الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الهدنة والإخوان

الهدنة والإخوان

” ربما يكون وقف القتال في صراعات كالتي في اليمن وليبيا وسوريا إنجازا يستحق، خاصة وأنه ينقذ ـ ولو مؤقتا ـ أرواح ضحايا قصف وتفجيرات، لكنه بالطبع لا يعني حتى عدم إمكانية العودة للصراع الدموي. وربما يكون من الشطط توقع ان تفعل الأمم المتحدة، أو أي جهة وسيطة مماثلة، أكثر مما تقوم به لأنه في النهاية محصلة مواقف وإرادات الأطراف المعنية مباشرة او القوى الداعمة لها.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهدنة بالتعريف المباشر هي فترة استراحة بين فترتين من فعل ممتد، ومن ثم فالهدنة في الصراعات هي توقف مؤقت للصراع حتى استئنافه مجددا. وتشهد المنطقة الآن أكثر من “هدنة” متزامنة في إطار عمليات سياسية تستهدف تسوية النزاعات في مناطق الصراعات. ورغم ان الجميع يأمل أن تمتد كل هدنة وتصبح سلاما دائما، أو على الأقل وقفا للجانب الدموي من الصراع، إلا أن المؤشرات للأسف لا تدل على أن ذلك هو الاحتمال الأرجح. ولعل من يقومون على الوساطة للتوصل لكل هدنة، وفي أغلبها الأمم المتحدة، يرون أن انجازهم الأكبر والأهم أنهم تمكنوا من ضمان موافقة أطراف كل نزاع ومن وراءهم من قوى إقليمية أو دولية على التوقف المؤقت عن القتال.
ربما يكون وقف القتال في صراعات كالتي في اليمن وليبيا وسوريا انجازا يستحق، خاصة وأنه ينقذ ـ ولو مؤقتا ـ أرواح ضحايا قصف وتفجيرات، لكنه بالطبع لا يعني حتى عدم إمكانية العودة للصراع الدموي. وربما يكون من الشطط توقع ان تفعل الأمم المتحدة، أو أي جهة وسيطة مماثلة، أكثر مما تقوم به لأنه في النهاية محصلة مواقف وإرادات الأطراف المعنية مباشرة او القوى الداعمة لها. لكن الوضع المعقد لتلك الصراعات، وما يحيط بها من صراعات إقليمية أوسع، هو ما يجعل كل تلك “الهدنات” مجرد توقف مؤقت للقتال في الأغلب. ناهيك بالطبع على انه في كل صراع منها هناك طرف أو أطراف لا تشملها الهدنة ومن ثم فتلك الأطراف مهمتها الإبقاء على جذوة الاتقاد حتى إذا ما انتهت فترة التوقف المؤقت اشتعل الرماد نارا مجددا.
لنبدأ بليبيا، فهناك شبه إجماع من كل الأطراف على حكومة وفاق وطني فرضتها الأمم المتحدة لتضم الإخوان الذين لفظهم الشعب الليبي في انتخابات مباشرة وممثلين عن الميليشيات التي أضعفت الجيش الوطني وسهلت للقاعدة وداعش الانتشار والتغلغل في ليبيا. ورغم الهدنة الحالية بين الميليشيات بانتظار اقرار سلطة حكومة فايز السراج، فإن داعش والقاعدة وغيرهما من الجماعات الإرهابية ما زالت تستهدف حقول النفط وتحاول توسيع نفوذها خارج معاقلها في درنة وسرت وغيرها. كما أن ميليشيات ما تسمى “فجر ليبيا” التي كانت تدعم المتمردين على الشرعية في العاصمة طرابلس لم تسلم سلاحها ولم تحل نفسها بل إن بعض فصائلها تتناوش مع ميليشيات داعة للسراج في طرابلس. وتسعى الميليشيات والإخوان إلى عدم ضمان قيام جيش وطني قوي في ليبيا بما يترك الساحة لجماعات الإرهاب هي والميليشيات. فحتى لو طالت الهدنة، لن تتمكن حكومة الوفاق فيما يبدو من إعادة السلم والأمن لليبيا مع وجود كل تلك الجماعات المسلحة وغياب جيش وطني قوي (وهو هدف الإخوان دوما في كل بلد لهم فيه كلمة).
ثم هناك اليمن والتي تشهد هدنة لأيام قبل بدء مفاوضات تسوية بين الحكومة الشرعية وجماعات الحوثي وصالح، وهي ليست الهدنة الأولى وليس هناك حتى الآن ما يشير إلى أنها الأخيرة. وكما في ليبيا، يبقى تنظيم القاعدة نشطا في اليمن يفجر ويهاجم ويغتال. حتى الهدنة بين الأطراف المشاركة في المفاوضات تخترق يوميا. وإذا كان البعض يعلق آمالا كبيرة على أن مشاركة الإخوان في المفاوضات الآن يمكن ان تسهم في استدامة الهدنة وأن تكون بداية سلام في اليمن فهؤلاء لا يقرأون التجارب التي لم تخبو بعد لحداثتها. فلإخوان الذين تحالفوا مع صالح وعادو الحوثيين، انقلبوا على صالح ومالأوا الحوثيين حتى تدخل التحالف فذهبوا مع الطرف الذي ظنوه كاسبا. أفبعد هذا يأمنهم أحد، من الحوثيين أو الشرعية أو التحالف؟ بالطبع لا.
نعم، السياسة لا تعترف بعداءات دائمة ولا تحالفات دائمة لكن الإخوان خارج كل حسابات السياسة ويصعب تصور أنهم ما إن تمكنوا سيكون من السهل مشاركتهم الآخر في سلطة أو تعاونهم على خير إلا انتهازية وتحينا لفرصة غدر وانقضاض. نتمنى جميعا أن يتوقف القتال في اليمن، ويترك لأهله يعيدون بناء ما تهدم ولا يهدد أمن جيرانه بكونه بيئة خصبة للجماعات المتطرفة والإرهابية.
أما الصراع الأكثر تعقيدا، والذي تتداخل فيه مصالح إقليمية ودولية معقدة تزيد من تعقيد صراع أطرافه المحلية، فهو ما يجري في سوريا. وهناك الآن هدنة ومفاوضات لا يظن أحد تقريبا انها ستسفر عن كثير في ظل خلافات كافة الأطراف المتصارعة في سوريا وعلى سوريا. بالطبع هناك داعش وغيرها خارج الهدنة والمفاوضات، لكن حتى من هم ممثلون في المفاوضات وضمن أطراف الهدنة لم يتوقفوا ولو مؤقتا عن استهداف بعضهم البعض وإراقة الدماء والتدمير. والكل يدعي محاربة الإرهاب، كما هو الحال منذ أعلنت داعش دولة لها في سوريا والعراق. وربما كانت هدنة سوريا هي أقل هدنات المنطقة التي يمكن أن توصف بأنها هدنة، وقد يعود ذلك إلى حقيقة أن الإخوان أكثر نشاطا في الأزمة السورية منهم في ليبيا وفي اليمن حتى التغييرات الحكومية الأخيرة. فإلى جانب دورهم في المفاوضات، الذي يلعبوه عبر عناصر ليست مرتبطة بهم بوضوح هناك فصيل عسكري مرتبط بهم هو “أحرار الشام”. وفي سوريا، كما توقعنا هنا في هذه الزاوية من قبل، لا مستفيد سوى الإخوان.. في الصراع والهدنة وما بعدهما.

د.أحمد كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى