الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة

أضواء كاشفة

ماذا تعني استضافة السلطنة للمباحثات الليبية ؟
بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع من الشد والجذب اتفق الفرقاء الليبيون على صيغة موحدة لمسودة الدستور الليبي خلال اجتماعهم في مدينة صلالة حيث استضافت السلطنة برعاية الأمم المتحدة أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مسودة الدستور الليبي الجديد والبالغ عددهم 32 عضوا وعضوة بالإضافة إلى عدد من الخبراء في المجال الدستوري ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمبعوث الخاص للاتحاد الأفريقي إلى ليبيا ومعنيون آخرون وحرصت السلطنة على توفير المناخ الهادئ الذي يساهم في إنجاح المشاورات والقضاء على الخلافات بين الأشقاء لتدخل ليبيا مرحلة فارقة جديدة في تاريخها.

السؤال الذي يفرض نفسه .. ماذا تعني استضافة السلطنة لهذه المباحثات والمشاورات ؟
الإجابة تعني أن الأمم المتحدة تثق في قدرة السلطنة على تقريب وجهات النظر بين المختلفين .. وتعني أن السلطنة تفتح أبوابها لكل من يريد أن يحقق الاستقرار والسلام .. وتعني أن السلطنة تقف دائما بجانب أشقائها العرب في كل مكان .. وتعني أن ما تقدمه السلطنة من حلول كفيلة بحل أي نزاع تشهده المنطقة .. وتعني أن الجو الآمن والمستقر الذي تشهده البلاد يساعد على إنجاح أي مفاوضات .. وتدل على المكانة المرموقة التي تحتلها السلطنة وسط المجتمع الدولي ودورها البارز في احتواء القضايا الإقليمية والدولية .. وغير ذلك الكثير.
إن بلادنا تقدم دائما القدوة الحسنة للدولة الراعية للسلام والوفاق، والحريصة على لم الشمل وتحقيق الاستقرار والأمان للشعوب .. فصياغة الدستور الليبي الذي يحكم المنظومة السياسية في البلاد ويحدد مهام السلطات التشريعية والقضائية ويرسم خريطة الحقوق والواجبات للمواطن ويبلور آلية عمل الحكومة يعد خطوة في طريق بناء ليبيا الحديثة ومؤسساتها المختلفة ليبدأ الشعب الليبي الشقيق طريقه نحو الاستقرار والنهضة والديمقراطية والبعد عن المركزية التي تحكم البلاد.
لاشك أن توفير الجو الهادئ والظروف الموائمة لإجراء حوار مثمر من الأمور التي ساعدت كثيرا على اتفاق الفرقاء وسهلت التوصل لحلول وسط للنقاط الخلافية التي كانت بينهم .. فقد وفرت السلطنة بكرمها وودها واحترامها للضيوف الأعزاء المناخ الهادئ ولم تتدخل أو تؤثر على أي قرار يتخذونه.
إن ما تعيشه ليبيا من نزاعات وصراعات داخلية يستدعي وقوف جميع الدول الشقيقة والصديقة بجانبها لتحقيق الوحدة المطلوبة وتوفير الأمن والأمان والاستقرار والمساواة لشعبها بكافة أطيافه .. وقد قدمت السلطنة النموذج والقدوة للدولة التي تقف بجوار أشقائها وأظهرت للعالم كله نواياها الطيبة الداعمة للسلام والاستقرار.
لاشك أن ما تعانيه الحكومة الليبية من مشاكل يضعها على المحك فحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج المدعومة من المجتمع الدولي تقع بين مطرقة الصعوبات المالية وسندان التنظيمات الإرهابية وبالتالي فإنها تحتاج إلى دعم مادي ومعنوي كي تستطيع إعادة بناء الاقتصاد الليبي والتصدي للتهديدات الإرهابية التي قد يتخذها الغرب ذريعة للتدخل في البلاد وهو ما لا يفضله الليبيون فهم لا يتطلعون لوجود قوات أجنبية على أراضيهم لذلك ليس أمام القوى المتنازعة في ليبيا من خيار سوى الوقوف خلف حكومة السراج حتى يتحقق الاستقرار للبلاد فالمصالحة الوطنية هي السبيل الوحيد للنهوض بالدولة وإعادة بنائها من جديد.
نتمنى أن يستطيع الليبيون بناء دولتهم المنشودة التي تلبي طموحات الشعب وأن يتحقق لها الأمن والاستقرار .. وأن يتمكن الدستور الجديد من النهوض بالبلاد ويوفر لليبيين السلام والوئام.
حفظ الله بلادنا وأدام عليها نعمة الاستقرار وجعلها دائما ملجأ لكل محتاج ومنارة تشع سلاما ينتشر نورها شرقا وغربا حتى يعم الأرض الرخاء والازدهار والنمو.

* * *

تسريب وثائق بنما .. المغزى والهدف

الضجة التي أثارتها ما تعرف بوثائق بنما والتي يعتبرها البعض أكبر عملية تسريب وثائق في التاريخ ذكرتنا بنفس الجدل الذي أثاره موقع ويكليكس الإلكتروني عندما قام هو الآخر بنشر بعض الوثائق السرية تباعا وأثارت وقتها جدلا واسعا على الساحة الدولية وهو ما يجعلنا نتساءل ما هو الهدف من كشف هذه المعلومات السرية هل هي نوع من الابتزاز أم أنها شو إعلامي أم أن هناك أهدافا سياسية أخرى وراءها ؟.

لقد فضحت وثائق بنما عددا من قادة العالم ورجال الأعمال ونجوم الرياضة لتورطهم في قضايا فساد مالي خاصة فيما يتعلق بالتهرب الضريبي وذلك من خلال أكثر من 11 مليون وثيقة مسربة من مكتب محاماة يقوم بإدارة أموال الأثرياء خارج بلادهم وإخفائها بصورة يصعب تعقبها حيث كشفت أن عددا من السياسيين ورجال الأعمال من روسيا والصين وبريطانيا وباكستان والأرجنتين وأيسلندا وأستراليا والنمسا وفرنسا وغيرهم أخفوا أموالا في شركات وهمية بغرض غسيل الأموال والتهرب من الضرائب .. والغريب أن من قام بتسريبها وتوزيعها على الصحف العالمية مجهول ولم يتم الإفصاح عنه إلا أن هذا لم يقلل من ردود الفعل الواسعة لكل من يدرج اسمه في كشوف المتورطين.
الغريب أنه عندما تم نشر تسريبات ويكليكس كانت معظم الوثائق تتعلق بوكالة الاستخبارات الأميركية وعلاقتها بدول العالم .. لكن وثائق بنما لم يذكر فيها اسما أميركيا واحدا سواء كان شخصيا أو حكوميا .. كذلك الحال بالنسبة لإسرائيل وهو ما يقودنا لتساؤل هل عدم إدراج اسم هاتين الدولتين في الوثائق المسربة يعني أنهما خاليتان من الفساد والمخالفات المالية ؟
بالتأكيد هذا مستبعد تماما لأنه بين الفترة والأخرى تخرج علينا أخبار بوجود مخالفات بالجملة في الدولتين سواء سياسية أو أمنية أو اقتصادية .. وهذا يثير الشكوك حول من يقف وراء الوثائق والهدف من الكشف عنها في هذا التوقيت بالذات.
لقد أثارت الوثائق الاحتجاجات حول العالم وبعض الشعوب قامت بمظاهرات تريد استعادة حقوقها وبعض القادة والمسئولين تقدموا باستقالتهم بعد فضحهم من خلالها كما أن العلاقات بين الدول المتجاورة ازدادت توترا واحتقانا .. وبالتالي فإن الهدف الرئيسي من نشرها هو إثارة الفوضى في العالم وعرقلة مسيرة النهضة للدول النامية.
لاشك أن الكشف عن وثائق بنما أدى إلى التقليل من شأن تسريبات ويكليكس سواء في الكم أو التأثير الدولي لها .. لذلك ليس من المستبعد أن تكون الإدارة الأميركية وراء الكشف عن هذه الوثائق كنوع من تبييض الوجه وتحسين الصورة أمام الرأي العام العالمي كما ذكر بيان لمنظمة ويكليكس الذي اتهم أميركا صراحة بأنها وراء هذه التسريبات «لإظهار الجانب الفاسد لقادة العالم» واستغلال الأثرياء لأموالهم ووظائفهم وفي ذات الوقت تكون هي بعيدة عن الشكوك وتثبت أنه مازال باستطاعتها الهيمنة على العالم وهو ما ليس مستبعدا فكل شيء في السياسة جائز ومشروع .
