الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإبداع.. والفاعلية في تغيير البنية الفردية والجماعية ١ ـ ٢

الإبداع.. والفاعلية في تغيير البنية الفردية والجماعية ١ ـ ٢

علي عقلة عرسان

”..، فصاحب الإبداع الملتزم بانتماء وقيم، معرّض لأن يصطدم بالسلطة، إذا ما تعارضت ممارساتها أو تطلعاتها مع ما يراه في صالح الأفراد والجماعات أو إلى الاتفاق معها إذا كانت ممارساتها في صالح الأفراد والجماعات، وفي صالح مستقبل الأمة الذي قد لا تراه الكثرة، وفي هذا الخيار ينبغي عليه أن يوضح موقفه الذي يؤدي بالضرورة إلى المساهمة في توضيح موقفها. ”

إن غاية البشرية وهدف نضالها، منذ ما قبل إنسان لاسكو وحتى اليوم .. أن ترقى بحياة الجنس البشري، وتتغلب على الطبيعة، في محاولات لإخضاعها، وفك رموزها، والسيطرة عليها باكتشاف قوانينها، والعمل من خلال تلك القوانين. والبشرية، كي تصل إلى نتائج إيجابية في سعيها ذاك، تضع تجربتها ومعارفها في قوانين، وقواعد، وقيم .. وتروي هذا النبت الذي يتنامى جيلاً بعد جيل، بتوراث الخبرة وإغنائها، ترويه ماء المنطق كلما احتاج إلى ذلك، وترسخ جذوره يوماً بعد يوم، متصاعدة في إقامة صرح حضارتها.. سواء أكان ذلك تسامياً بغرائز الفرد، ينعكس غنى في الروح وتقدماً في معارج الرقي، عن طريق السلوك الفردي والجمعي.. أو بناء لمقومات الحضارة وركائزها على الصعيدين المادي والمعنوي على أرض البشر، بإبداع ينسل من إبداع أو يستلهم الواقع.
لقد أوجدت البشرية السحر والخرافة واللغة والدين، وأعلت مكانة القيم والعادات والأعراف والتقاليد، وسنت القوانين والشرائع، وصانت معارفها وطورتها، وربطت بين حاضرها وماضيها، عن طريق تنمية تيار الخبرة واستمرار اتصاله.. فعلت كل ذلك في سبيل الحفاظ على الحياة وإغنائها، ومن أجل حفظ النوع البشري، والارتقاء به، وتخفيف أعباء المعيشة عليه.
وتحمل العنصر البشري مرارة العصور الأولى وآلامها، وقطع مراحل تحوّل جنسه وتطوره، متنقلاً من مجتمع الصيد والقنص والرعي إلى المجتمعات الزراعية والحضَرية والصناعية الأرقى، حتى وصل إلى مرتبة الكائن الإنسان الذي نراه اليوم، ورسَّخ قدمه في الوجود كأفضل الكائنات وأرقاها. وهو بما يملك من عقل ومنطق واستعدادات وملكات خاصة، وقدرة على الفهم والاستفادة من التجربة.. مؤهل لأن يكتشف أهمية التغيير وضرورته، والرغبة في تغيير الحياة باستمرار- بدءاً من تغيير الذات- باتجاه الأفضل. ومع هذه الرغبة.. رغبة التغيير باتجاه الأفضل – بدأت مسيرة تلك العلاقة الجدلية الحية بين الفن والأدب من جهة، وبين الفرد والجماعة من جهة أخرى، ضمن إطار ومعطيات اتصالهما المباشر بالحياة والطبيعة والكون.. تلك العلاقة التي تعبِّر عن حاجة حيوية لدى الأفراد لخوض تجربة واكتساب خبرة وتطويرهما، مستفيدين من رصيد خبراتهم وخبرات الأجيال التي سبقتهم. ويبقى من غاياتهم واهتماماتهم نقل حصيلة تلك التجربة وخلاصة تلك الخبرة إلى الجماعة.
