصوص وحسب، وبذلك وقف النقد موقفاً لا يحسد عليه عندما خسر شرائح كبيرة من المجتمع. وأؤكد هنا إن نظرة النقد الأدبي نحو الشعر واعتباره مركزاً أساسياً أضاع على النقد فرصاً حقيقية لمواجهة تلك الخطابات الأدبية التي تعني الأمة جميعاً

*وما هي حدود هذا النقد الثقافي الذي تتحدث عنه لاسيما وأن حقول الثقافة كثيرة ومتعددة ؟
** طبعاً، توجد أبواب وحقول لا نستطيع الحديث عنها أو طرقها، ولكن الأبواب الثقافية المتاحة كثيرة ومتعددة على درجة يصعب حصرها، إن هذا التوجه الذي أدعو إليه، يأتي لأن المركزيات الأساسية، المرجعيات الرئيسية تبدلت وتغيرت بعدما تمسكنا بها كثيراً، إذ لم يعد الشعر ديوان العرب، وأجيالنا الجديدة لا تتمسك بالشعر. إن وظيفة النقد اليوم، وانطلاقاً من النقد الثقافي، تدعونا للقيام بدور تنويري لا دور تعليمي، لندع (التعليمي) للجامعات. إن قناعتي تؤكد على أنه، توجد حدود يجب بيانها والعمل عليها، وأنه توجد بعض الحدود التي لا تستطيع عبورها لأسباب ومعطيات مختلفة، يجب أن نغادر الأشياء التي نستطيع عليها، إن وقفة المثقف يجب أن تكون مع الجمهور العريض. وعندي، إن المثقفين والأدباء والكتاب والمفكرين لو وقفوا مع الجماهير، وتركوا الشأن المتعلق بالسلعة لنجحوا أكثر، ولكانوا أكثر فعالية في الحياة العامة التي تهم الناس.

* لكن ألا ترى معي د. عبد الله بأن هذا الأمر أوجد قطيعة ثقافية ما بين الأدباء والقراء، كان سببها الناقد نفسه، عندما ميز بين النخبة والجمهور العادي ؟
** طبعاً هذا صحيح، لأن أغبى مصطلح فرض على الناس هو المصطلح القائل بوجود نخبة مثقفة، وجمهور بحاجة إلى العلم والتعلم. إنني لا أدري ما هي هذه النخبة التي ليست بحاجة إلى العلم والتعلم. إن هذا الفصل الحاد ما بين الناس قاس ومظلم في آن معاً، ذلك لأن الكم الأكبر من الناس وسم بأنه بحاجة للعلم والتعلم، وعليه ظل هذا الكم مستهلكاً لكل ما يعطي له، والعجيب أنه جمهور يتقبل كل شيء على اعتبار أنه الكل المكمل والتام أيضاً. إنني أدعو إلى نقل المعرفة النقدية التي حاز عليها نقد الأدب إلى حقول إنسانية أخرى في الثقافة والفكر والسياسة، والاجتماع والاقتصاد، ذلك لان أدوات النقد الأدبي جربت وبات من الممكن العمل بوساطتها في مجالات الحقول المعرفية الأخرى.

إلى الأعلى