الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : ماذا تحتاج لكي تكون سعيدا؟!

رحاب : ماذا تحتاج لكي تكون سعيدا؟!

أحمد المعشني

**
في يوم من أيام صيف عام 1989 تشرفت بمعية والدي رحمه الله يمقابلة السيدة الجليلة ميزون بنت أحمد المعشني؛ أم مولانا حضرة صاحب الجلالة ـ حفظه الله ورعاه. ما زلت أذكر ذلك الاستقبال الحميمي وتلك الأمومة التي احتوتنا بها السيدة الجليلة وذلك القلب الحاني الذي كان يتدفق حبا وحنانا لعمان وقائدها وشعبها وتلك الذاكرة الحادة التي كانت تحيط بتفاصيل الحياة البسيطة للمواطنين، وذلك الوقار الذي يأسرك دون أن تشعر بأنك في حضور ملكة، وتلك البساطة التي تنقلك إلى عالم القديسين والنساك والعباد. كنت ألزم الصمت وأستمع وكان والدي ـ رحمه الله ـ يتحدث بكل أريحية مع السيدة الجليلة. كان كلامه صريحا وشفافا تخلله الكثير من الدعاء لحضرة صاحب الجلالة ـ حفظه الله ورعاه ـ بأن يمد الله في عمره وأن يكلأه بعنايته. وبعد أن فرغ والدي ـ رحمه الله ـ من الحديث، انتظرت السيدة الجليلة والدي أن يطلب شيئا مما يطلبه الذين يحظون بمقابلتها. لكنه لم يطلب شيئا! بل وفوق ذلك عبر لها بصدق أنه ليس بحاجة إلى شيء، وأكدّ لها بأن ما تحقق من أمن وأمان واستقرار وما توفر لكل مواطن من خدمات صحية وفرص للتعليم ومجالات للعمل والكسب؛ كل ذلك يجعل المواطن العماني غنيا، سواء شعر بذلك أم لم يشعر. وعندما ألحت عليه أن يخبرها عن حاجته، أقسم لها بأنه لا يحتاج شيئا، وأردف قائلا لها: جئنا للسلام عليك تلبية لدعوتك الكريمة. رحل الأثنان، وبقي الحوار يطن في ذاكرتي، وسيستمر المشهد يتراءى لي. كان بوسع والدي أن يطلب مزرعة أو أرضا تجارية أو أعطية مالية كبيرة أو شيئا مما يتكالب عليه الناس بفطرتهم المجبولة على حب الأشياء، لكنه لم يفعل. العجيب أنني لم أشعر بشعور والدي ـ رحمه الله؛ إلاُ قريبا، كنت أجرب جميع التقنيات التي درستها وتدربت عليها لاستبطان ذلك الشعور بالوفرة الحقيقية المتحررة من القيود والشروط والمقايضة، شعور غير عادي، شعور لا يمكن شراءه بالأشياء ولا بالمال ولا بالألقاب، شعور لا يمنحه الناس، ولا يستطيع المال أن يحققه، ولا يمكن لبشر أن يمنحه لبشر، شعور غامر بالوفرة المطلقة حتى لو كنت تأكل التين البري اليابس وتشرب القليل من الماء، شعور إنسان مؤمن يستمد الغنى من معين لا ينفد. بمثل ذلك الشعور يكون الإنسان إنسانا دون أن يحوز الأشياء. بمثل ذلك الشعور يمكن للمواطن أن يعطي للوطن بلا مقابل، وبمثل ذلك الشعور تتحقق الأخوة والمساواة والشعور بالكرامة وتنتفي قيود الطبقية. إن الذي يخلق الطبقية والعبودية هي الحاجة، هي الإملاق، وسيكولوجية الإملاق تجعل الشخص متشيئا حتى النخاع. يستطيع الإنسان الذي يكتفي بما يحقق له الحياة المستقرة الكريمة أن يبدع وينتج ويعطي أكثر مما يأخذ ويجعل يده هي العليا. إن العطاء الذي ينتصر على الأخذ والاستحواذ يحقق التوازن في الحياة وفقا لمبدأ ثنائية” لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط”. لا يحتاج الإنسان إلى مدد خارجي لبلوغ مستوى الشعور بالغنى والوفرة والاكتفاء، فقط عليه أن يقوي الشعور بمعية الله سبحانه وتعالى من خلال التقرب إليه بالعبادة والدعاء والتسبيح والذكر والتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم والتفكر والتأمل في حقيقة الحياة مع الحرص على اتقان عمله والإخلاص فيه والاستمتاع بما يعمل حتى يلقى الله.

إلى الأعلى