وأرى أن علاقة الوصل والاتصال بين ما ينتجه الفرد من أعمال إبداعية، وبين حاجة الجماعة وواقعها ومعاناتها وتطلعاتها، علاقة لا يمكن فصلها، مع الإبقاء على سلامة الأفراد وقيمتهم ومستوى وإبداعهم.. وسلامة البنية الاجتماعية وازدهارها.
وكل المحاولات التي بذلت لإحداث ثغرة بين منابع الإبداع السليم وأهدافه، لم تفد أصحابها فضلاً عن عدم إفادتها للبشرية. والمجتمعات تدين في العادة من يترفعون عن وضع إنتاجهم الإبداعي في خدمتها وتزوَرُّ عنهم.. ويؤثر ذلك الموقف الاجتماعي فيهم وفي قدراتهم على الإبداع. وقبل تلك الأحكام والاتهامات التي أطلقها كثيرون على حركة الفن للفن، قبل هذا بزمنٍ طويل، حكم رجال الفكر والأدب من العرب والمسلمين على هذه الانتحاءات الفردية أحكاما مستمدة من العقيدة الواضحة التي اهتدوا بهديها.. عقيدة الإسلام، التي قال مبلّغها إلى البشرية “علمٌ لا يُقال به ككنز لا يُنْفَق منه”، فقد قال العلامة ابن خلدون 1332 ـ 1406م في مقدمته الشهيرة: “من آثر العرفان للعرفان.. فقد قال بالثاني” أي أشرك بالله سبحانه وتعالى .. وهكذا جاء حكم الأوائل، بتلخيص ابن خلدون هذا، قاسياً جداً على أولئك الذين يفصلون بين المعرفة وغاياتها وأهدافها الإنسانية المتصلة بالحياة والناس، بين الكلمة وأغراض القول ودوافعه وأسبابه، بين الفكر وغايات كل من التفكير والتعبير، بين الكائن البشري وخلاصة تجربته ومعاناته وحدسه وإيمانه وكشفه الذي يصب أحياناً في أعمال إبداعية، بين الحياة وتفاعل قدرات الأحياء فيها مع تراث الخبرة الإنسانية وتاريخها.. جاء حكم الأوائل مستمداً من قيّم عقيدة الأمة ومقوماتها.. وملتصقاً بالمعرفة وأهدافها وغاياتها الإنسانية. والمعرفة التي تحدث عنها الأوائل، تشمل فيما تشمل، الأدب والفن بكل مجالات الإبداع فيهما.. فمفومها واسع، وفروعها تتصل بكل ما يبصّر الإنسان بأمور دنياه وآخرته، وبما ينفعه ويجنبه الألم والحاجة، ويمكّنه من استخدام طاقته أفضل استخدام، في سبيل خيره وخير غيره وخدمة الحياة، وبما يجنبه وغيرَه الشر والضرر والمحن.
وطرح أمر المعرفة وأهدافها على هذا النحو التزام أرغب في توضيح مفهومي فيه، قبل أن أنتقل إلى الحديث عن فاعلية الأدب والفن في التغيير. وأحب في هذا التوضيح الذي أرومه، أن أشير إلى أن الالتزام، كما أفهمه، اختيار تقرره الإرادة الإنسانية الواعية المدركة لدوافع الاختيار ولتبعاته، واقتناع يمليه العقل والمنطق.. ويطمئن إليه القلب، وتركن في ظله النفس، فتعمل وترضى. وأجد من نفَل القول أن أقول: إن الالتزام يختلف عن الإلزام الذي هو إجبار وإكراه يفرضه آخر من خارج الذات، أو تمليه على الشخص نفسٌ فاسدة وإرادة مريضة.. فيدخل ميدانه خوفاً أو طمعاً. والالتزام بحكم كونه طوعياً- ينبع من إرادة حرة ويمليه اقتناع وإيمان- فإنني لا أراه يعني بالضرورة- عند الأديب والفنان في الإنتاج الإبداعي – التزاماً بمواقف السلطة وآرائها وتوجيهات مؤسسات حاكمة أو آمرة أو مخططة وموجهة للإنتاج، هذا إن لم يعن وقوفاً ضد ممارسات مغلوطة ومؤذية تقوم بها بعض الأجهزة، وتؤدي إلى جرح مشاعر المبدع قبل سواه فتدفعه إلى اتخاذ مواقف ضد الاستهانة بحقوق الناس وكراماتهم احتجاجاً أو اعتراضاً على وضع قائم. وهكذا يكون الالتزام انتماءً إلى موقف وسلوك، حيث يكون الهدف من ذلك الحفاظ على القيّم وخدمة الناس والارتقاء بهم، والمساهمة في نقلهم من واقع سيّء معترَضٍ عليه إلى واقع أفضل منشود، يراه صاحبُ الإبداع، ويحرص على أن يضع الآخرين فيه وفي صورة اقتناعه واختياره هو ورؤاه، حرصاً منه عليهم وإخلاصاً منه لهم. والإنسان المبدع بحكم تكوينه ومهامه- أديباً كان أم فناناً- يقوم بدور طليعي ريادي يتطلب منه أن يخوض مخاطر الكشف، وأن يتحمل نتائج مخالفته للمعتاد والمألوف. وعلى هذا فإنه يرى عيوب الواقع ويفنِّد أسبابها أو يوجه الاهتمام إليها، ويجسد أو يكتشف أو يبدع الأشخاص أنماطاً أو غير أنماط، والعلاقات والسلوك وأساليب التعامل مع الناس والكون والأشياء، بقصد إقامة عالم أمثل يكون، من وجهة نظره، أليق بالإنسان وأجدر به. أو لكشف عيوب وأخطاء الواقع المعيش وعيوب الأشخاص والعلاقات والنظُم فيه للتحريض على تغيير قيم التعامل وأساليبه بما هو أفضل وبما يجعل الحياة أكثر إمتاعاً وثراء وإفادة، وأكثر قبولاً ولياقة بأن تعاش. ويصبّ قناعاته تلك في عناصر إبداعه، ويحشد طاقته ليكون مؤثراً أو فاعلاً في الناس الذين يتوجه إليهم حتى يعيد تشكيل آرائهم ومواقفهم وقناعاتهم، أو لكي يحرضهم على تغيير تلك المواقف والقناعات بالاتجاه الذي يريد ملمِّحاً أو مصرحاً بوجهة نظره التي يريد لهم أن يتبنوها.
وعلى هذا، فصاحب الإبداع الملتزم بانتماء وقيم، معرّض لأن يصطدم بالسلطة، إذا ما تعارضت ممارساتها أو تطلعاتها مع ما يراه في صالح الأفراد والجماعات أو إلى الاتفاق معها إذا كانت ممارساتها في صالح الأفراد والجماعات، وفي صالح مستقبل الأمة الذي قد لا تراه الكثرة، وفي هذا الخيار ينبغي عليه أن يوضح موقفه الذي يؤدي بالضرورة إلى المساهمة في توضيح موقفها. وفي هذه الحال لا يكون الأديب أو الفنان قد باع نفسه أو خان رسالته، رسالة الأدب والفن، أو تنازل وضعُف.. إذ ليس من الضروري أن تخطئ السلطة دوماً أو أن نكون ضدها دوما.. والمبدع معرض لأن يصطدم بالرأي العام السائد، وبالجمود والتحجر على الصعيدين الفردي والجمعي، وبأشكال التخلف والتطرف.. وقد يصطدم بكثرة من الناس تخالفه الرأي ولا ترى ما يراه.. وقد تملك تلك الفئة من القوة والقدرة ما لا يملك، وتكون من الكثرة بحيث تشكّل قوة ضاغطة، وكثرة جماهيرية مهيبة. وهو في مثل هذه الأحوال أمام احتمالات، وقوة:
1- إمّا أن تسحقه وتغيِّبه فيقضي وإن عاش، أو تفل عزمه وتثنيه عن متابعة الطريق التي سلكها مأخوذاً باليأس.
2- وإمّا أن يدفعه جحودها وضيق افقها وتطرفها، أو يدفعه ضعفُه واهتزاز قناعاته أمام عزمها، أو غوغائيتها وتطرفها، إلى أن يتركها حيث هي، ويتابع رحلة الكشف الخاصة، لمتعة خاصة. وفي هذا تضييع له، وهدر لجهده، وضلال يقع هو فيه، وقد يؤدي إلى انفصاله عن الحياة والأحياء، وإلى موات الروح في إنتاجه الإبداعي، وانقطاع صلة ذلك الإنتاج بالناس، لأنهم لا يجدون أنفسهم أو واقعهم أو متعة من متعهم فيه.
3- وإما أن يكون أقوى من الضعف، فتدفعه قناعاته إلى مواجهة الصعوبات بأنواعها، بما في ذلك الكثرة الضالة، والجمود، وعدم الاستيعاب، وسطوة السلطة، والأنانية التي تزين له النجاة بالذات، والطموحات التي تغري بتحقيق انتصارات شخصية، ملوِّحة بملكاته وتحكمه بوسائل إبداعه وبقدراته على التوصيل والإقناع والإمتاع في الإبداع، ومعرفته بالمداخل إلى الناس، ومآخذ القلوب فالعقول ودواخلها. ولا يتم له هذا الأخير من دون نضج وموقف في الحياة، ووضوح رؤية في الإبداع، والهدف من الإبداع، والوفاء لذلك كله والحماسة له.
فالمبدع الملتزم عندما تقوده معاناته وخبراته وتطلعاته إلى اكتشاف واحة متميزة، في حيز الشعور والتصور لمجالات التعامل والسلوك، ويرتضيها مقاماً لنفسه، ولغيره من أبناء مجتمعه، ويرتضيها للإنسانية أيضاً.. فإنه لا ينسى واجبه في أن يعود إلى المجموعات البشرية التي خرج، منها أو سار من أجلها في طريق الارتياد والكشف.. ليضعها في صورة ما توصل إليه، وليبث في الناس قناعاته، ويدفعهم، بوسائله الخاصة، إلى التغيير أو يحرضهم عليه.. ويجهد نفسه من أجل إيصالهم إلى تلك الواحة التي رأى فيها الخير والفائدة للبشرية. وهذا هو واجب الطليعة.. لأنها تسير في المقدمة لتكتشف وتعرف، ومن ثم تعود لتخبر بما رأت وعرفت، ولتسهم برسم الطريق للناس، وتوضيحها لهم، ودفعهم إلى السير فيها، وتأخذ بيدهم لتوصلهم إلى مكان الكشف. والطليعة بهذا المعنى ملتزمة بقضايا الشعب ومصالحه وحقوقه، مؤتمنة على جوهره الإنساني وحرياته وقيّمه، وعلى سلامة ذوقه، ومقوّمات إنسانيته وتجذرها، وحتى عن إنعاشه وإسعاده. أما تلك الفصائل التي ترى أن دورها ينحصر في التوصل إلى حالات من متعة الخلق خاصة بها، لا تنبع من الواقع الذي يعيشه الناس، ولا تصب فيه.. ويزعجها أو يعيبها أن تقترب منه أو تأنس إليه.. فإنها فصائل ضالة، ولا يجوز لنا أن نتبع الضالين، كما لا يجوز لهم أن يلوحوا بنار ليوهموا الناس أنهم يحملون مشاعل هداية، وإن هم حاولوا ذلك توجب فضحهم. ولكن المؤكد أنهم- إن حاولوا- لا يفلحون، ذلك لأنهم لا يشعرون بتلك الحاجة التي يشعر بها غيرهم من الأصلاء، أقصد الحاجة إلى التواصل البناء أو الخلاق، مع الناس، وإلى أهداف ذلك التواصل، ومتعته، والسعادة لما يتركه في النفس من قيمة وراحة.
