الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تجربة الإعلام الفلسطيني حسناتها ومثالبها

تجربة الإعلام الفلسطيني حسناتها ومثالبها

علي بدوان

”.. بلغ عدد المطبوعات بحدود (241) جريدة ومجلة كانت تصدر في تلك الفترة في فلسطين، منها (41) صحيفة باللغة العربية، بينما كانت هناك خمس صحف تصدر بلغت أجنبية. وتنوعت الصحف في موادها بين السياسية والاقتصادية والأدبية والدينية بالإضافة إلى الصحف ذات المحتويات المختلطة، وهذه ظاهرة امتازت بها فلسطين عن باقي البلدان العربية المجاورة.”

مَرَّ الإعلام في فلسطين قبل النكبة، وتحديدًا الصحافة المكتوبة في حينها والتي كانت هي الرائجة، بأربع مراحل تاريخية في نشوئها وتطورها. ابتدأت المرحلة الأولى منها بظهور الصحف باللغة العربية في القدس عام 1876، في عصر الوجود العثماني، وانتهت هذه المرحلة بإيقاف إصدار هذه الصحف في بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914. وكانت الصحف الأولى باللغة العربية رسمية، حيث عملت الحكومة العثمانية على إصدار صحيفتين رسميتين، هما “القدس الشريف” باللغتين العربية والتركية وصحيفة الغزال باللغة العربية فقط، وكان الشيخ علي الريماوي يترأس تحرير الصحيفتين العربيتين.
أما المرحلة الثانية في تطور الصحافة الفلسطينية فامتدت من عام 1919 إلى العام 1948 وشهدت في هذه الفترة نهوضًا سريعًا ونموًّا كبيرًا رغم الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة. ومما ساعد على ذلك تطبيق اللغة العربية في مدارس فلسطين وفقًا للدستور الذي صاغته ووضعته سلطات الانتداب الاستعمارية البريطانية.
وبلغ عدد المطبوعات بحدود (241) جريدة ومجلة كانت تصدر في تلك الفترة في فلسطين، منها (41) صحيفة باللغة العربية، بينما كانت هناك خمسة صحف تصدر بلغت أجنبية. وتنوعت الصحف في موادها بين السياسية والاقتصادية والأدبية والدينية بالإضافة إلى الصحف ذات المحتويات المختلطة، وهذه ظاهرة امتازت بها فلسطين عن باقي البلدان العربية المجاورة.
ومع نكبة فلسطين توقفت جميع الصحف العربية والناطقة باللغة الإنجليزية في فلسطين، باستثناء صحيفة الاتحاد الحيفاوية التي بقيت مستمرة حتى الآن في صدروها، وذلك لأسباب مختلفة منها أنها كانت ناطقة بلسان حزب عربي استمر في تواجده بعد النكبة داخل مناطق العام 1948.
أما المرحلة الثالثة في تطور الصحافة الفلسطينية، فقد امتدت في الفترة ما بين عام 1949 والعام 1967، وفيها تراجعت الصحافة الفلسطينية بفعل النكبة، ونتيجة لذلك امتزجت تلك التجربة الإعلامية مع مرور الزمن بالتداعيات اللاحقة التي تأتت بعيد نكبة فلسطين، وتحطم أخر الامتثالات الكيانية الوطنية للشعب الفلسطيني، فاندمج العشرات إن لم نقل المئات من مبدعي فلسطين وكتابها وصحفييها في الإعلام العربي، خصوصًا في لبنان، حيث برزت أسماء لامعة في سماء الإعلام العربي كان روادها من الإعلاميين ومن كافة الاختصاصات من أبناء فلسطين، ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر العشرات من ساهموا ببناء العمل الإعلامي في لبنان والأردن وسوريا إلى حد كبير … (شفيق الحوت، نبيل خوري، جوليانا سيرافيم، وبول غيراغوسيان، ناجي ‏العلي، إبراهيم غنام، توفيق عبدالعال، مليحة أفنان، إسماعيل شموط، محمد الشاعر، كميل حوا، غسان كنفاني، نايف شبلاق، توفيق صايغ، كنعان أبوخضرا، جهاد ‏الخازن، نجيب عزام، الياس نعواس، سمير صنبر، الياس صنبر، الياس سحاب، الياس خوري، خازن عبود، يوسف الخطيب، عبدالله حوراني، محمد العدناني، زهدي جار الله، رشيد الخالدي، أنيس صايغ، وليد الخالدي، الدكتور محمد يوسف نجم، الدكتور إحسان عباس، داود يعقوب، طالب يعقوب، كامل قسطندي،غانم الدجاني، صبحي ابولغد، ناهدة ‏فضلي الدجاني، عبدالمجيد أبولبن، شريف العلمي، فايز قنديل، رشاد البيبي، سميحة مخلص، صبري شريف، سناء الريس، فاطمة خزندار …).
وفي المرحلة الرابعة التي تلت عدوان حزيران/يونيو 1967، فإن تحوّلات نوعية طرأت على الإعلام الفلسطيني، في ظل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وانطلاقة المقاومة الفلسطينية وفصائلها المقاتلة أولًا، وفي تطور وسائل وتقنيات الاتصال ثانيًا، وتزايد الحاجة وملحاحية العمل الإعلامي ليتكاتف مع العمل الفدائي ومع العمل السياسي ثالثًا.
وقد تم خلال المرحلة إياها إنشاء مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، وهي المؤسسة الوحيدة التي حافظت على وجودها حتى اللحظة بالرغم من الشح والجفاف المالي الذي تعرضت له خلال العقود الثلاثة الأخيرة (وبالمناسبة فإن مؤسسة الدراسات لاتتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا لأي من فصائلها). واستطاعت مؤسسة الدراسات أن تصدر مئات الكتب والكراريس والدراسات التي تناولت القضية الفلسطينية، وفي تأريخ وتدوين مراحل النضال الفلسطيني. وتضم مكتبتها الرئيسية وأرشيفها المركزي آلاف الوثائق الفلسطينية الهامة التي تعود لفترات ماقبل النكبة.
كما تم في الفترة ذاتها إنشاء مركزي الأبحاث والتخطيط التابعين لمنظمة التحرير، وصدر عنهما أيضًا، مئات المطبوعات والوثاق الهامة، وبعض الدوريات والشهريات، ومنها على وجه التحديد شهرية (شؤون فلسطينية). إلا أن أحوال المركزين أمست بعد العام 1982 وخروج القوات الفلسطينية من بيروت في حال صعبة، وتراجع أدائهما إلى درجة الصفر. بل وأكثر من ذلك فإن قوات الاحتلال استهدفت مبنى مركزي التخطيط والأبحاث في بيروت أثناء دخولها لبيروت نهاية صيف العام 1982، واستولت على كامل الوثائق وعلى الأرشيف الخاص بالمركزين، إلى أن أفرجت عنهما في صفقة تبادل الأسرى عام 1984، ولكن تلك المحتويات والوثائق بقيت إلى الآن وللأسف في (معسكر تبسه) في صحراء الجزائر، الذي اتخذته بعض الوحدات العسكرية الفدائية الفلسطينية بعد الخروج الفلسطيني المسلح من بيروت، دون أن يتم إعادة تخزينها مرة ثانية بطريقة علمية.
وفي المرحلة الثالثة المُشار إليها أيضًا، انطلقت أول إذاعة فلسطينية ناطقة باسم الثورة الفلسطينية في أيار/مايو 1968 من مدينة درعا السورية، وقد وجهت بثها بشكل رئيس باتجاه فلسطين المحتلة. واستمرت في أداء عملها الإعلامي انتقالًا من مكان لآخر.
وعليه، ففي ظل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في أيار/مايو 1964، ومع الانطلاقة المعاصرة للثورة الفلسطينية، حقق الإعلام الفلسطيني قفزة جيدة وملحوظة بشكل عام، حين أولت كل فصائل العمل الوطني الإعلام والعمل الإعلامي اهتمامًا خاصًّا ولو بتفاوت من فصيل لآخر، حيث بلغت أعداد المطبوعات والصحف الفلسطينية الفصائلية وغيرها أرقامًا غير مسبوقة.
وبالطبع، فإن تطور العمل الإعلامي الفلسطيني إلى جانب نهوض المقاومة، دفع بدولة الاحتلال الصهيوني لاستهداف رموز الإعلام الفلسطيني والمثقفين، بسبب دورهم الإعلامي المميز، ولهذا استهدفتهم فاغتالت الشهيد غسان كنفاني باعتباره من رواد بناء العمل الإعلامي الفلسطيني، كما استهدفت الشاعر والمثقف كمال ناصر، ووائل زعيتر، ومحمود الهمشري، علي فودة,أنيس صايغ، نِعَم فارس، هاني جوهرية …. وغيرهم، كما استهدفت مركز الأبحاث بوضع المتفجرات والسيارات المفخخة في مكان قريب منه .. وربما حاولت اغتيال آخرين، وشاركت في اغتيال فنان الكاريكاتير الفذ ناجي العلي، ورئيس مركز الأبحاث صبري جريس… وغيرهم.
لكن المرحلة الرابعة في العمل الإعلامي، التي انطلقت في بدايات مُبشّرة، وحققت إنجازات ملموسة وهامة، إلا أنها راوحت عند حدود معينة بسبب من غياب عقلية المأسسة في الحالة الفلسطينية بشكل عام، وسيادة منطق الاستحواذ والابتلاع، وسيادة المنطق الفصائلي.

إلى الأعلى