الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (76)

تكـريـم الله للإنسان (76)

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولا عـن هـدي القـرآن للتي هي أقـوم، ومن هـدي القـرآن للتي هـي أقـوم: فهـو يهـدي إلى التقـدم العـلمي، لأن التـقـدم لا يـنافي التمسك بالـدين، فـما روجـه أعـداء الإسـلام مـن الملحـدين والمغـرضين لـضـعـاف العـقـول ممـن ينتمي إلى الإسـلام، مـن أن التقـدم لا يمـكـن إلا بالانسـلاخ مـن الـدين الإسـلامي، إن هـذا التـرويج باطـل لا أساس له، والقـرآن الـكـريم يـدعـو إلى التـقـدم في جـميـع ميـادين الحـياة، التي لها أهـمية في الـدنيا أو الـدين.
ولكـن ذلك التـقـدم في حـدود الـدين، والتحـلي بآدابه الـكـريمة، وتعـاليمه السماوية، وسـلـوكه الفـريـد، قال الله تبارك وتعـالى:(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الأنـفال ـ 60).
وقال الله تعـالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (سـبأ 10 ـ 11)، وهـذا لا شــك يـدل عـلى الاسـتعـداد لمـكافحـة العـدو، وكما يـدل عـلى أن ذلك الاسـتعـداد لمـكافحـة العـدو في حـدود الـدين الحـنـيـف وداود نبي مـن أنبـياء الله الـذين ذكـرهـم الله في سـورة الأنعـام في قـوله تبارك وتعـالى:(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الأنـعـام 83 ــ 87).
وقـد قال الله تبارك وتعـالى مخـاطـباً الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)، وعـليهـم بعـد أن ذكـرهـم: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ) (الأنعـام ـ 90) فـدل ذلك عـلى أنا مخـاطـبـون بما تضمنته الآيـة مما أمـر به النبي داود ، فـعـلينا أن نسـتعـد لـكفاح العـدو مـع التمسـك بـديننا ، ومـن أوضـح الأدلة في ذلك قـوله تـبارك وتعـالى:(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) (النساء ـ 102).
فـصـلاة الخــوف المـذكـورة في هـذه الآيـة الكـريمـة: تـدل عـلى لـزوم الجـميـع بين مـكافحـة العــدو، وبين القـيام بما شـرعه الله مـن دينه، فأمـره تعـالى في هـذه الآية بإقامـة الصلاة في وقـت التحـام الـكـفـاح المسلـح يـدل عـلى ذلك دلالة في غـاية الـوضـوح، وقـد قال تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال 45 ـ 46).
فأمـره في هــاتـين الآيـتـين الكـريمـتـين بـذكـر الله كـثيرا عـنـد التحـام القـتـال، يـدل عـلى ذلك أيضـا دلالة واضحـة، أن الإنـسان مأمـور أن يـأخـذ بالأسـباب، ويـكل الأمـر بـعـد ذلك إلى خـالـق الأسـباب، لأنـه هـو المتصـرف في الأسـباب.
وليس هـناك تـعـارض بين التـقـدم العـلمي، وبين التمسك بـعـرى الـدين، وإنما نشـا ذلك التعـارض في مخـيلة المهـزومين مـن ضـعـفـاء الإيـمان، الـذي تأثـروا بالملحـدين وغـيرهـم مـن أعـداء الإسـلام، والإسـلام بـريء مـن ذلك.
فالكـفار خـيلـوا لـضـعـاف العـقـول، أن النسبة بين التـقـدم والـتمسك بالـدين والسمت وحسـن والأخـلاق الكـريمة، تباين مقـابلة كـتباين النقـيضـين كالعـدم والإثـبات أو الضـدين كالسواد والبياض أو الحـركـة والسكـون أو المتضادين كالأبـوة والبـنـوة والأعـلى والأسـفـل أو الأعـمى والبـصير أو الظـلمات والنـور.
وإنه مما لاشـك فـيه أن الإنسان مـدني بالطـبع، ولا بـد مـن أن يعـيـش في مجـتمع وقـد جـعـله الله خـليـفة في الأرض، وقـد أودع الله الأرض بكل مقـومات حـياة الإنـسان، وكل ما يصلح به أمـره، ويستـقـيم عـليه شـأنه مـن مادة ظاهـرة وباطـنة.
