السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف: بغداد بين “تاريخيين”

اصداف: بغداد بين “تاريخيين”

وليد الزبيدي

عندما اقتربت القوات الأميركية من بغداد وبعد المعارك الشرسة التي تصدت خلالها القبائل العربية في مدينة السماوة وبعد ذلك في النجف للقوات الغازية وقاتل الرجال إلى جنب الجيش العراقي الوطني – الذي قتله الأميركان لاحقا انتقاما من تاريخه العريق المشرف- ثم وقفة العراقيين في الكوت والمحمودية جنوب بغداد، حتى مساء يوم الخميس الثالث من “نيسان” أبريل عام 2003 حيث دخلت القوات الأميركية البرية مطار بغداد لتتحول المواجهة العسكرية من طويلة وقد تستغرق عدة اشهر إلى مواجهة حاسمة لا تخطيء العين تفوق كفة الغزاة بما يمتلكون من أسلحة متطورة فتاكة وسيطرة مطلقة على الجو مقابل غياب تام للطيران العراقي وصمت كامل للدفاع الجوي واصطياد أميركي لكل قوة عسكرية تتحرك على الأرض، وفي ذلك اليوم الذي دنست فيه قوات الغزاة أرض بغداد بدخولها المطار، وهو رمز سيادي كبير وهام، وقبل ذلك دنست أرض البصرة والعمارة والناصرية وسواها من مدن العراق، اقول في ذلك اليوم دخلت بغداد حقبة جديدة ليكون الحدث الفاصل بين تاريخين، لا يختلف عن ذاك اليوم الذي دخل فيه المغول بغداد في العام 1258م، ليعيثوا فسادا وقتلا واذلالا وحرقا للمكتبات وتدميرا للمعالم الحضارية والتاريخية في بغداد، بل أن هذا التاريخ اخطر واسوء وألعن ألف مرة من ذاك الذي حصل في تلك الحقبة، لأن المغول لم يقصدوا بغداد وحدها في الغزو والدمار والتخريب، بل غزوها مثل ما غزوا سواها من مدن العالم وإن كانت لبغداد خصوصيتها ورمزيتها ودورها الريادي في المعرفة والثقافة، خاصة بعد زمن المأمون وما اضافه من مراكز للترجمة والتعليم والمعرفة، في حين كان غزو أمريكا لبغداد بعينها ولوحدها ولاهداف يعرفها الجميع.
المفارقة التي تجعل المرء يتوزع بين الضحك والبكاء، أن غالبية المغول قد تركوا معتقداتهم وديانتهم التي جاؤوا بها للعراق والشام وبقية الدول لينخرطوا في الدين الإسلامي ويتعلموا العادات والتقاليد والاخلاق العربية والإسلامية، في حين تمسك ادوات الغزاة المحتلين الأميركان من العراقيين بتقديم جميع الخدمات وفي مختلف المجالات والميادين لاسيادهم، متوزعين بين حامل لراية أميركا مروجا ومبتهجا بعمليتها السياسية واخرى أداة قمعية لقتل العراقيين المقاومين وتعذيبهم واهانتهم واذلال عوائلهم فقط لأنهم تصدوا للغزاة المجرمين وقاوموهم، ورغم هروب الأميركيين تحت ضربات المقاومين في العراق،إلا أن ادواتهم يواصلون دورهم في خدمة مشروع الغزاة من خلال التشبث بأسوء دستور شهده تاريخ العراق والعالم والتصاقهم بعملية سياسية تتيح لهم اكبر سرقات في تاريخ العالم وتمنحهم اكبر مهانة ومذله لهم عبر التاريخ.
بغداد المقاومة بين تاريخين خطيرين، وبما أن الصفحات لا تٌنسى والاحداث موثقة بكل تفاصيلها فالويل لمن ساعد الغزاة وسهّل عملهم، وساندهم في تعذيب واهانة العراقيين، ومن سرق المال العام والناس جوعى وزاد من اعداد اليتامى والارامل والمشردين في داخل العراق وخارجه. بغداد بين تاريخين لا يتشابهان ولا يقترب احدهما من الاخر.

إلى الأعلى