الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حكومات الألفية الثالثة «رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية» «5-5»

حكومات الألفية الثالثة «رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية» «5-5»

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. إن الحكومات اليوم – أقصد- تلك التقليدية في بنائها، البيروقراطية في إدارتها، الكلاسيكية في أفكارها، وأمام هذا الطوفان المتوقع والحتمي من التوجهات الكونية الكبرى والكوارث التي ستشكل المستقبل خلال السنوات القليلة القادمة لا حل أمامها ولا وسيلة سوى التغيير الهادف والممنهج نحو التحول إلى حكومات مستقبلية قادرة على مواجهة تلك المشاكل والكوارث القابلة للتحول إلى أزمات خطيرة،”

التحدي الثالث الذي ستواجهه السياسات الإدارية الحكومية القائمة في طريقها للتحول نحو حكومات المستقبل، هو أنها يجب ان تكون حكومة قادرة على التوقع واستشراف المستقبل القائم والقادم وذلك بهدف مواجهة تلك الأزمات والتحديات المتزايدة، والأزمة هي حالة توتر ونقطة تحول تتطلب قرارا ينتج عنه مواقف جديدة سلبية كانت أو إيجابية تؤثر على مختلف الكيانات ذات العلاقة، وهي موقف شديد الخطورة ينتج عن وصول وضع ما أو مشكلة ما أو حالة ما إلى مرحلة غير مسبوقة من التعقيد والتهديد، تحتاج فيها إلى اتخاذ إجراءات استثنائية وقرارات غير اعتيادية تهدف إلى احتواءها أو على اقل تقدير التقليل من انعكاساتها وتبعاتها فيما يطلق عليه بإدارة الأزمة.
ولا تولد اغلب الأزمات في العادة حتى تلك الطبيعية منها بشكل مفاجئ، بقدر ما تكون نتيجة لتراكم الكثير من الأخطاء والمشاكل أو نتيجة الإهمال والتأخير والتدخلات البشرية السيئة والسلبية في التعامل معها حتى تصل إلى مرحلة متطورة ومتقدمة من التعقيد ودخول الموقف إلى حالة كارثية، لذلك يجب عدم ترك المشاكل تتراكم ويجب حلها بشكل دوري ودائم حتى لا تتسبب بكوارث ومن ثم أزمات، وعليه فان الكوارث هي: (أحد أكثر المفاهيم التصاقا بالأزمات، وقد ينجم عنها أزمة، ولكنها لا تكون هي أزمة بحد ذاتها، وتعبر الكارثة عن حالة مدمرة حدثت فعلا ونجم عنها ضرر في الماديات أو كليهما معا).
وتختلف الأزمات باختلاف أسبابها ودوافعها، ويمكن تقسيمها إلى قسمين: أزمة بفعل الإنسان وهي تلك الأزمات الناتجة عن فعل أو تدخل إنساني، وأزمة طبيعية، وهي الأزمة التي لا دخل للإنسان في حدوثها في اغلب الأحيان مثل وقوع الزلازل والبراكين والجفاف.على سبيل المثال لا الحصر كذلك، كما تختلف النظرة إليها تبعًا لاختلاف البشر في التفكير وطريقة نظرتهم إليها وبالتالي إدارتهم لها، كما تتطور الأزمات وتتجدد باختلاف التطور الحاصل في البيئة التاريخية والحضارية بجميع جوانبها واتجاهاتها وأبعادها الإنسانية، والتي هي في حد ذاتها نتاج طبيعي لتطور النشاط البشري وتقدمه، لذا تعد الأزمات نتاج حتمي لصيرورة التقدم الحضاري والإنساني، وهو ما يجب أن تدركه الأمم والدول التي تسعى للاستقرار والتقدم في عالم متقلب وسريع التغيير.