لقد اعتبرت وثائق بنما خير وسيلة انتقام لأميركا للنيل من الرئيس الروسي حيث استغلتها الإدارة الأميركية للتشهير بفلاديمير بوتين بعد ورود اسم شبكة يديرها مصرف مقربة منه شخصيا في الكشوفات قامت بعملية غسيل أموال بقيمة مليار دولار لتوجه له أميركا صفعة قوية نظير تدخله في منطقة الشرق الأوسط التي كانت تعتبرها حكرا عليها.
لاشك أن التهرب الضريبي جريمة لا تغتفر ولكن هل بعد نشر وثائق بنما ستختفي هذه الجريمة حول العالم ويتوقف تهريب الأموال من الدول وتوجيهها إلى دول أخرى لإخفاء الثروة ؟.
بالطبع لا .. كل ما في الأمر أن الدفة ستتحول من بنما إلى دولة أخرى وفي الأحرى ستكون أميركا هي الملاذ الضريبي الجديد الذي سيودع فيه الأثرياء تريليونات الدولارات وهو ما تحتاجه أميركا بالفعل للاستفادة من هذه الأموال في دعم اقتصادها المتهاوي .
لقد فتحت العديد من دول العالم ملفات تحقيق لمن ورد اسماؤهم في التسريبات .. ولكن بالتأكيد فات أوان المحاسبة لأنه كان من الأجدر توفير المناخ الآمن الذي يشجع على عدم هروب هذه الأموال من الأساس وعدم اتباع سياسة الكيل بمكيالين فمعظم دول العالم تقوم بفرض الضرائب على المواطنين العاديين وتتخذ في ذلك إجراءات صارمة للتأكد من تحصيلها منهم بينما تتغاضى عن الأثرياء والبنوك والشركات الكبرى مما يفسح لها المجال للهروب من الأبواب الخلفية وزيادة استثماراتها بطرق غير مشروعة .. لذلك يجب تشديد الرقابة أيضا على هذه الشركات والتعامل بالمساواة مع كافة شرائح المجتمع .. كما ينبغي توعية الأثرياء بأهمية قيمة الضرائب في النهوض بالبلاد وأنها حق وواجب سيعود عليهم بالمنفعة لما تقدمه بلادهم من تسهيلات وخدمات تنمي أعمالهم وتزيد ثرواتهم.
نحن لا ننكر أن بعض المعلومات التي تسربت عن طريق وثائق بنما كانت خطيرة إلا أن نشرها يعتبر تصرفا غير مسئول وأرعن لأنه قد يمثل تهديدا لبعض المصالح بين الدول وبعضها البعض.
عموما إن وثائق بنما تحمل رسالة هامة للجميع بأن الطريق المستقيم هو أفضل الطرق وأن من ينشد النجاة فليحرص على الابتعاد عن كل ما يؤدي به إلى الهاوية فالطريق المستقيم هو طريق السلامة وما عداه ففي نهايته الندامة.

* * *

آخر كلام
إتقان العمل من عوامل النجاح.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى