الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سمات قصيدة الرثاء في الشعر العماني

سمات قصيدة الرثاء في الشعر العماني

الرثاء في الشعر العماني (3)
ظل الشعر العماني في بداية العصر الحديث متأثرا بما ورثه من عهد بني نبهان (1154- 1406م)، ويتميز فيه الشعر بالقوة، والرصانة، وجزالة اللفظ، وهو شبيه ـ إلى حد ما ـ بالشعر الجاهلي من حيث أفكاره، وموضوعاته، وأساليبه، وبعض طرائقه الفنية، ولعل قصائد الشاعر سليمان بن سليمان النبهاني، أو الستالي، أو الكيذاوي، تطرح لنا تلك المفاهيم.
إضافة إلى ما ورثه من خصائص من عهد اليعاربة (1622- 1741م) حيث امتاز الشعر في هذه المرحلة بأنه مثَّـل الروح القومية وأيقظها بعد تلك الانتصارات التي تحققت في هذا العهد على البرتغاليين وطردهم من عُـمـان، ولهذا بث الشعر مضامين قومية حلَّت محلَّ النزعات العصبية التي أوجدتها مضامين القبيلة على شكل صور من الاعتزاز الفردي، وقد تجلّت هذه الروح في كتابة القصائد التي تسجل مراحل التاريخ كما فعل عبدالله بن خلفان بن قيصر عندما سجل سيرة الإمام ناصر بن مرشد شعراً وأيضاً عند الصارمي، الذي سجل فتوحات اليعاربة وشارك فيها في الهند وإفريقيا وبعض مناطق الخليج، وكذلك نجد هذه الظاهرة في أشعار الحبسي، وعلى بن خلفان الريامي، وغيرهما (الشعر العماني اتجاهاته وخصائصه الفنية، ص77- 82).
لقد أخذ الشعر في هذه الفترة يدور في إطار الصنعة البديعية التي طغت على الفكرة، ويتمثل ذلك عند (أبي الأحول) و(الغشري) و(ابن عرابة). ثم ما لبث هذه النزعة أن ضعفت حينما تحرر الشعر من القيود اللفظية؛ فأخذ الشعراء ينزعون إلى التحرر من أطر الصنعة الزخرفية وبدأت حركة الشعر تنمو وتزهر بملامح الجودة والفن.
لقد عاد الشعراء بالشعر إلى عصر الازدهار، مما حدا بهم إلى إحياء فنهم ونهضته، وقد ساعدهم ذلك على استيعاب التراث العربي وتمثله. أضف إلى ذلك استعدادهم الفطري الذي صقلته كثرة المقروء من الشعر المنشور واطلاعهم على معالم النهضة الأدبية في مصر. إن كل ذلك مكّنهم من الإجادة والتعبير عن المعاني التي يقصدون إليها في صياغة متسقة، وقدرة لغوية فائقة، وحس شاعري، ألمّوا فيه بالصور والمعاني التي درج عليها الشعراء في الأدب العربي.
وقد عكس الأدب العماني صورة معبرة عن حياة المجتمع العماني بما يدور فيه من أحداث وصراع في جوانب الحياة الفكرية والإجتماعية والسياسية، وبما تشمل عليه من ملامح وصور للبيئة العمانية بجبالها ووديانها وبحارها ومظاهر حياة المجتمع في بواديه وحاضره، وتتنوع هذه الخصائص وفق المحاور الآتية:
أولا: الصدق الفني:
ويتسم شعر المراثي بالصدق، فقد جاء التعبير عن الأفكار والمعاني التي توالت على أذهانهم بالصدق الفني النابع من أعماق النفس والوجدان، وكان هذا دافعا للشعراء للتعبير عن حقيقة ما يحسون به أو يعانونه في دخائلهم، وجرت العادة على أن معيار قياس صدق الشعر يكون بمدى تعبير الشاعر عما يحس به وشعره في نفسه حتى وإن كان ما قصد إليه أو تصوّره أمرا عاما.