فالفنان الذي تكون ونما باكتساب الخبرة، والفن- بتعبير جون ديوي- خبرة، إذ يقول في كتاب الفن خبرة: “الخبرة مسألة تفاعل بين الكائن الحي وبيئته، والبيئة إنسانية كما هي مادية، بمعنى أنها تشتمل على عناصر التقليد والأنظمة الاجتماعية، كما تشتمل على مواد البيئة المحلية، والكائن الحي إنما يجلب معه – غير تكوينه، أو بنائه الخاص فطريا كان أم مكتسبا- قوى تضطلع بدورها في عملية التفاعل، والذات تفعل كما تنفعل ولكن نشاطها المنفعل أو “القابل”ليس بمثابة انطباعات تختم فوق شمع ساكن أو جامد بل هو نشاط يتوقف على الطريقة التي يرد بها الكائن الحي ويستجيب، وليس ثمة خبرة لا يكون فيها النشاط الإنساني عاملا في تحديد ما يحدث بالفعل، ومعنى هذا أن الكائن الحي إنما هو قوة لا مجرد سطح شفاف”.. والفنان هو كائن أصبح له موقف من الوجود، ومعه، وفيه.. ويجره ذلك إلى حالات تمرد أو تلاؤم، ويريد أن يثبت ذاته ويؤكدَها من جهة، وأن يصل إلى حالة مصالحة مع الوجود من جهة أخرى. فهو في علاقته وتعامله مع الوجود والجماعة، يعبر عن حاجة حيوية في الفرد لخوض تجربة، واكتساب خبرة، أو إلى معايشة إحساس، أو قطف ثمار متعه مع الجماعة أو من خلالها هذا من جهة.. وعن رغبة في مشاركة الجماعة حياتها ومشكلاتها والتواصل معها من جهة أخرى.. فيبثها همومه وأحاسيسه، ويوصل إليها أفكاره، ويزودها بخلاصة تجربته وخبرته في الحياة، وينقل إليها قصته ومعاناته ورؤاه، وأحلامه ربما، ليصنع منها وفيها وسطاً قادراً على مشاركته رؤاه، وفهم مشاعره. وهو بهذه الدوافع التي لديه، يعبِّر عن حالة وحدة عاشها في الوجود بمعزل عن الجماعة، ولا يريد لهذه الحالة أن تدوم، كما لا يريد لنتائج هذه التجربة أن تبقى بعيدة عن الناس..إنه يريد أن ينقلها إلى الجماعة معتزاً بها، مفاخراً بقدرته وإمكاناته من جهة، وطامحاً إلى أن يضع كل فرد من الجماعة بمثل الحالة الانفعالية والشعورية والفكرية التي كان فيها، ليوصله إلى الاقتناع الذي وصل إليه هو، بعد خوض التجربة من جهة أخرى.
والفوائد التي يجنيها الفرد من ذلك العمل عديدة، منها أنه يزيل حالة من الغربة كانت بينه وبين الجماعة، ويضع نفسه منها موضع المعلم أو الساحر أو باعث المتعة والنشوة وخالق الأعاجيب.. فتنظر الجماعة إليه بإعجاب وإكبار، فيشعر بالراحة والمكانة والقيمة. ومنها أيضاً أنه يضع في قلوب الناس ناراً تعج في قلبه، فيشعلهم كما يشتعل هو، ويشغلهم بما يشغل باله، ويحرضهم على القيام بتحقيق قناعاته، في حياتهم وسلوكهم وتعاملهم مع الآخرين. ويسعى الفرد المبدع إلى المحافظة على حيوية التواصل، في أثناء فترة وضع الجماعة في بوتقة تجربته، خلال أطول مدة ممكنة من اللقاء الذي يتم في كتاب أو لوحة أو عرض مسرحي، أو من خلال نغم وصوت وحركة.. ويسعى أيضاً إلى غزو مشاعر الجماعة والسيطرة عليها، بكل ما يملك من مشاعر وطاقات وأفكار، وبمختلف الوسائل والأساليب، ليتمكن من غرس البذور التي يريد غرسها في أعماقها، حيث يضْمَن لتلك البذور: سلامة النمو، وقوة الفاعلية، والقدرة على الإنتاج والتأثير فالتغيير، بدءاً بنفس كل فرد، وانتهاء بالسلوك الجمعي، وبنظام المجتمع كله. وهذه العملية بمجملها هي التي يؤدي إليها خلق عمل أدبي وتقدمه إلى الجمهور بوسيلة وأسلوب لهما طابع العمل الإبداعي، أو خلق عمل فني يصل إلى الجمهور مع حالة الإبداع ذاتها، بحرارتها وحيويتها.

إلى الأعلى