الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة (25): الحق في التعبير عن الرأي في الإسلام والقوانين العمانية والدولية

الحلقة (25): الحق في التعبير عن الرأي في الإسلام والقوانين العمانية والدولية

الإنسان خلق على حب الاتباع لرأيه وفكره والتعبير بوجدانه وذهنه دونما إرادة خارجية تسيطر عليه ، ولذلك شواهد عديدة ، ونصوص أكيدة من كتاب الله تعالى ، فنحن عندما نرى قصة أبينا آدم وحواء منذ بداية الخلق ندرك أنهما اتبعا رأيهما وما ملاه عليه فكرهما في قضية أكلهما من الشجرة ، مع أن الله تعالى نهاهما عن ذلك وعن تسويف واتباع الشيطان ، يقول الله تعالى) : “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) “البقرة/43-35″، ويقول : (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)”121 – 122″ وفي جانب آخر فإن الله تعالى بيّن أن اختلاف الناس في الآراء والأفكار أمر كان ولا زال وما يزال الناس عليه إلى أن تقوم الساعة، يقول الله تعالى: “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)”هود/ 118″. وقد كفل حق الحرية في التعبير عن الرأي عن طريق الدستور العماني، حيث نصت المادة (29) منه على ذلك فقالت: “حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكـفوله في حدود القانون”. يتضح من خلال هذه المادة أن الرأي هو عصارة فكر وذهن الإنسان ووجدانه وأحاسيسه الداخلية، وهو بحد ذاته لا يشترط له ضوابط تقيده ما دام كامنا في الشعور ولكن إن جاوز ذلك شفير اللسان أو البنان وجب الانضباط والتقيّد بالأطر الشرعية والقانونية التي تشير إليها المادة السابقة فلا تعدّ ولا اعتداء على حريات وحقوق الآخرين. إن الاهتمام بحق حرية الصحافة والنشر لاقى اهتماما شخصيا من لدن سلطان عمان حينما عبر عن أن مصادرة الفكر والتعبير مرفوضة ويجب أن ينتبه إليها كل طالب وكل إنسان في السلطنة وغيرها بأي صورة من صور المصادرة دينية أو ثقافية أو إعلامية، وذلك في حديثه الأول في القاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس لكادر الجامعة حيث قال: “فالإنسان منا يجب أن يفكر ويتدبر ولكن ما من شك أن هناك أطرا يجب أن تكون محاطة بالتفكير والتدبر حتى لا يشط بنا الخيال أكثر من اللازم”. إن ما تهدف إليه المادة السابقة وتفسيرها أن يكون الإنسان حرا بالإطلاق فيما يراه ويحمله في بنيات فكره، غير أن التقييد يكون عند إرادة البوح بما يحمله ويراه فكره، فذلك مقيد بقيود قانونية وشرعية تقف عند انتهاء حق صاحب الرأي وبداية حقوق الآخرين. كما تأيد هذا الحق كذلك من خلال نصوص القوانين الدولية والعالمية ويأتي في مقدمتها المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إذ أشارت إلى حق حرية التعبير عن الرأي بقولها: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”. كما تأكدت ضوابط حق التعبير عن الرأي في المادة (22) من إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام وذلك في بندها (أ) القائل: “لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية”. وأكدت على مضمون حرية الآراء والتعبير عنها المادة (١٩) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بالقول: “* لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. * ولكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها. * تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة ٢ من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. على ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية: – لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم. – لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة”. إن ما يشير إليه النص السابق من الضوابط والأطر المقيدة لحق حرية التعبير عن الآراء تتوافق ومقتضى النصوص الشرعية والعادات والأعراف الأخلاقية القومية والعالمية؛ إذ إن الحفاظ على سمعة البيوت، وصون سمعة الأفراد والمؤسسات من وصمها بالصفات الشائنة، والألفاظ البذيئة فيه من الإيذاء للناس ما يجعلهم في إقصاء مؤلم في مجتمعاتهم وعند بني جلدتهم، وبلا شك الشريعة جاءت حافظة لمقاصد حفظ الأنساب والأعراض والأنسال، يجاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قوله: (قال : ” لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم). وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي – المحكمة العليا.
msd99509559@hotmail

إلى الأعلى