الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بنوك الدم .. والحكم الشرعي (5 ـ 5)
بنوك الدم .. والحكم الشرعي (5 ـ 5)

بنوك الدم .. والحكم الشرعي (5 ـ 5)

أثر نقل الدم من المتبرع، هذه الحالة مبنية على مسألة فساد الصوم بالحجامة واختلف أهل العلم فيها على قولين الحجامة لما لم تمكن إلا من اثنين جاز أن يجعل الشرع فعل أحدهما الذي لا يتم فطر الآخر إلا به فطراً
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(بنوك الدم) للباحث حسن بن علي بن سيف الشعيبي.
يستكمل الباحث قائلاً: أما المطلب الثالث فهو أثر نقل الدم من حيث كونه مفطراً للصائم، وهذا الاثر لنقل الدم يتعلق بالمتبرع والمريض المتبرع له، ويتعلق بالطبيب أو الممرض الذي يقوم بسحب الدم من المتبرع، أولا: أثر نقل الدم من المتبرع، فهذه الحالة مبنية على مسألة فساد الصوم بالحجامة اختلف أهل العلم فيها على قولين:القول الاول: الحجامة ليست من مفطرات الصيام، وهو مذهب الجمهور، والقول الثاني: أنها من المفطرات. وهو مذهب الحنابلة، فأدلة القول الأول: حديث عبدالله بن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، وفي رواية:(احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم)، وفي رواية: (احتجم رسول الله وهو محرم صائم)، ولو كان الاحتجام يفطر لما فعله، وقوله (صلى الله عليه وسلم):(ثلاث لايفطرن الصائم: الحجامة والقيئ والاحتلام)، وحديث:(رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم والحجامة)، سئل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ فقال: لا إلا من أجل الضعف. وفي رواية: على عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وعن رجل من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمها إبقاءِ على أصحابه، لأن الحجامة ليست إلا إخراج شيء من الدم والفطر إنما يكون مما يدخل وليس مما يخرج، فقياس خروج الدم بالحجامة على خروج البول والغائط، بجامع أن كل حدث تنتقض به الطهارة، وأدلة القول الثاني: قوله (صلى الله عليه وسلم):(أفطر الحاجم والمحجوم)، قياس الحجامة على الاستيقاء والاستنماء في الفطر، بجامع أن كلافيه استخراج ما به قوام البدن، وثانياً: أثر نقل الدم على المريض المتبرع له بالدم، مبني على مسألة فساد الصيام بما يصل إلى الجوف من غير طريق الفم، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يفسد الصوم بما يصل إلى الجوف من غير طريق الفم. وهو مذهب الجمهور إلا أنهم اختلفوا في تفصيل ذلك على ما يأتي: أولاً ـ المذهب الإباضي: يجب الإمساك عما يصل الجوف من أي المنافذ وصل مغذيا كان أو غير مغذي، ثانياً ـ المذهب الحنفي: يفسد الصوم بكل ما يصل إلى الجوف من المنفذ المعتاد المفتوح من كالأنف والأذن والدبر، ولا يفسد بما يصل عن طريق المسام كالاكتحال، وأما منفذ غير المعتاد المفتوح كالدواء الذي يصل إلى الجوف في معالجة الجائفة والآمة على، فإذا كان الدواء يابساً فلا يفسد الصوم بذلك لأنه لا يصل إلى الجوف وأما إذا كان الدواء رطباً فقولان: الأول: يفسد، والثاني: لا يفسد، وثالثاً ـ المذهب المالكي: يفسد الصوم بكل ما يصل إلى الجوف، ولو عن غير الطريق المعتاد، سواء كان هذا الطريق واسعاً أو ضيقا كالمسام، إن كان هذا المنفذ عالِ كالأذن والعين، فيفطر بالكحل، أما ما يصل المعدة من منفذ سافل فلا بد أن يكون واسعاً كالدبر ولا يكون ضيقا كالخرق الصغير الذي يصل إلى البطن، ورابعاً ـ المذهب