الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: اللاجئون السوريون.. تجارة رائجة بالبشر

شراع: اللاجئون السوريون.. تجارة رائجة بالبشر

خميس التوبي

يوالي ما سمي بـ”الربيع العربي” تقديم المشاهد الحية والتسجيلية المصورة لحقيقة “الثورات” التي جاء بها، ويقودها “الثوار الأحرار” بدعم غير مسبوق من أنظمة رجعية وقمعية خرجت من رحم الجاهلية وحرصت على إحيائها وإحلالها محل الإسلام، ومن أنظمة إمبريالية استعمارية تتربع على عرشها الولايات المتحدة وحليفها المسخ المسمى “إسرائيل”، حيث سوَّقت هذه الأنظمة و”ثوارها الأحرار” أن “ثورات الربيع” في الدول التي تشهدها جاءت من أجل انتشال شعوبها من مظاهر الفساد والقمع والديكتاتورية، ولتضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار وتحترم حقوقه، وتعلي مبادئ الديمقراطية والحرية.
غير أن مشاهد “ثورات ربيعهم” لم تقف عند حدود ما ابتدعوه من شعارات تفيض بالنفاق، وما امتلكته أيمانهم من مصطلحات تفوح منها رائحة الغدر والخيانة، وإنما لكثرة ما راكمته هذه الشعارات والمصطلحات من آلام وأحزان وكوارث غَدَا المتابع الحر يحار على أي مشهد كارثي يتكئ عليه، ليس لإعادة التذكير بما سيق من تفنيد لحقائق الشعارات والمصطلحات وما تبطنه وتظهره، وإنما لبث شيء من الصدمات اللازمة لإفاقة المخدرين والمخدوعين ومنزوعي الوعي بحقيقة تلك الشعارات والمصطلحات استنادًا إلى الواقع الذي يكتنز بالحقائق الصادمة المتقيحة عمالةً وخيانةً وخسةً ونذالةً وابتزازًا وسمسرةً.
نقول ذلك وفي الفم ماء كثير، فحين تختفي قيم الكرامة والنخوة والشهامة وتحل محلها الدناءة والوضاعة والخسة والنذالة، لا يمكن عندها تصور الطهر والنقاء الإنساني إلا ما ندر، فكيف الحال حينئذ يكون مع من ساقتهم أقدارهم إلى المهالك أو الابتذال وإهانة الكرامة، فتحولوا بفعل فاعل عن سبق إصرار وترصد إلى سلعة كمالية حالها حال أي سلعة وإن اختلفت في الوصف بأنها “بشرية”، وتحولت حقوقهم إلى مصدر ابتزاز وسمسرة وجسر لتحقيق أحلام استعمارية.
الوضع الإنساني لملايين اللاجئين السوريين في دول اللجوء والشتات إحدى الحقائق الماثلة لما سمي بـ”الربيع العربي”، والأدوار التي لعبتها القوى الرجعية والظلامية والمتآمرة في المنطقة بتمزيق الدول العربية التي تقف موقفًا مشرفًا من القضية الفلسطينية ونصرة الشعب الفلسطيني ومقاومته، لصالح كيان الاحتلال الصهيوني ومشروعه الاحتلالي وهيمنته على المنطقة وذلك بإنجاز المخطط المتعلق بالوضع الديمغرافي، بحيث تنقص أو تتساوى النسبة السكانية في تلك الدول العربية المستهدفةعن/مع النسبة السكانية في كيان الاحتلال الصهيوني. وما يؤكد ذلك هو أن السياسة الرامية إلى إفراغ الدول العربية المستهدفة من ثقلها السكاني، ومن المهارات والخبرات، هي ذاتها التي يطبقها الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، فمن يقارن بين وضع مدينة القدس والضفة الغربية المحتلتين على مدى السنوات العشر السابقة سيجد بونًا شاسعًا بين الوجود العربي والفلسطيني وبين الوجود الصهيوني، ولا تزال سلطات كيان الاحتلال الإسرائيلي تختلق الذرائع، وتعد قوانين تستهدف الوجود العربي والفلسطيني في فلسطين التاريخية أو ما تعرف بأراضي 48. والحال ذاته ينطبق داخل العراق وليبيا وسوريا، وإذا ما أُجري تعداد سكاني ـ على سبيل المثال ـ داخل تلك الدول، فإنه من المؤكد أن الأرقام قد انخفضت انخفاضًا كبيرًا ولافتًا بعد ما سمي بـ”الربيع العربي” بالمقارنة مع ما قبله، وإن كان العراق هو بداية انطلاق مؤامرة تجريف الدول العربية الممانعة للاحتلال الصهيوني من حيث الديمغرافيا والكفاءات والكفايات والمهارات في مختلف المجالات التي حقق العراق فيها نسبة عالية ومبهرة.
