الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التفات السلطنة لشرق افريقيا.. حضور تاريخي وثقافي يفرض دورا تجاريا واقتصاديا أكبر
التفات السلطنة لشرق افريقيا.. حضور تاريخي وثقافي يفرض دورا تجاريا واقتصاديا أكبر

التفات السلطنة لشرق افريقيا.. حضور تاريخي وثقافي يفرض دورا تجاريا واقتصاديا أكبر

السيد عبد العليم

” .. السلطنة هي الوحيدة بين البلدان العربية والخليجية التي لها علاقات تاريخية بشرق افريقيا. وما زال لها حضورها الثقافي والتاريخي في تلك المنطقة، بما يعطيها ميزة التعامل مع بلدانها بشكل تتميز به عن بقية البلدان العربية. فما زالت اثار الوجود العماني في تلك المنطقة حاضرة حتى اليوم، من حيث الأبنية القائمة وكثير من العادات والتقاليد المشتركة.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تتميز السلطنة بحضورها التاريخي والثقافي الكبير في منطقة شرق افريقيا بشكل يؤهلها لأن يكون لها دور اكبر تجاري واقتصادي في تلك المنطقة التي يتلهف كثير من اهلها لذلك، بما يعود في النهاية بالنفع على السلطنة وعلى تلك المنطقة. وقد شرعت السلطنة بالفعل في الالتفات إلى الاهمية الاقتصادية والتجارية لتلك المنطقة. وتسعى لتوظيف موقعها البحري لخدمة ذلك.
فقد اعلنت إكسبريس فيديرز (X-Press Feeders) والتي تعتبر أكبر مشغل لخدمات الربط على مستوى العالم أنها بدأت خدمة الربط الملاحي المباشر بين ميناء صلالة وميناء بربرة في الصومال منذ منتصف شهر أكتوبر 2015 مع إمكانية توسع خدماتها إلى موانئ أخرى في المنطقة في مرحلة لاحقة نظرا لأهمية منطقة بربرة كسوق مهم للعديد من الخطوط الملاحية الدولية.
وزار أمس وفد من السلطنة يضم مسؤولين ورجال أعمال وصناعيين من تنزانيا لبحث فرص التعاون التجاري والصناعي بين البلدين. وتهدف الزيارة إلى تعزيز علاقات التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين خاصة في مجالات الاستثمار العقاري والأغذية والنقل والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى فتح أسواق جديدة في القارة الإفريقية من خلال جمهورية تنزانيا التي تمتاز بإطلالتها على المحيط الهندي باعتبارها بوابة إلى العديد من الدول الأفريقية كما تهدف إلى إيجاد شراكات للاستثمار وربط موانئ كل من الدقم وصلالة وصحار بميناء دار السلام. وشملت الزيارة لقاء ترويجي تطرق إلى قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والبتروكيماويات والاغذية والزراعة والمعادن وقطاعات ذات اهمية للاستثمار في البلدين بالاضافة إلى فتح اسواق للمنتجات العمانية في تنزانيا والأسواق المجاورة.
وفي 10 ابريل الجاري، زار وزير التجارة الاثيوبي على رأس وفد السلطنة والتقى رئيس غرفة تجارة وصناعة عمان وتم مناقشة أوجه ومجالات التعاون في الجوانب الاقتصادية وبما يخدم رفع مستويات التبادل التجاري بين البلدين. وشهد التعاون التجاري بين السلطنة وإثيوبيا نموًا ملحوظًا خلال السنوات القليلة الماضية، حيث ارتفع إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين من 6ر2 مليون دولار في عام 2004 إلى 5ر24 مليون دولار في عام 2014، كما أن المستثمرين العمانيين حصلوا على رخص لإقامة 3 مشاريع في إثيوبيا خلال الفترة من 1992 إلى 2014 برأس مال بلغ 2ر3 مليون دولار، وأقام المستثمرون العمانيون شراكات مع عدد من المستثمرين الإثيوبيين والسودانيين برأس مال بلغ 840 ألف دولار، وهناك الكثير من الشركات العمانية التي لها نشاط في إفريقيا ضمن مختلف القطاعات كالصناعات الغذائية والطاقة والبنية الأساسية والسياحة والزراعة والتصنيع.
ووجه وزير التجارة الأثيوبي لرئيس الغرفة الدعوة لزيارة اثيوبيا على رأس وفد تجاري للإطلاع على الفرص المتاحة باثيوبيا سيما في قطاعات البنية الأساسية والعقار وقطاع التعدين نظرا للثروة الهائلة التي تمتلكها اثيوبيا في هذا القطاع والتي قد تمثل فرصا مهمة لمستثمرين يبحثون عن هذا النوع من الثروات.
كما افتتحت في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا أمس الأول فعاليات معرض المنتجات العمانية “أوبكس ٢٠١٦” الذي يستمر حتى الغد. وشارك فيه أكثر من ١٠٠ شركة عمانية تمثل قطاعات صناعية وتجارية مختلفة في مجال الثروات الطبيعية والمعادن والمنتجات الخشبية والمُنتجات التصنيعية والأثاث والمواد الغذائية والطبية والصيدلانية والأسمدة والمُعدات البلاستيكية والمعدنية والعطور والجلديات والخدمات اللوجستية إلى جانب مشاركة عدد من المؤسسات الحكومية ذات العلاقة. وشهد المعرض في يومه الأول التوقيع على العديد من عقود التعاون والوكالات التجارية فيما بين الشركات العمانية ونظيراتها الأثيوبية مما يبشر بفتح بوابة واعدة للتعاون فيما بين الشركات الحكومية والخاصة في كلا البلدين خلال المرحلة القادمة. وعلى هامش المعرض استقبل الرئيس الاثيوبي مولاتو تيشومي معالي علي بن مسعود السنيدي وزير التجارة والصناعة وذلك لبحث سبل تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين.
في الواقع، فإن هذه التفاتة الى شرق افريقيا. وان كانت جاءت متأخرة بعض الشيء، الا انها تظهر اهتمام السلطنة بتلك المنطقة التي تربطها بها روابط تاريخية وثقافية يمكن توظيفها اقتصاديا وتجاريا بما يخدم الطرفين ويحقق مصالح كبيرة لهما.
فالسلطنة هي الوحيدة بين البلدان العربية والخليجية التي لها علاقات تاريخية بشرق افريقيا. وما زال لها حضورها الثقافي والتاريخي في تلك المنطقة، بما يعطيها ميزة التعامل مع بلدانها بشكل تتميز به عن بقية البلدان العربية. فما زالت اثار الوجود العماني في تلك المنطقة حاضرة حتى اليوم، من حيث الابنية القائمة وكثير من العادات والتقاليد المشتركة. فضلا عن البعد الثقافي المتمثل في اللباس العماني الذي لا يزال موجودا ومنتشرا وكذلك اللغة السواحلية لتلك المنطقة التي يجيدها كثير من العمانيين. اضافة إلى وجود عوائل منحدرة من اصل عماني كثيرة ومنتشرة هناك. فكل ذلك يمثل خلفية ثقافية وتاريخية يمكن للعمانيين البناء عليها. وتسهل لهم كثير من المعاملات. وتجعلهم محل ترحيب في تلك المنطقة الزاخرة بمواردها الطبيعية، حيث تتوفر الاراضي الشاسعة البكر الصالحة للزراعة وتربية الحيوانات. فضلا عن توفر المياه العذبة والايدي العاملة الرخيصة والموارد الطبيعية الاخرى من ثروة حيوانية ونباتية ومعدنية. إضافة إلى التسهيلات التي تقدمها حكومات بلدان المنطقة فيما يتعلق بحقوق التملك والاستثمار واقامة المشروعات التي تعود بالنفع على المستثمر وعلى اهل تلك البلدان.
واذا كانت حكومة السلطنة تريد تنويع مصادر دخل البلاد، وعدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي لا سيما مع الانخفاض الكبير في اسعاره مؤخرا، فيمكن توجيه جزء من استثماراتها إلى اقامة مشروعات انتاجية في بلدان شرق افريقيا. وكما كان الاجداد هم اباطرة التجارة والمشروعات في تلك البلدان في الزمن الماضي، يمكن ان يصبح العمانيون الحاليون لهم اليد الطولى والسبق في مجال التجارة والزراعة والصناعة في تلك البلدان. وذلك بالاستثمار واقامة المشروعات والمراكز التجارية وتزويدها بالمنتجات العمانية. وفي نفس الوقت نقل منتجات تلك المشروعات خاصة الزراعية، حيث قلة تكلفة انتاج المواد الغذائية الزراعية والحيوانية بشكل كبير مقارنة بإنتاجها داخل السلطنة وفي بلدان الخليج والمنطقة. أي يتولى العمانيون شراء ونقل تلك المنتجات بحرا من خلال الربط الملاحي بين موانئ السلطنة وخاصة الدقم وصحار بموانئ تلك البلدان. فتكون كلفة النقل اقل واسرع. لتصبح السلطنة بذلك مصدرا لجلب وتوزيع تلك المنتجات في منطقة الخليج وآسيا. اي توظيف الموقع الجغرافي واستغلال منظومة النقل واللوجستية افضل استغلال. وذلك بتوظيف دورها في جلب تلك المنتجات ذات الكلفة المتدنية وتوزيعها على البلدان المجاورة،لا سيما مع اقامة شبكة السكك الحديدية التي تربط بلدان المنطقة. وبذلك تصبح التجارة العمانية تسير في اتجاهين. اي كما يأتي كثير من الواردات من البلدان المجاورة يكون هناك اتجاه اخر وهو صادرات عمانية قادمة من شرق افريقيا إلى منطقة الخليج وغيرها.
وفي نفس الوقت، ثمة عدد كبير ممن يأتون من بلدان شرق افريقيا الى احدى المدن التجارية الخليجية لشراء بضائع ومنتجات آسيوية ونقلها الى بدانهم. وهنا يمكن للتجار العمانيين استغلال هذه الفرصة بتزويد متاجر تلك البلدان بتلك المنتجات. اي تكون التجارة مع تلك البلدان تسير في اتجاهين ـ منتجات زراعية وحيوانية طبييعية آتية، ومنتجات صناعية آسيوية ذاهبة ـ بما يعزز الحضور العماني هناك. وبذلك يتحقق الاستغلال الأمثل للموقع الجغرافي البحري للسلطنة وموانئها خاصة مينائي الدقم وصحار، بما يصب في النهاية لمصلحة الاقتصاد العماني ويحقق الفائدة لبلدان المنطقة وغيرها. اضافة الى تحقيق فائدة ومصلحة كبيرة لبلدان شرق افريقيا التي تتلهف وتتطلع الى مثل هذا الدور التجاري والاقتصادي للسلطنة ذات الموروث الثقافي والتاريخي في تلك المنطقة.

إلى الأعلى