فـعـليه أن يستـغــل ذلـك اسـتـغـلالاً صالحاً، وأن يـوزع جـهـود أفـراده في سـبيـل تحـقـيـق هـذه الـغـايـة، تـوزيعـاً يعـين عـلى الـوصـول إلـيها وييسـر صـعابـها ويـذلـل عـقـباتها، فـإذا اخـتـل المـيزان في هـذا التـوزيـع فإن الحـيـاة في المجـتـمع تـتـعـقـد بمـقــدار اخـتـلاله، ويشـعـر أفـراده بالاضـطـراب وعـدم الاسـتقـرار، وبالتالي تـتـلاشى السـعـادة ويفـقـد الاطـمئنان.
ومـثل ذلـك كمثـل جـماعـة في مـؤسسة ما، ووزع العـمـل عـلى حسب إمـكانات كل فـرد في المجـوعـة، فإذا أدى كل مـنهـم عـمله عـلى الـوجـه الأكـمل المطـلـوب، سـارت الأمـور عـلى ما يحـبـون، وظهـرت الثـمـرة يانعـة فحـمـدت الأعـمال، وإذا فـرط أحـد فـيـما كلـف بـه مـن عـمـل، تعــرض الجـمـيع للخـطـر، عـلى قـدر هـذا الـتفـريـط قـوة وضـعـفـا قـلة وكــثرة.
ولـذلـك قام التـشـريع الإسـلامي للمجـتـمـع عـلى أساس التعـاون، والـتكافــل في سـبيـل أن يعـيـش المجـتـمع عـلى الـبـذل والجهـد الجـماعي، كل فـرد يخـدم المجـتـمع، من خـلال ما يقـدمه مـن عـمـل، فالـتاجـر يخـدم المجـتـمع مـن خـلال تجـارته، والـزارع يخـدم المجـتـمع مـن خـلال ما يـزرعـه، والصانع يخـدم المجـتـمـع مـن خـلال ما يصـنعـه والمعـلم يخـدم المجـتـمع، مـن خـلال ما يـبـذله مـن جـهـد، في التعـلـيم وتـربية الأجـيال والـكل يـنـتـفـع مقـابـل مـن يـبـذل مـن جهـد، وهـكـذا دوالـيـك.
ولهـذا حـرم الـربا في الشريعـة الإسـلامية، لأنه اكتساب للمال بغــير عـمـل، فـهـو تعـطـيـل لصاحـب الـمال، وتحـويـل إلى عـضـو أشـل لا فائـدة للمجـتـمـع تعـود إلـيه، فهــو نهـبة للمـال ومكسـب بغــير جهـد يقـدمه.
وإذ حـرم الإسـلام المـيسـر والقـمـار، فـلصالح الفـرد والمجـتمـع، لأن المـيسـر والقـمار فـيه اسـتـلاب واسـتـيـلاء للمال دون مـقـابـل عـمـل أو جهـد، كما حـرم التـسـول والغـصـب والسـرقة ، والاخـتـلاس وأكـل أموال الناس بالـباطـل.
ولهـذا أيضا حـرم الإسـلام اكـتساب المال بـتـعـاط بعـض الأعـمال، التي تضـر بالفـرد والمجـتـمـع، مـثـل البيـع عـن طـريـق الغــش، وقـد فـشا هـذا النـوع مـن البيـع (للأسـف) في أوسـاط المسلـمـين، حـتى أنـك لتعـرفـنهـم في حـن القـول ومـن فـحـوى خـطـابهـم، بـترويجـهـم لبضائعـهـم.
دخـل الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) يـوماً السـوق، فأدخـل يـده الشـريفة في الطـعـام فـخـرجـت مبـلـلة، فـقـال:(ما هـذا يا صاحـب الطـعـام؟)، فـقـال الـبائـع أصابته السماء يا رسول الله، فـقـال الرسـول:(هـلا أظـهـرته مـن غـشنا فـليس منا).
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى