الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : بين خرق الهدنة ومعركة حلب الكبرى

شراع : بين خرق الهدنة ومعركة حلب الكبرى

خميس التوبي

في المشهد السوري يبدو خرق الهدنة المتكرر من قبل عصابات الإرهاب التابعة لمعسكر التآمر والإرهاب حاجة ملحة من قبل المعسكر لتعطيل الحل السياسي وإعادة الأوضاع إلى مربعها الأول، وبدء جولة إرهابية جديدة تستهدف الدولة السورية، شعبًا وجيشًا وبنى أساسية ومؤسسات عسكرية وأمنية، وذلك لإنجاز المؤامرة وتحقيق أهدافها المعروفة لدى كل ذي بصر وبصيرة ونفس سوية بتدمير سوريا وتفتيتها إلى كيانات طائفية متناحرة، وإخراجها من جميع المعادلات العربية والإقليمية ومن ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي مثلما حصل مع العراق وليبيا، واختزالهما في شخص زعيمي نظامهما ليكون مدخلًا ملائمًا لعملية الاستهداف والتدمير على النحو المشاهد.
صحيح أن خرق الهدنة لا يمكن وضعه إلا في سياق الإصرار على خيار الإرهاب والمراهنة عليه في تدمير الدولة السورية بعدما ثبتت كارثية التدخل العسكري المباشر على القوة القائمة به من حيث الخسائر الباهظة البشرية والمادية، غير أن الهدنة في حد ذاتها لم تكن اقتناعًا من الولايات المتحدة قائدة معسكر التآمر والإرهاب، ومُقدِّمةً للحل السياسي الذي أُجري تحت جسره ماء كثير، وإنما فرضتها ظروف الميدان بعد التدخل العسكري الروسي الذي قلب الموازين ورجَّح كفة الدولة السورية، وتسبب في انهيارات وانكسارات وخيبات لدى معسكر التآمر والإرهاب وأدواته من العصابات الإرهابية، ما استدعى التدخل الأميركي ومحاولة استخدام وقف العمليات العدائية (الهدنة) ككوابح لإيقاف الاندفاعة السورية ـ الروسية نحو تطهير ما تبقى من المناطق السورية من رجس الإرهاب.
في الحقيقة، لا أحد يجيد الرقص على الحبال كما يفعل البهلوان الأميركي، ولا أحد بإمكانه التملص من المواثيق الدولية بطرق التفافية، كما يفعل منافقو الإدارة الأميركية، عندما يحشرون في الزاوية. فمن ينظر إلى جملة المواقف الأميركية من الأزمة السورية يجد أنها يغلب عليها طابع النفاق وعدم المصداقية، وتوظيف ذلك أسلوبًا ملائمًا للتخفي في لعبة إدارة دفة المؤامرة من الخلف، وترك الخونة والعملاء والمرتزقة في المقدمة، حيث القائد الحقيقي للمؤامرة يقول شيئًا ويتكفل بعمل نقيضه الخونة والعملاء والمرتزقة.
في تقديري وبعيدًا عن المبالغة، أن معسكر التآمر والإرهاب بقيادة المايسترو الأميركي بات ينظر إلى سوريا والوجود الروسي وكذلك الإيراني كعصفورين يسعى إلى ضربهما بحجر واحد، وإزاء هذا المسعى أخذ يتلاعب بالتصريحات السياسية بين الفينة والأخرى بقصد إيهام الطرف السوري ـ الروسي ـ الإيراني بأنها تنازلات من قبله، فيما هو في الحقيقة قد أوكل مهمة ضرب العصفورين للخونة والعملاء والمرتزقة والإرهابيين، وذلك بالاستمرار في عملية التدمير والتخريب وعدم ترك حجر على حجر، وعدم ترك مواطن سوري بين الحجر ولا الشجر، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى الاستمرار في استنزاف الخصوم المتمثلين في سوريا وروسيا وإيران وحزب الله.
ووفق هذا القدر المتيقن، فإن ثمة ما يشير إلى واقعيته وصحته، وهو ما تناولته وسائل الإعلام نقلًا عن صحيفة “جينس” البريطانية المختصة بالشؤون الدفاعية، حيث ـ وحسب الصحيفة ـ قامت الولايات المتحدة بنقل شحنتين من الأسلحة المتطورة عبر أوروبا الشرقية إلى التنظيمات الإرهابية في سوريا، حيث أُفرغت الشحنتان في الأردن وتركيا. وبالمقارنة بين تاريخ إقلاع الشحنتين وإفراغهما وبين الأحداث المتوالية على صعيد الأزمة السورية ـ وحسب وسائل الإعلام والمحللين ـ تبين أن الشحنة الأولى انطلقت من الميناء الروماني بعد أقل من شهرين على إعلان فيينا في الـ24 من نوفمبر من العام الماضي. أما الحمولة الثانية فقد وصلت إلى ميناء العقبة بعد سريان هدنة وقف العمليات العدائية في الـ27 من فبراير الماضي، بموجب التفاهم الروسي ـ الأميركي.
إن هذا الكشف اللافت يؤكد ما قلناه مرارًا وتكرارًا ونؤكده مجددًا وهو أن وقف العمليات العدائية (الهدنة) في سوريا ليس اقتناعًا أميركيًّا ورغبةً أميركيةً للحل السياسي في سوريا، وإنما هي تدخل في إطار اللعب بالوقت والبحث عن وسائل مطه إلى أبعد مدى لإطالة أمد المؤامرة واستنزاف الخصوم وإنهاكهم ومن ثم التخلص منهم أو استسلامهم، وذلك بإعطاء العصابات الإرهابية الوقت الكافي لإعادة تجميع صفوفها، بعدما بعثرتها العمليات العسكرية الروسية، واستغلال وقف العمليات القتالية لإدخال الأسلحة المتطورة لهذه العصابات الإرهابية؛ أي أننا أمام سيناريو مكرر لذريعة بعثة المراقبين العرب بقيادة الفريق السوداني الدابي، والتي استغلت مهمتها من قبل معسكر التآمر والإرهاب في تجميع صفوف العصابات الإرهابية ومدها بالأسلحة وتخزينها، حيث كان المخطط أن يكون حي بابا عمرو في مدينة حمص هو العصب الحيوي للعصابات الإرهابية، والذي شاءت الأقدار أن يتم اكتشافه مبكرًا من قبل الجيش العربي السوري وضرب هذه البؤرة الإرهابية التي دفعت كلًّا من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في مؤتمر صحفي لهما إلى الغضب لدرجة أنهما يكادان يبكيان على إحباط هذا المخطط الإرهابي.
وفي خضم الاستعداد لمحادثات مؤتمر جنيف التي تنطلق اليوم، راج الحديث الإعلامي عن معركة حلب الكبرى واستعداد الجيش العربي السوري وحلفائه لتطهيرها بالكامل من رجس الإرهاب، حيث سيمثل تطهيرها ضربة قاصمة لمعسكر التآمر والإرهاب الذي بدأ يحشد حشوده الإرهابية وتزويدها بالأسلحة المتطورة. وفي تصوري أن الحديث عن هذه المعركة مع بداية محادثات جنيف هو رسالة سورية ـ روسية للمعسكر المعادي للابتعاد عن الشروط المسبقة، وعدم المماطلة، وإذا ما أصر بلسان “معارضاته” على نهجه، واستمر في خرق الهدنة فإنذلك يعد ضوءًا أخضر لبدء معركة حلب، وإن كان تطهيرها يمثل أولوية بالنسبة للدولة السورية، لكن تأجيل ذلك في إطار إظهار حسن النيات. والأيام كفيلة بتأكيد ما ظهر وكشف ما خفي.

إلى الأعلى