وعلى حد تعبير ادغار موران وهو احد أهم فلاسفة وعلماء فرنسا المعاصرين والمدير الفخري للأبحاث بالمركز الوطني للأبحاث العلمية وصاحب نظرية التعقيد وإستراتيجية الفكر المركب من أن العالم اليوم يعيش (في قلب صيرورة حيث أن الأزمات تبدو لنا لا كحدث عارض داخل مجتمعاتنا، وإنما كنمط وجودي، والواقع انه ينبغي ربط الفكرتين، فكرة أن الأزمة قد أصبحت هي نمط وجود مجتمعاتنا، وفكرة كون التقدم يحمل في نفسه خاصية ازماتية: ففي ثنايا تطوره المتغير والمتسارع ينطوي تقدم الأمم، واذكر هنا ما قاله انطونيو نيغري من أن الأزمة ليست نقيض التقدم وإنما هي صورة ذاته).
من هذا المنطلق نؤكد على تلك النظرة الاستشرافية التي نتطلع للوصول إليها لشكل ومضمون حكومات المستقبل، تلك الحكومات التي ستكون مطالبة بحتمية التغيير في العديد من أفكارها ومرئياتها، وفي الكثير من استراتيجياتها ومخططاتها ونظرتها المستقبلية للتهديدات والمخاطر خلال العقود القادمة، وذلك بهدف رفع مستوى قدراتها وإمكانياتها المؤسساتية والقيادية على احتواء تلك الأزمات الحتمية والتي لا مفر من الالتقاء بها ومواجهتها من جهة، وبهدف اكتساب المعرفة الاستشرافية بالطرق المنهجية والأساليب العلمية الخاصة بإدارتها ويمكن من خلالها تحقيق أقصى قدر ممكن من النجاح واحتواء اكبر مساحة ممكنة من التأثيرات السلبية والتهديدات الخطيرة عليها وعلى المستفيدين من خدماتها من جهة أخرى.
أما النموذج البيروقراطي والحكومات المركزية فإنها و- للأسف الشديد – ستتجمد ولن تستطيع الخروج بتفكيرها الإداري خارج الصندوق في اغلب الأوقات، بل ستحاول تطويره بطريقة مشابهة داخله، فهي تطور رؤيتها عبر الأنفاق فقط، ولما كانت مبرمجة في التفكير بوصف أعمالها وأفعالها وتصرفاتها قائمة على إيصال الخدمات على أيدي محترفين وبيروقراطيين، فإنها تنتظر في العادة حتى تتحول مشاكلها الى الحالة الكارثية وربما الى أزمة، فهي كسفينة ضخمة وثقيلة، توجد على سطحها كل كماليات الرفاهية الباذخة ولكنها بلا رادار، ولا أنظمة ملاحة، ولا صيانة وقائية في الأسفل، وفي هذا السياق يقال ( أن هناك ثلاثة أنماط من الناس في العالم هم، الذين يجعلون الأشياء تحدث، والذين يتفرجون على حدوثها، والذين لا يعرفون ما الذي أصابهم، وهذا صحيح بالقدر نفسه فيما يتعلق بالحكومات).
عليه فإن الحكومات اليوم – اقصد- تلك التقليدية في بنائها، البيروقراطية في إدارتها، الكلاسيكية في أفكارها، وأمام هذا الطوفان المتوقع والحتمي من التوجهات الكونية الكبرى والكوارث التي ستشكل المستقبل خلال السنوات القليلة القادمة لا حل أمامها ولا وسيلة سوى التغيير الهادف والممنهج نحو التحول إلى حكومات مستقبلية قادرة على مواجهة تلك المشاكل والكوارث القابلة للتحول إلى أزمات خطيرة، وتوقعها واحتواء ما يمكن احتواءه من تبعاتها وانعكاساتها السلبية فيما يطلق عليه بحكومات «التوقع» أو « الوقاية «، وهي حكومات مستقبلية لا تقتصر أدوارها على محاولة منع المشاكل وعلاجها بعد وقوعها، بقدر عملها على توقعها وبناء سيناريوهات مستقبلية حولها بهدف احتواءها والوقاية منها، فالوقاية كما يقال خير من العلاج.
أخيرا سنطرح بعض ابرز الأوراق الرابحة التي ستشكل مواضع القوة والرسوخ والثبات للحكومات القائمة، وبناء عليها يمكن تسميتها حكومة مستقبلية سيكتب لها الاستمرار والنجاح والتفوق في الألفية الثالثة، وتلك التحديات والعقبات والعوائق هي:

(1) تراجع او انعدام منسوب ثقة المواطن بالحكومة.
(2) افتقاد المجتمع لدستورعادل وقوانين شاملة يتم تطبيقها على الجميع دون استثناء او تمييز من جهة، ومرنة وقابلة لمواكبة تغيرات وتطورات المراحل الزمنية ومتطلبات العصر من جهة أخرى، وكذلك افتقادها لمؤسسات مجتمع مدني قوية وفاعلة.
(3) سيطرة المركزية الحكومية على الحياة العامة والبعد الاستراتيجي والاستشرافي للتخطيط، وتفشي بيروقراطية المكاتب في عصر التقدم التكنولوجي والحواسيب العملاقة.
(4) وجود أفراد وشخصيات غير مناسبين في مناصب يفترض أنها مناصب قيادية واختصاصية لابد ان يتوفر في شخوص من يتقلدها المعايير القيادية او الاختصاصية السليمة والمناسبة لإدارة المرحلة الزمنية الراهنة بكل تحدياتها الداخلية او الخارجية والتي تنعكس سلبا او إيجابا على المجتمع والدولة.

إذا ومن خلال النقاط سالفة الذكر يمكننا التعرف على أهم وابرز الأوراق الرابحة والتي ستشكل مواضع القوة والرسوخ والثبات للحكومات القائمة في الألفية الثالثة والتي نجملها في النقاط التالية:

(1) الشفافية الحكومية والعمل على توطيد ثقة المواطن بكل الوسائل والسبل في المؤسسات الرسمية والموظفين العاملين بها والقوانين والقرارات والخطط والمرئيات الحكومية.
(2) ضرورة وجود دستور عادل وشامل تنبثق منه جميع القوانين ويحتكم إليه في كل اختلاف، فالدستور والقوانين هي الحاكم الحقيقي لأي دولة مدنية تسعى لتحقيق الشكل النهائي لإنسانية الإنسان، وكذلك ضرورة العمل على تقوية مؤسسات المجتمع المدني سواء كانت تلك المؤسسات برلمانية او ثقافية او اجتماعية.
(3) تقليص المركزية الحكومية والعمل على مبدأ فصل السلطات الثلاث بكل الطرق والوسائل الممكنة.
(4) تولي المناصب الحكومية وخصوصا القيادية منها ومن ثم التخصصية بناء على شرعية الإنجاز والسيرة الذاتية والشهادات العلمية وليس شرعية التقليد.

عليه فان الحكومات التقليدية اليوم ستتوجه نحو التآكل وستسير نحو الانهيار مع الوقت نظرا لعدم قدرتها على مواكبة التغيرات المعاصرة في قضايا الحكم وإدارة الدولة الحديثة كما سبق واشرنا، ولعدم قدرة الأكثر منها على مواكبة المتغيرات التكنولوجية السريعة في الألفية الثالثة، وهو أمر لابد من إدراكه والتنبيه إليه والسعي الى تقليص اكبر قدر ممكن من تبعاته واحتواء ما يمكن احتواؤه من انعكاساته السلبية على كيان الدولة ومستقبل الحكومة التي تقوم بتسيير الحياة اليومية بكل أشكالها فيها، وفي النهاية لابد من التطوير المؤسساتي وتطويع تلك الحكومات لمواكبة تلك المتغيرات المعاصرة في عصر العولمة العابرة للقارات.

إلى الأعلى