الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أين نجد السعادة؟!

أين نجد السعادة؟!

أنس فرج محمد فرج:
أبدأ مقالي هذا بهذا السؤال: أين نجد السعادة؟! يظن بعذ الناس أن السعادة في المال ويظن البعض الآخر أنها في الصحة وجماعة أخرى تظن أنها في الأولاد .. وغيرها يظن أن السعادة مع النساء ومنهم من يقول جيعها بيد أنها قلما تتوفر في شخص واحد عنده مال ويتمتع بالصحة والعافية عنده عزوة من الأولاد بنين وبنات وقد نسوا أو تناسوا أن السعادة لا تكون إلا بامثال أوامر الله والسير على تعاليم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والنهي عما نهى الله ورسوله والتسليم المطلق لله تعالى لذلك من امثل أمر الله ورسوله هو السعيد حقا ومن خالف فهو الشقي فعلاً والسعادة الحقيقية في الآخرة وليست في الدنيا، فالصبر الصبر على المصائب والشدائد فما هي بجوار الآخرة إلا ثوان معدودة مقارنة بالبقاء الأبدي فلو طلبت منك مثلا ونحن في جو حار أن تقف في هذا الجو الحار ساعة ثم أجعلك تجلس منعما داخل البيت في جو مكيف بقية اليوم ولو طلبت منك أن تجلس ساعة في البيت في جو مكيف ثم أجعلك تجلس بقية اليوم في الجو الحار خارج البيت بالله عليك أيهما تختار لا شك أن العاقل سيختار ساعة في الجو الحار وبقية اليوم في داخل البيت في الجو المكيف.
هذا وإن عدالة الله تعالى تأبى كل الإباء أن يتساوى عندها المحقون والمبطلون والشر والخير والباطل والحق وحاشا لله أن يخلقنا لهذه الحياة القصيرة المختلط حلوها ومرها وفرحها وترحها ثم يحكم علينا بالإعدام النهائي الذي لا حياة بعده ولكن هناك حياة أخرى سعيدة وصفها رب العالمين في القرآن الكريم لأهل الطاعة من المسلمين المؤمنين الموحدين.
وقد أجمعت الأمم ونطقت الحوادث ونقل التاريخ مع مرور أيامه وتعدد لياليه على أن مخالفة السنن الطبيعية التي هي سنن الله الكونية التي لن تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً لا تكون إلا هلاكاً على المخالف لها الخارج على تعاليمها غير أن الهلاك والانتقام تارة يكون عاجلا وتارة يكون آجلا وفي النهاية ينال المفرط جزاءه ويحل به عقاب مخالفته وينزل عليه وعيد ربه، وبديهي أن مخالفة السنن الطبيعية هي خروج عن شرع الله تعالى فمثلا الغلو في الترف والانغماس في الشهوات أساس الفساد والإفراط في تناول الطعام مجلبة للأمراض والتبذير يؤدي إلى الخراب وإهمال الأولاد سبب في العقوق واختلاط المرأة بالرجل وترك حبلها على الغارب مما يفسدها على زوجها وإهمال بيتها وأولادها ودينها والخائن لوطنه لا بد أن يجد مصرعه وهكذا مما نشاهد ونسمع ومع هذا نشاهد حقائق واقعية أخرى فترى المطيع لله تعالى المنفذ تعاليم رسوله (صلى الله عليه وسلم) تحيط به السعادة من جميع جوانبه وقي كل أموره سعيد بصحته وماله وأولاده وزوجته وعشيرته في عمله، في مزرعته، في متجره، ترفرف عليه السعادة والطمأنينة ويظله النعيم والاستقرار ولقد صدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الكريم (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل ـ 97).
فالعارف بالله المتتبع لأحكامه السائر على منهجه سعيد قانع راض بكل شيء ومع أي حال مع الصحة والمرض مع الغنى والفقر في العسر واليسر والشدة والفرج لأنه يعلم ويعتقد أن كل شيء مرده إلى الله تعالى فيشكر عند الرخاء ويصبر عند البلاء ويرضى بمر القضاء والشاكر والصابر جزاؤهما الجنة ولقد أقر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه على ذلك حينما قالوا إننا نشكر عند الرخاء ونصبر عند البلاء ونرضى بمر القضاء فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(مؤمنون ورب الكعبة) وفي خبر آخر أنه قال:(حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء) إحياء علوم الدين.
إن حال المؤمنين في الدنيا التسليم المطلق لله العظيم عن قناعة واطمئنان فسعدوا في الدنيا والآخرة (والآخرة خير وأبقى) (الأعلى ـ 17)، فمن الأمور المسلم بها أن الدنيا مزرعة للآخرة فمن زرع هنا حصد هناك ومن لم يزرع هنا لا حصاد له وجزاء الآخرة قد أقرته الأديان السماوية كلها وجعلته شطر الإيمان بالله فمن لم يؤمن بالجزاء في الآخرة فلا يكون مؤمنا بالله تعالى لأن من أخص صفات الله تعالى العدل والرحمة والحكمة فلو تجردت الدنيا عن الجزاء في اليوم الآخر لما ظهر عدله سبحانه ولتعطلت حكمته وربوبيته وألوهيته تعالى الله عن ذلك علوا ًكبيراً.
هذا فضلاً عن تساوي الخبيث بالطيب والأعمى والبصير والأحياء والأموات والعقل والمنطق ينكران ذلك ونشاهد في الحياة صورا تستدعي الانتباه والتأمل منها أننا نرى الحظ تارة يوافي الشريرين ويُحجب عن الخيرين دون تمييز فكم من أشخاص خرجوا من الدنيا محظوظين وهم لا يزنوا عن الله جناح بعوضة وكم من أشخاص غيرهم قضوا حياتهم في عبادة ربهم وصدق إيمانهم بخالقهم وإخلاصهم لبني جنسهم فأطاعوا الله ورسوله وقدموا ما يملكوا من الخير لوطنهم ودينهم وقومهم ثم هم يلقون ربهم وحاجتهم في صدورهم لم يتحقق منها أي شيء ولا يملكون من الدنيا قليلا ولا كثيرا فهل يليق بأحكم الحاكمين خالق الإنسان والملائكة والجن والخلق أجمعين أن يسوي بين المحسن والمسيء إننا نستبعد هذا على المخلوق الضعيف فكيف بالخالق الكبير العظيم الجليل الكريم الحليم الذي أمره بين الكاف والنون إذا قال للشيء كن فيكون.
لذا كان من العبث والجحود أن يعتقد البعض بأن وجوده على الأرض محدود مربوط بهذا العمر القصير المنغص بالهموم والآلام والظلم والضغيان فمن طفولة لاحظ لها إلى شباب مثقل بمشاكل الحياة وتعبها ثم الكهولة والشيخوخة التي تنتهي بالضعف والشيب ثم الرد إلى أرذل العمر إن قدر للإنسان طول الحياة فلو كانت الحياة الدنيا منتهى ما للإنسان من وجود لكانت عبثاً ولكان الموت خيرا من الحياة وكان الحيوان البهيم أكثر منفعة من الإنسان وأعظم حظا منه لأنه لا يحزن على ما فاته ولا يفكر في ما فيه شقاته تعالى الله عن ذلك (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) (المؤمنون 115 ـ 116).
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

إلى الأعلى