ثانيا: النزعة الذاتية:
التفت كثير من الشعراء العمانيين إلى وجدانهم يرقبون من خلاله عالمهم المتغير، ويعبرون عن تجاربهم الفردية ومشاعرهم الذاتية بأسلوب يميل إلى الخيال العميق، والعاطفة الحارة التي تمثل موقفا خاصا من الحياة. وهذه المواقف وإن كانت تعبيرا عن حياة المجتمع في الوقت ذاته إلا أنها تتلون بالشعور الخاص عند الشاعر حتى أصبحت نتاج وحسه ووجدانه؛ أي أنها أصبحت تجربة ذاتية محضة. ومن خلال التتبع يُلاحظ أن السمة الغالبة على الشعر العماني هي النزعة الذاتية التي تعبر عن وجدان الشاعر ونبض إحساسه وفكره.
ثالثا: طول النفس:
وقد اتسمت الكثرة الغالبة من قصائد الشعراء العمانيين بطول النفس – إن صحّت التسمية- حتى إن المطولات التاريخية والوطنية جاءت ممتدة ذات أبعاد مختلفة ولكنها مترابطة في وحدة وانسجام، ولهذا لا نحس فيها أثرا للتكلف أو الضعف، بل نجد تتسلسلا للأفكار، وتداعيا للمعاني حتى تنتهي إلى الهدف الأصيل المرتبط بما في وجدان الشاعر. ومن هنا نجد غلبة البحور الطويلة النفس في شعر الرثاء.
رابعا: الأصالة والتجويد :
صدر الأدب العماني في جملته عن أصالة وانتماء إلى الموروث في الحياة الأدبية في شرق الجزيرة العربية عموما، وفي البيئة العمانية خصوصا، كما أنه ارتبط بالأدب العربي في مساره على مدى العصور المختلفة وكأن الصلة قوية بين دور الأدب العماني وحركته وأثره في إطار الصورة العامة للأدب العربي. وصفوة القول أن الشعراء العمانيين جاءت مراثيهم مشفوعة بعاطفة صادقة، وقوية، ومتمازجة في إطارها العام داخليا وخارجيا، وقد تجلّى أثر ذلك في اتساق قصيدة وملاءمتها بين الأغراض المختلفة وحسن الإنتقال بها من غرض لآخر.
وأدرج هنا بعد استعراض خصائص القصيدة النثرية العمانية قصيدة الشاعر عبدالله الطائي الذي يعتبر شاعرا رثائيا لكثرة ما كتب من قصائد رثائية وخصوصا وهو يرثي شهداء عمان، وكذلك بعض أحبته الذين أنكبه فيهم الموت وهو في ديار الغربة فعمقت هذه الأحداث جروحه وأضافت الى هموما الشخصية هموما جديدة، ولهذا فإن رثائياته تكاد تنطق بحزنه وبصدق مشاعره وبتجلده وهو حتى في رثائه يربط بين كل هذه المآسي ويعكسها في النهاية على حالة البلاد في تلك الفترة . ومن قصائده الخاص برثاء الأقرباء، قصيدة في رثاء أمه وقد توفيت وهو في الغربة فأضافت وفاتها جرحا الى جروحه الكثيرة ، ويصف الشاعر يوم وفاتها بأنه اليوم الذي ضعفت فيه مقاومته الى حد بعيد ويتمنى أن يسمح له لكي يزور قبرها في مسقط فيقول (مجلة نزوى، العدد21، 2000):
اليوم لانت يا زمان قناتي ولكم صمدت لأعنف الهزات
أصبحت أرجو أن أشاهد قبرها ولو أنني أرضيت كل عداتي
فأطوف مسقط لائذا متحاميا الموت يدفعني لمحو شكاتي
أمي لقد ملك القضاء سهامه فأتاك منها قاتل النبلات
لكن موتك قد ألان تجلدي وأضاعني حتى زهدت حياتي
اليوم أشعر بالمصائب جمعت والنفس تغرق في دجى الظلمات
يا قلب حسبك حسرة وتخاذلا فاصمد على المكروه والعقبات

وفاء الشامسية

إلى الأعلى