الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: أوراق بنما أغنت متورطيها وأقنت الشفافية

في الحدث: أوراق بنما أغنت متورطيها وأقنت الشفافية

طارق أشقر

على الرغم من اتساقها الطبيعي مع المفاهيم المتداولة في بيئات التهرب الضريبي ولربما مناخات غسيل الأموال، باعتبار ان كليهما سريا كثيراً ما يندر الكشف عنه، الا أن فضيحة اوراق بنما التي ضج ضجيجها مؤخرا في انحاء متنوعة من العالم، أكدت على انها ممارسات مالية أقل ما يتوقع ان ينتج عنها هو تعرية الكثير من مفاهيم النظام المالي العالمي، فضلا عن انها أغنت متورطيها الذين كشفت الستار عنهم، وفي طريقها الى أن تقني مبدأ الشفاقية في النظام المالي العالمي أي تفقر ذلك المبدأ وتفرغه من مضمونه وذلك في وقت زاد التشدق به.
وكانت وسائل اعلام غربية قد كشفت خلال الاسبوع الماضي عن معلومات بشأن تسريب أكثر من احدى عشر مليون وثيقة بلغات عالمية مختلفة تتحدث بها حوالي ثمانين دولة حول العالم، وذلك من خلال تحقيقات صحفية استقصائية شارك فيها حوالي اربعمائة صحفي من مختلف انحاء العالم، حيث تمحورت تلك التحقيقات حول مزاعم بأن شركة وبنكا ضخما في بنما بأميركا الجنوبية درج على اخفاء حسابات مصرفية لأصول متنوعة يملكها مشاهير وسياسيون وشركات اجنبية من خارج بنما ومن جنسيات مختلفة.
وكيفما كانت التعقيدات القانونية لهذه الوثائق وما ورائها من اتهامات تحتمل الكثير من الجدل حول صحتها او عدم صحتها، الا ان الكشف عن هكذا معلومات يؤكد على ان النظام المالي العالمي ما زال في حاجة الى الكثير من الوقفات حول الثغرات التي يعانيها واتساع مواعينه القابلة لاستيعاب المتهربين عن دفع الضرائب في بلدانهم ووعمليات غسيل الأموال خارج حدود أوطان مهربي تلك الاموال.
كما انها تكشف عن أن مرحلة ما قبل الكشف عن مثل هذه الوثائق ربما شهدت تراكمات مالية هائلة للمتورطين في تلك العمليات التي وثائق بنما معلومات عنها ، فهي تراكمات الى جانب انها اغنت المتورطين بزيادة ارصدتهم المالية ، فهي ايضاً اضاعت الكثير من الفرص على الشعوب والدول التي خرجت منها تلك الأموال والتي لا بد ان يكون خروجها بقنوات مغايرة للقنوات الرسمية والطبيعية حيث كان بالامكان ان تستفيد منها الدول صاحبة تلك الأموال ان خرجت الاموال بعلم مؤسساتها المالية والضريبية.
وبنفس القدر الذي كشفت به اوراق بنما ما يشير إلى استفادة وغنى للمتورطين فيها عبر اساليب لا بد ان يكون تغييب الشعوب اصحاب الاموال الحقيقيين احد اهمها اي هم تلك الاساليب، فهي ايضا تعتبر تأكيدا على فقر وهشاشة مفاهيم الشفافية في النظام المالي العالمي، وذلك في وقت اصبحت فيه الشفافية مجرد لحن يتغنى به الاعلام الغربي في المجتمع الدولي الذي سرعان ما بدأت بعض دوله في اجراء التحقيق في مخالفات مالية محتملة لبعض اغنيائها وبعض سياسيها المستنفذين.
وما اكد ايضا على ضعف تموضع الشفافية في المجتمع الدولي، وضيق صدر الكثير من المجتمعات امام كل ما يمكنه الكشف عن التجاوزات المالية، هو ما تعرض إليه بعض الصحفيين المشاركين في التحقيقات الاستقصائية من مضايقات وتهديدات، وكأنهم يريدون ايصال رسالة مفادها بأن الصحافة الاستقصائية لم يحن وقت نجاحها في كشف الفساد العالمي حتى الآن.
وكيفما كانت التحقيقات الجارية بشأن اوراق بنما وما ستكشف عنه من حقائق، تظل هذه الخطوة بمثابة فرصة للدعوة لتوسيع قاعدة الشفافية في النظام المالي العالمي والعمل على المزيد من جهود مكافحة غسل الأموال وغيرها من الممارسات، وذلك عبر تعزيز القواعد القانونية اللازمة لذلك.

إلى الأعلى