على الجانب الآخر، يلاحظ ثمة توظيفان لأزمة اللاجئين وحقوقهم الإنسانية، ويؤكدان في الوقت ذاته أنها أزمة مفتعلة بامتياز. التوظيف الأول تحاول أن تمسك بورقته حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، لإنجاز هدفين: أولهما تحقيق المخطط الصهيوني بإفراغ سوريا من ثقلها السكاني وحرمانها من خيرة شبابها والكفاءات والكفايات الماهرة وهو في المستقبل المنظور ـ حسب المخطط ـ سينعكس بصورة سلبية شاملة على سوريا القوية بما يؤدي إلى تجريدها من مظاهر قوتها مثلما حدث في العراق. وثانيهما: تارة لمحاولة اللعب بهذه الورقة وتوظيفها في إقامة مناطق حظر طيران أو عازلة، على غرار ما حصل في شمال العراق، لتكون هذه المناطق بداية سلخ سوريا وتفتيتها، ومنطَلَقًا لإسقاط الحكومة الشرعية المنتخبة من الشعب السوري فيها، وتارة أخرى توظيفها ورقة ابتزاز لأوروبا التي لا تزال تستعملها أنقرة “غلق صنبور تهجير السوريين بالقوة مقابل المليارات”، وقد راجت تجارة البشر التي تمارسها حكومة العدالة والتنمية في الآونة الأخيرة لتعويض الاقتصاد التركي من عائدات السياحة وغيرها جراء العقوبات الروسية بعد حماقة إسقاط القاذفة “سوخوي 24″.
وإزاء هذا الدور الذي تلعبه حكومة العدالة والتنمية فيما يتعلق بأزمة اللاجئين السوريين، حيث هناك من يتوهم أن بحار الإنسانية والقيم والمبادئ التي تفيض من قلب رجب طيب إردوغان ومسؤولي حكومته هي التي دفعته إلى إيواء السوريين الفارين من إرهاب التنظيمات المسلحة، فإن من الواجب لفت الانتباه إلى أن النشء السوري في تركيا يتم تعليمه اللغة التركية وإرضاعه الثقافة التركية والولاء والانتماء لتركيا، والعداء لوطنه سوريا من مدخل معاداة “النظام” السوري وتشويهه والتحريض ضده، وتصويره في أفهام النشء السوري بأنه “نظام قمعي وديكتاتوري” وغيرها من الأوصاف.. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن من يقوى عوده ويشتد ساعده يتم تدريبه على السلاح والقتل والعنف وإعادته إلى وطنه سوريا من أجل القتل والتخريب والتدمير بعدما أرضع الحقد والكراهية لوطنه بكذبة معاداته “النظام”.
أما التوظيف الثاني لأزمة اللاجئين السوريين فيتم باصطياد الفتيات والفتيان من خلال استغلال أوضاعهم المعيشية وحاجتهم الماسة لما يسد رمقهم، وذلك بزجهم في شبكات دعارة ومخدرات لجني أرباح من وراء المتاجرة بهم، بالإضافة إلى أنهم إذا ما شاءت الأقدار رجوعهم إلى سوريا فإنهم سيكونون عبئًا وخطرًا على مجتمعهم، وسينقلون خبرتهم إلى باقي الفتيات والفتيان. ولعل الكشف عن شبكة الإتجار بالبشر الكبيرة في لبنان، والتي تعمل على استدراج فتيات من سوريا إلى لبنان وحبسهن في سراديب وإجبارهن على ممارسة الدعارة بطرق وحشية وتعذيبهن نفسيًّا وجسديًّا، ما هو إلا غيض من فيض.

إلى الأعلى