الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر

بداية سطر

النكات الساخرة خطر محدق
قبيل وقوع حرب ضروس بين فئتين ، قال رجل لا يعرف للجدية معنى ، ولا للرجولة سبيلا، سأحكي لكم نكتة طريفة ، غضب منه الحاضرون فصرخوا في وجهه قائلين: وهل الوقت جدي ومناسب لذلك؟ ثم انبرى صوت آخر قائلا : « لنسخر الآن من فلان وما يدّعي من ثقة في نفسه» فنهره رجل يجلس بجواره قائلا: نعيش في نكبة من هذه الحرب فكيف تجرؤ على السخرية من الآخرين؟ هذا هو واقع بعضنا اليوم، رغم ما يمر به من أزمات وما يتعرض له من طوارق إلا أنه لا يفكر في الخلاص منها أو إيجاد الحلول لتعدي الأزمات وتفاديها، أو البحث عن خيارات أكثر جديّة أو الحلول المناسبة في التعلم بل يلجأ إلى الاستخفاف والبحث عن السخافات من النكات فيعدّ ذلك ترويحا عن النفس ..!! إننا بحاجة إلى قدر من الرصانة وأن نعتبر بأنه لكل مقام مقال، ولكل حادثة حديث، تلك هي ظروف النكات الساخرة الهامزة اللامزة من أشكال الآخرين ومن تصرفاتهم وبعض سلوكياتهم وربما ما يملكون من مال فيسخر منه الضاحكون بنكات تستخف بوضعه وتنزل بمكانته حين باتت اليوم النكات لونا من ألوان السخافة تنتشر بين أروقة المجتمع كانتشار النار في الهشيم، قائلها وناشرها مجهول الهوية ، لتصل بيننا منمقة مزخرفة تستقبلها أدمغتنا فتستخف بها فنعتقد بأننا نأنس بها فنتداولها ولا نلوذ بجرمها المؤثر علينا وعلى الآخرين ؛ فتسقط هيبتنا من عليائها ، وليس ذلك فحسب بل نصف ذلك المجهول بأنه مبدع حين أبدع في صنع سخافة نظن بأنها تنتشلنا من التعب والتعقيدات الحياتية وغير ذلك ما نطلق عليه لفظة الحرية ولا نعي بأن تلك النكات تتمرد علينا في دواخلنا حين تشل جوانبنا الروحية وتطغى على نواميس قدراتنا التفكيرية فنبقى رهيني التردد والتلذذ بذكرها في مجالسنا تعلة التسالي والترويح عن النفس.
إنني أتساءل قبيل خوض معركة شعواء في هذا النص عن كميات النكات التي تمر علينا في اليوم والليلة مع جليسنا الذي ابتلينا به وبات جزءا مهما وحيويا في حياتنا (الواتسب) حين يروي لنا نكات متعددة المجالات والأغراض وكثيرة التهكم والخوض في أعراض الناس والتقليل من أقدارهم فهي نصوص (نكاتية) تصاغ بامتياز من قبل أفراد متمرسون لهذا العمل وبات شغلهم الشاغل وهمهم المتقد عزيمة وصبرا وربما استمد تلك القوة في النشر من تراثنا العربي الزاخر بكثير من النكات فظهر الكتاب المحدثون لهذه النكات حين همشت الروح الساخرة الناقدة فكانت الحاضن الحقيقي للنكات الإباحية التي تنتشر اليوم في الأوساط التقنية دون أن يكون لذلك معنى أو فائدة ترجى .. !! وبذلك ندرك بأن الطبع قد غلب التطبع فأصبح بإمكان المرء أن يعتاد على نشر ذلك بكل سهولة ويسر دون خوف من ناب أو ظفر وليصدق في ذلك المثل الياباني القائل : « أن تقطع لسانك خير لك من أن تداعب الآخرين بكلام سمج».
هل نشر النكات السخيفة في المجتمع يعمل على حل إشكال قائم أو تقديم حلول ناجعة لقضية مستعصية أو تطوير أو استبدال لوضع سلبي ؟ وهل يفكر الرجل المجهول المتخفي صانع النكات عما يفقد من وقت ويهدر من ثمن نظير نشره تلك النكات ؟!! وما زال يملك الوقت الكافي والخبرة الطويلة في صوغ العبارات وتنميقها فلماذا لا يسهم في تقديم حلول ناجعة يفيد بها الآخرين ولماذا لا يطرح أفكارا يستنير بها الناس ؟ ألم نع بأنه لا شيء أطيب من اللسان إذا طاب ، ولا أخبث منه إذا خبث .
على كل هل تعتبر النكات دائما على حق ؟ ألا تنطلي تحت براثينها الميوعة والعنصرية والتفريق بين أبناء المجتمع الواحد فتخرج عن المعتاد والمألوف حين يظن الناس بأنها تضفي الابتسامة والسعادة إلى تشكيل اتجاهات حاقدة تعمل على تفكك المجتمع وتباغضه كما تعمل على التأثير على قيم الأفراد ومبادئهم ؟!!. وعليه يحق لنا أن نصف بأن النكتة الساخرة خطر محدق على القيم والمبادئ.

د. خلفان بن محمد المبسلي
dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى