الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل الصحافة الورقية في الوطن العربي

مستقبل الصحافة الورقية في الوطن العربي

محمد عبد الصادق

” ..بعيداً عن العاطفة والتمنيات, هناك مؤشرات قوية على أن التوقعات السابقة بصمود الصحافة الورقية حتى منتصف القرن الحادي والعشرين كانت متفائلة , فهناك عشرات الصحف والمجلات العريقة في أوروبا وأميركا, شرعت بالفعل في إيقاف نسختها الورقية خلال السنوات العشر الماضية واكتفت بالصدور عبر مواقعها الإلكترونية وكانت البداية في أميركا عندما تحولت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور لموقع إلكتروني في العام 2008م ,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يروى أن شرار الناس هم من يعيشون حتى تدركهم القيامة, ندعو الله ألاِّ نكون منهم, وأن تكون علامات القيامة الصغرى والكبرى التي يهيأ لنا قدومها محض خيال, ومبالغات أناس متشائمين, ينتابني نفس الإحساس المقبض كلما تناهى إلى مسامعي الأنباء التي تتواتر عن قرب انتهاء عصر الصحافة الورقية, بعد تدني نسب التوزيع وانصراف القراء عن شراء الصحف , فقد كنت أمني نفسي بأن يمد الله في عمر الصحافة الورقية عقدين أو ثلاثة حتى لا أكون واحداً من أصحاب المهنة الذي يكتب عليه رؤية الصحافة الورقية ـ التي قضيت أكثر من نصف عمري بين جنباتها ـ وهي تحتضر.
وبعيداً عن العاطفة والتمنيات, فهناك مؤشرات قوية على أن التوقعات السابقة بصمود الصحافة الورقية حتى منتصف القرن الحادي والعشرين كانت متفائلة , فهناك عشرات الصحف والمجلات العريقة في أوروبا وأميركا, شرعت بالفعل في إيقاف نسختها الورقية خلال السنوات العشر الماضية واكتفت بالصدور عبر مواقعها الإلكترونية وكانت البداية في أميركا عندما تحولت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور لموقع إلكتروني في العام 2008م , وجاء الدور بعد ذلك على صحيفة فرانس سوار الفرنسية, ومن ثم مجلة النيوزويك وكان آخر المتحولين للنسخة الرقمية صحيفة الإندبندنت اللندنية الإسبوعية التي أصدرت آخر طبعاتها الورقية في مارس الماضي.
وفي الطريق عدد غير قليل من كبريات الصحف الأميركية والبريطانية وعلى رأسها الجارديان في سبيلها للتحول بعد أن حاصرتها ديون بالملايين, ولم يعد بوسع ملاكها تحمل تكاليف الصدور الورقي, وقريباً جداً ستختفي وتصدر عبر موقع إلكتروني بعد تراجع التوزيع الذي كان يصل لملايين النسخ يومياً.
انصرف كثير من القراء عن شراء الصحيفة الورقية التي أصبحت عاجزة عن ملاحقة الأحداث المتسارعة على مدار الساعة واتجهوا للصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية التفاعلية, التي تقدم التغطية الخبرية المتواصلة للأحداث المحلية والعالمية لحظة وقوعها بتكلفة تكاد تكون لا تذكر مقارنة بتكلفة الصحف الورقية.
وكانت أسوأ الاحتمالات تقول إن نهاية الصحافة الورقية ستكون عام 2020م , بينما توقع “مردوخ” إمبراطور الصحافة أن تكون النهاية 2022م, وسواء كانت النهاية خلال هذه المدة أو ذاك, فلا ريب أن النهاية حتمية وإن اختلف المحللون حول المدة الزمنية, وكما ظهرت الصحافة الورقية في أوروبا في القرن السابع عشر, ووصلتنا نحن العرب في القرن التاسع عشر, فإن النهاية ستكون أولاّ في أوروبا, وربما صمدت عندنا بعض الوقت لأسباب لها علاقة بوظيفة الصحافة الورقية وأنماط الملكية وارتباط الحكومات والأنظمة العربية بالصحيفة الورقية واعتبارها المتحدث الرسمي باسمها والأداة التي توثق بها قراراتها وتوجهاتها , فضلاّ عن كونها مستنداً يعتد به أمام المحاكم وأرشيفاً يلجأ إليه الباحثون لتوثيق الأحداث .
وأزمة الصحافة تفاقمت بعد ظهورمواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت المصدر الأثير للأخبار , خصوصاً لدى الأجيال الناشئة, واضطرت المواقع الصحفية الرصينة صاغرة للهاث خلف ما تبثه هذه المواقع من أخبار حتى ولو كانت شائعات مغلوطة, وشاهدنا مواقع الكترونية لصحف محترمة تنشر أخباراً كاذبة عن موت فنانين ومشاهير وأحداثا سياسية ورياضية واجتماعية لا أساس لها من الصحة نقلاً عن (التويتر والفيس بوك) , ورغم معضلة المصداقية انصرف كثير من القراء عن الصحف الورقية بدعوى أنها موجهة أو أنها أبواق للسلطة وأن ما فيها من أخبار لا يعدو كونه (كلام جرايد) , واتجهوا لاستقاء معلوماتهم وأخبارهم من مواقع التواصل الاجتماعي , رغم ما يشوبها من تلفيق وشائعات.
تغير الخريطة الصحفية وتطور وسائل الإعلام, لم يواكبه تطور في مناهج وطرق تدريس الصحافة والإعلام في المعاهد والجامعات العربية, فمازالت المناهج تتعامل مع صحافة القرن الماضي , بينما العالم المتقدم تعاطى سريعاً مع أزمة الصحافة الورقية, بالاتجاه لتطوير أنواع أخرى من الصحافة المتخصصة والتحليلية والاستقصائية؛ تبحث وتحلل فيما وراء الخبر وتقدم خدمات في الطب والهندسة والقانون والاقتصاد, وتأهيل الأجيال الجديدة من الصحفيين للتعامل مع هذه التخصصات العلمية مع إجادة التعامل مع الوسائط الالكترونية الحديثة.
في الغرب بحثوا سريعاً عن حلول لمواجهة قلة توزيع الصحف الورقية, وبعد بحث واستقصاء, وجدوا أن الحل يكمن في الاتجاه للأخبار المحلية والخدمية التي تهتم بالتفاصيل التي تتعلق بحياة المواطنين اليومية, فأكثر الصحف الورقية توزيعاً الآن في أوروبا وأميركا هي الصحف المحلية المتخصصة التي تهتم بخدمات المرور والبورصة والعقارات وإصدار ملاحق بها دليل للمدارس والمستشفيات وأماكن الترفيه وكيفية حجز بطاقات دخول المباريات الرياضية وتذاكر السفر والسياحة , وإعلانات للعروض الترويجية للمجمعات والمحال التجارية المختلفة والمطاعم والمقاهي القريبة من سكن القارئ.
كما رأوا أن الصحافة الورقية التقليدية لن تستطيع منافسة المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية في سرعة نقل الأخبار والأحداث السياسية, فقرروا الاتجاه لصحافة الرأي والمقال والتحليل والصحافة الاستقصائية, ولعل فضيحة بنما المتعلقة بالتهرب الضريبي والحسابات السرية في البنوك , خير دليل على نجاح هذا النوع من الصحافة, فالموضوع بدأ بـ”فلاشة” مسربة بها بيانات عن 11مليون حساب سري من أحد الموظفين ببنك في بنما وصلت إلى أحد الصحفيين الذي استعان برابطة الصحفيين الاستقصائيين والتي تضم 80صحفياً على مستوى العالم وبدأوا دراسة محتوى “الفلاشة” واختار كل منهم عدداً من الاسماء التي تقع في محيطه الجغرافي وقام بجمع المعلومات والبيانات المتعلقة به والتحري عن نشاطه الاقتصادي وحجم أعماله التجارية, وسداده للضريبة في بلده الأصلي حتى تم الإعلان مؤخراً عن الاسماء والأنشطة وحجم الأموال المهربة لبعض المشاهير من الساسة ورجال الأعمال من جميع قارات العالم.
إذا كنا حريصين في عالمنا العربي على إطالة عمر الصحافة الورقية, علينا الإسراع بتطوير وتطويع المحتوى لاحتياجات القارئ العربي الجديد, حتى لو كنا نحن ـ جيل الشيوخ ـ غير مقتنعين بها, فالمستقبل للشباب والتغيير قادم لا محالة ومن يقف مكانه سيتجمد أو يختفي كما اختفت وانقرضت مهن وصناعات كثيرة في لمح البصر وكنا نظن استحالة الاستغناء عنها ولكنه الزمن وطبيعة الأشياء.

إلى الأعلى