الشافعي: يفسد الصوم بكل ما يصل الجوف ولو عن غير المنفذ المعتاد بشرط أن يكون المنفذ مفتوحاً فيفطر بمداواة الآمة والجائفة، ولا يفطر بالكحل، وخامساً ـ المذهب الحنبلي: يفسد الصوم بكل ما يصل إلى الجوف ولو من غير المنفذ غير المعتاد سوء كان مفتوحاً أو غير مفتوح فيفطر بالكحل وبمداواة الآمة والجائفة، ولا يفطر بالتقطير بالإحليل لأنه لا يصل إلى الجوف، والقول الثاني: لا يفسد الصوم بما يصل الجوف من غير طريق الفم، وهو مذهب الظاهرية، فأدلة القول الأول: قوله (صلى الله عليه وسلم):(وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، ولأنه واصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل، ودليل القول الثاني: إن الله تعالى إنما نهانا في الصوم عن الأكل والشرب، ولا يكون الأكل والشرب في الأنف أو العين أو الأذن أو المسام، وثالثا: أثر نقل الدم على الطبيب الذي يقوم بسحب الدم من المتبرع، تنبني مسألته على الحاجم هل يبطل صومه بذلك أم لا؟ القول الأول: أنه لا يبطل صيامه بذلك، وهو قول القائلين بعدم بطلان الصوم بالحجامة كما سبق، والقول الثاني: يبطل صيامه بذلك، فأدلة القول الأول: هي الأدلة التي استدلوا بها على كون الحجامة لا تفطر الصائم، اما أدلة القول الثاني فهي ما سبق من حديث:(أفطر الحاجم والمحجوم)، لما كان الحاجب يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء الدم ودخل فيحلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية، علق الحكم بمظنتها، كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها، علق الحكم بالمظنة وهو النوم، وإن لم يخرج منه ريح.
وأشار الباحث الى إن الحجامة لما لم تمكن إلا من اثنين جاز أن يجعل الشرع فعل أحدهما الذي لا يتم فطر الآخر إلا به فطراً، وأن يجعل تفطير الصائم كما قيل في الجماع وهذا بخلاف الإطعام والإسقاء، فإن ذلك يمكن أن يكون من واحد، فليس فعل الآخر شرطاُ في وجوده، فإذا كان المعين له على صومه بعشائه بمنزلة الصائم جاز أن يكون المفسد لصومه بمنزلة المفطر .. وخص الحاجم بهذا من بين المطعم والمسقي، فإنه لو امتنع عن حجمه لم يفطر بخلاف المطعم والمسقي فإن أكل ذلك وشربه غير منوط بفعل غيره، والمطلب الرابع: أثر نقل الدم من حيث نشره للحرمة بين المتبرع والمتبرع له: وهذا الأثر يتعلق بالمتبرع والمتبرع له، وقد اتفق المعاصرون على أن نقل الدم من إنسان لآخر لا يكون سببا نشر الحرمة.
وختم الباحث بقوله: انه قد صدرت الفتاوى بأن نقل الدم من إنسان إلى آخر لا يكون سبباً من أسباب نشر الحرمة، من المجمعات الفقهية والهيئات واللجان الشرعية والمجالس العلمية المختلفة، ومنها: المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وجاء في قرار لهم ما نصه: (وبعد مناقشات كن أعضاء المجلس انتهى بإجماع الآراء إلاأن نقل الدم لا يحصل به التحريم وأن التحريم خاص بالرضاع)، أما الأدلة التي تدل على ذلك فهي: أن الله عز وجل بعد أن ذكر المحرمات من النساء قال:(وأُحلّ لكم ما وراء ذلكم ..) (النساء ـ 24)، ووجه الدلالة: أن الله تبارك وتعالى أحل لنا ماعدا المحرمات المذكورة قبل وليس نقل الدم منها فيكون داخلاً فيما أحله الله تعالى، وأن النص لم يرد بكون الرضاع سبباً من أسباب التحريم، والتحليل والتحريم إنما هو حق من حقوق الله تعالى لا يجوز لأحد أن يتعداه، وأنه إذا كان الحقن باللبن لا يتحقق فيه معنى الرضاع، فمن باب أولى أن لا يتحقق في الدم المحقون.

إلى الأعلى