الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صندوق النقد والفقراء

صندوق النقد والفقراء

السيد عبد العليم

”اللافت بالنسبة لمقترحات او اشتراطات الصندوق من اجل الموافقة على طلبات القروض المقدمة إليه من الحكومات هو انه لا يأتي على ذكر مواجهة الفساد المالي في تلك الحكومات أو على مواجهة التهرب الضريبي وتحصيل متأخرات الضرائب المتراكمة على عدد من رجال الأعمال في تلك البلدان أو على بيع أراضي وأملاك الدولة بسعر بخس أو التفريط التام فيها وبعقود يشوبها الفساد.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنطلق رسميا في العاصمة الأميركية واشنطن اليوم الخميس اجتماعات الربيع لـصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتستمر ثلاثة أيام بمشاركة محافظي البنوك المركزية ووزراء المالية ورؤساء وممثلي المؤسسات المالية والاقتصادية من انحاء العالم. وتركز الاجتماعات على تباطؤ الاقتصاد العالمي وانخفاض أسعار النفط. وقد طالب صندوق النقد الدول المنتجة للنفط في أكثر من مناسبة بضرورة تنويع مصادر الدخل وضبط النفقات لتضييق فجوة العجز في موازناتها. ويحثها على رفع الدعم عن الخدمات الأساسية (المياه والكهرباء والوقود)، إضافة إلى فرض مزيد من الضرائب، وتنفيذ رزمة من الاستثمارات غير النفطية بهدف تنويع مصادر الدخل.
والملاحظ ان المستهدف دائما من قبل صندوق النقد هم فقراء العالم، حيث طالما كانت نصائحه ضدهم من الأساس! إذ دائما ما يبارك رفع الحكومات الدعم عن الخدمات والسلع الاساسية. ويشيد بقيام حكومات بخفض قيمة عملتها وكأنها حققت انجازا كبيرا بهذا التخفيض الذي يضر في النهاية المواطن البسيط جراء ارتفاع اسعار السلع وخاصة المستوردة. وعندما تلجأ حكومات كثير من البلدان التي تعاني من مشاكل مالية إلى الصندوق للاقتراض لتلبية احتياجاتها الملحة، دائما ما يشترط موافقته على مثل تلك القروض برفع تلك الحكومات لأسعار الدعم عن المواد الغذائية والمحروقات والكهرباء والمياه وكل اشكال الدعم التي تقدمها الحكومات خاصة للشريحة الأكثر فقر فيها. ليظهر الصندوق على انه سيف مسلط على رقاب فقراء العالم لصالح اغنيائه سواء في البلدان الفقيرة أو الغنية.
تعود نشأة صندوق النقد الدولي إلى يوليو 1944 عندما وقعت 29 دولة على ميثاق الصندوق في مؤتمر بريتون وودز بالولايات المتحدة في الفترة من 1-22 يوليو 1944، وبدأ ممارسة أعماله في الأول من مارس 1947. ومقره العاصمة الاميركية واشنطن. ويبلغ عدد الدول أعضاؤه 187 دولة ويجتمع مجلس أعضائه مرتين في السنة. ويهدف في الاساس الى تجنب الازمات المالية التي ادت الى الكساد العالمي عام 1929. فالصندوق هو مؤسسة مالية دولية تختص بتقديم القروض إلى الدول الأعضاء لمعالجة العجز المؤقت في موازين مدفوعاتها، وبذلك تعمل على استقرار أسعار الصرف, وتفرض في المقابل على الدول المقترضة أن تستشيره بشأن الخطوات التي تتخذها لتحسين وضع ميزان مدفوعاتها.
والمصدر الرئيسي لموارد الصندوق هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص. ومنذ عام 1972 بدأ الصندوق في توزيع حقوق السحب الخاصة على أعضائه بنسبة حصصهم في أموال الصندوق.
وتدفع البلدان 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة (الذهب الورقي) و75% بعملتها الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة. وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة. والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي، فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق. وتشكل اشتراكات البلدان الأعضاء أهم مورد للصندوق، وتتمثل أهمية الاشتراك في أنه على قدر حجم التمويل يتحدد عدد الأصوات. فالولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص. أما سيشيل، أصغر اقتصاد في العالم، فتسهم بحصة مقدارها 0.004%. وقد بدأ تنفيذ ما خلصت إليه مراجعة الحصص (الحادية عشرة) في يناير 1999، فازدادت الحصص في الصندوق (لأول مرة منذ عام 1990) بمقدار 45% تقريباً لتبلغ 212 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 290 مليار دولار). وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للصندوق للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى – وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة – إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية.
وعندما تحصل الدولة على قرض يكون ذلك في مقابل تقديم قيمة معادلة من عملتها الخاصة. وعلى الدولة أن تسترد هذه العملة الخاصة بها في مدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.
وبحسبة بسيطة، فإذا كان سعر صرف عملة بلد ما امام الدولار هو دولار لكل خمس وحدات من عملة تلك البلد على سبيل المثال، واقرض الصندوق ذلك البلد مليار دولار، ثم زادت اعباء ذلك البلد واضطر إلى خفض قيمة عملتها لتصبح دولارا مقابل 8 وحدات من عملتها، عندئذ كم يسترد الصندوق من الاموال بالدولار مع زيادة قيمة الدولار امام عملة ذلك البلد فضلا عن فوائد ذلك المبلغ؟ فما فائدة مثل هذا القرض في مثل تلك الحالة؟ هل سيحسن اوضاع ذلك البلد المالية أم سيأتي بالخراب عليه؟ فالاقتراض من الصندوق يجب ان يكون له ضروراته القصوى او الملاذ الاخير. فضلا عن التخطيط في الاستفادة الحقيقية من القرض في تمويل مشروعات حقيقية ومربحة يمكنها خلال فترة سداد القرض ان تحقق ارباحا ونفعا للبلد يعينه على سداد القرض والاستفادة بالمشروع. والا يتم في النهاية رهن المشروع والعجز عن السداد وطلب جدولة الدين ليضع الصندوق شروطا اكثر صعوبة واكثر تعجيزا ومد أمد الدين. ويعيش ذلك البلد في شرك سلسلة متواصلة من الديون وجدولة الديون، ليصل في نهاية المطاف الى احتمالية اعلان افلاسه، كما حدث مع الارجنتين قبل عقود عندما اعلنت عن عجزها عن سداد الديون المستحقة عليها للصندوق وغيره من الدائنين.
وثمة امثلة للاشتراطات القاسية والمؤلمة للصندوق بحق الفقراء واصحاب الدخول المتدنية. ففي نوفمبر الماضي، اشترط صندوق النقد على الحكومة العراقية رفع الدعم عن الكهرباء والوقود والبطاقة التموينية من اجل الموافقة على إقراضها وتمكينها سد العجز المتوقع في موازنة عام 2016، بينما أبدى “تحفظه الشديد” على حجم الرواتب التي تدفعها الحكومة للموظفين، ودعاها لإعادة النظر بشأنها لانها برأيه تثقل كاهل الموازنة. والغاية الأساسية من رفع الدعم عن تلك القطاعات، بحسب صندوق النقد، هو ضمان إنفاق الأموال التي ستقترضها الحكومة على قطاعات أخرى أكثر أهمية. فصندوق النقد الدولي يفكر في كيفية استرداد الأموال التي سيقرضها للعراق وعدم ذهابها لقطاعات استهلاكية.
ونفس تلك الشروط يضعها الصندوق امام الحكومة المصرية في كل مرة تسعى للحصول على قرض منه. وفي نفس الوقت يرحب الصندوق بقيام الحكومة ـ التي تواجه مشاكل اقتصادية جمة ـ بخفض قيمة عملتها بشكل كبير الامر الذي انعكس على رفع اسعار اغلب السلع الاساسية.
ومؤخرا تقدم خبراء من صندوق النقد الدولي بمجموعة مقترحات للحكومة الجزائرية ترتكز بشكل أساسي، على تحسين الاقتصاد، وفتح باب التجارة والاستثمار، وتسهيل الائتمان (القروض)، على اعتبار أن لها امتيازات أكبر لمواجهة صدمة النفط، بترشيد النفقات العمومية، وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن إيرادات النفط. وكانت بعثة من الصندوق، زارت الجزائر، وطالبت السلطات بضرورة تكثيف جهود تنفيذ إصلاحات هيكلية، لمواجهة صدمة انهيار أسعار النفط، وتنويع مصادر الدخل الحكومي. وانتقد الخبير المالي وأستاذ الاقتصاد في جامعة البليدة بالجزائر، فارس مسدور، المقترحات المقدمة من الصندوق، واصفا اياها بأنها “ليست واقعية”. وذكّر مسدور“بالإجراءات التي طبقها (صندوق النقد الدولي) على الجزائر عام 1995، والمتضمنة إغلاق المؤسسات العمومية، وتسريح آلاف العمال، وتقليص النفقات العمومية، وتخفيض قيمة العملة المحلية الدينار، كوصفة لمواجهة أزمة انهيار أسعار النفط آنذاك، وكانت نتائجها كارثية”. وأضاف متسائلاً، “كيف يُقترح على دولة تملك 143 مليار دولار احتياطي صرف، البحث عن الاستدانة الخارجية؟.. هذا المقترح خاطئ بالمطلق”.
اللافت بالنسبة لمقترحات او اشتراطات الصندوق من اجل الموافقة على طلبات القروض المقدمة اليه من الحكومات هو انه لا يأتي على ذكر مواجهة الفساد المالي في تلك الحكومات أو على مواجهة التهرب الضريبي وتحصيل متأخرات الضرائب المتراكمة على عدد من رجال الاعمال في تلك البلدان أو على بيع اراض واملاك الدولة بسعر بخس او التفريط التام فيها وبعقود يشوبها الفساد. وكذلك الأموال المهربة خارج تلك البلدان وغير ذلك، مما يمس شريحة من الاغنياء والمسئولين الفاسدين في تلك البلدان. أو نصحه بعض الحكومات بتوجيه جزء من انفاقها العسكري غير المبرر إلى مشاريع التنمية. لكن جل هم الصندوق ومحور تركيزه في استيعادة قروضه بفوائدها الكبيرة، يكون على حساب فقراء تلك البلدان وزيادة متاعبهم ومص دمائهم.

إلى الأعلى