السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإبادة الجماعية وإدانة كراديتش

الإبادة الجماعية وإدانة كراديتش

” على الرغم من أن الإبادة الجماعية قد تكون مفهوما أخلاقيا له مغزى، لكنها كفئة قانونية هي الهاء يشجع الناجين والمحاكم وبقيتنا للتناوش حول كيفية تسمية الوحشية فينا. ولكن هذا لا يدفعنا إلى منع المنكر العظيم. فما جلبه عقدان من القانون في الواقع هو أن محكمة لاهاي ليست نصبا تذكاريا، ولا مثيل لها، للرعب الذي تسعى المحكمة لوصفه وتطويقه. ولا يهم ان كان الحكم قليلا جدا أو كبيرا، إلا أنه متأخر جدا.”

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة حكمها ضد رادوفان كراديتش، رئيس جمهورية صربيا خلال الحرب البوسنية 92-1995، حيث أدين كراديتش بارتكاب جرائم عديدة من بينها الإبادة الجماعية، ولكنها غيض من فيض.
فبعد محاكمات استمرت سبع سنوات، أثبتت محكمة لاهاي أن كراديتش مدان بارتكاب إبادة جماعية لدوره في قتل 8000 مسلم أعزل في سربرنيتسا في الشهور الأخيرة من الحرب عام 1995 _ ولكن ليس عن القتل المنظم في سبع مدن اخرى؛ بمعنى أنه مدان بارتكاب إبادة جماعية في مكان واحد على مدار أسبوع وليس في أماكن أخرى خلال حرب دامت ثلاث سنوات ونصف كان من مدبريها: يالها من إبادة بسيطة.
رغم أن هذه النتيجة تبدو صادمة إلا أنها ليس مفاجئة؛ ففي 2012 استبعدت المحكمة تهمة الإبادة الأوسع، وأمرت فقط بإعادتها للاستئناف، ولكن في ظل وجود نفس القضاة الثلاثة لتقييم الأدلة فإن البراءة هي النتيجة المفروغ منها.
والأهم من ذلك، هذه الإبادة الجماعية البسيطة تتفق مع اجتهاد المحكمة. في حالة بعد حالة، اتهم ممثلو الادعاء صرب البوسنة بارتكاب جرائم ابادة جماعية. وفي حالة بعد حالة، برأت المحكمة المتهمين في كل مكان باستثناء سربرنيتشا، حتى عندما يدانوا بارتكاب جرائم أخرى مروعة. غوران يليسيتش، والذي يصف نفسه بأدولف الصربي، أقر بأنه مذنب في 31 تهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في شمال البوسنة، لكنه رفض أن يقر بتهمة الإبادة الجماعية، فتمت تبرئته.
لماذا ثبت أن الإدانة بالإبادة الجماعية الواسعة أمرا بعيد المنال؟ السبب هو أنه يجب أن يثبت الإدعاء العام أن المتهم لم يقصد فقط القتل أو الاغتصاب، وعادة ما تكون على نطاق كبير، ولكن يثبت أيضا تدمير المجموعة التي ينتمي اليها الضحايا على هذا النحو – كمجموعة.
لقد انتقد مراقبون ودافع آخرون عن نهج المحكمة الضيق والحذر. ولكن سواء كان صحيحا أم لا، فإن هذا الضيق قد أثمر نتيجة لم ترض أحدا، مما يتيح لموقع واحد من الرعب وأسبوع واحد من المذابح ليحل محل حرب طويلة وعدد لا يحصى من حقول القتل فيها.
إن مسلمي البوسنة يؤمنون إيمانا شديدا أنه وقعت إبادة جماعية في أنحاء البوسنة. وإنهم إذ يرحبون بالتأكيد الرسمي على مذبحة سريبرينيتشا، فإنهم يشعرون بخيبة أمل أن المحكمة فشلت في التعرف على النطاق الواسع لمعاناتهم. وهناك جانب سياسي أيضا: فبعض مسلمي البوسنة يرغبون في استخدام حكم إبادة جماعية أوسع للدفع بأن جمهورية الصرب كلها هي نتاج الإبادة الجماعية – أنها لم تكن لتوجد بدون الإبادة الجماعية – والدفع نحو حلها على هذه الأسس.
بالنسبة لصرب البوسنة، الصورة على العكس من ذلك: لم يكن هناك إبادة جماعية، بل حتى نتائج سربرنيتشا هي أكثر من اللازم. حالة الإنكار لا تزال حية. وبدلا من إدانة كاراديتش نجد أن الصرب يكرموه. في الأسبوع الماضي فقط، أطلق الرئيس الحالي لجمهورية الصرب اسمه على نزل للطلبة. لا تزال هناك فرص قليلة لإدانة الإبادة الجماعية على نطاق أوسع. ومن المحتمل أن يقوم الإدعاء العام باستئناف حكم البراءة، والجنرال راتكو ملاديتش لا يزال يحاكم بتهمة الإبادة الجماعية في سربرنيتشا و 15 بلدية أخرى. وإذا كان الإدعاء نجح أخيرا، إلا ان مشكلة مختلفة تثور. كم قدر التناقض في القضايا يمكن أن تتحمله المحكمة؟ كيف يمكن إدانة القادة، وليس المسؤولين من المستوى المتوسط وجنود المشاة؟
على الرغم من أن الإبادة الجماعية قد تكون مفهوما أخلاقيا له مغزى، لكنها كفئة قانونية هي الهاء يشجع الناجين والمحاكم وبقيتنا للتناوش حول كيفية تسمية الوحشية فينا. ولكن هذا لا يدفعنا إلى منع المنكر العظيم. فما جلبه عقدان من القانون في الواقع هو أن محكمة لاهاي ليست نصبا تذكاريا، ولا مثيل لها، للرعب الذي تسعى المحكمة لوصفه وتطويقه. ولا يهم ان كان الحكم قليلا جدا أو كبيرا، إلا أنه متأخر جدا.
تأتي إدانة كارادزيتش بعد أسبوع واحد من إعلان الولايات المتحدة رسميا أن تنظيم داعش يرتكب إبادة جماعية في العراق. في ترديد للموضة الحالية في التفكير حول القانون والنزاعات، دعا وزير الخارجية جون كيري بالغريزة لتحقيقات رسمية ومحاكمات، ولكن من دون أي تغيير في السياسة. وإذا كان في حكم الأسبوع الماضي – بعد انتهاء الحرب في البوسنة بأكثر من 20 عاما – أي إشارة، فهي هذا التركيز الخاطئ، وخاصة بالنسبة للإبادة الجماعية التي لا تزال مستمرة. للعدالة ميزان، لكنها تملك سيفا أيضا. فبدون هذا الأخير سوف يستغرق العدل فترة طويلة قادمة، ولن يكون لديه الكثير ليظهره، أو لينقذه، عندما يصل في نهاية المطاف. هذا هو الدرس الحقيقي من سريبرينيتشا، ومهما حدث في بقية أنحاء البوسنة: حتى الإبادات الجماعية الصغيرة هي أكثر من اللازم كي تترك للقانون.

تيموثي وليام ووترز أستاذ القانون الدولي بكلية مورير للقانون بجامعة انديانا وباحث سابق في المحاكمات بالمحكمة الجنائية الدولية ليوجسلافيا السابقة. خدمة ام سي تي – خاص بـ«الوطن »

إلى الأعلى