الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المغامرة الخطرة لحيدر العبادي

المغامرة الخطرة لحيدر العبادي

لا يزال نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، يحتفظ بقوة في السياسة العراقية ويمكن أن يفسد عملية التشكيلة الوزارية الجديدة. وإن كان بعض الدبلوماسيين والساسة القريبين من المشهد يعتقدون بأنه حتى لو كان يشعر بعدم الارتياح حيال بعض الأسماء المطروحة، إلا أنه راضٍ بشكل عام عن التشكيلة الوزارية المقترحة لأنها تبقي منصب رئيس الوزراء في أيدي حزبه.

يواجه العراق ضغوطا مالية كبيرة في وقت تتواصل فيه الحرب على ما يعرف بتنظيم الدولة(داعش). وآخر شيء يحتاجه البلد هو أزمة سياسية عاصفة. غير أن ذلك ما يحدث، إذا لم تعمل الولايات المتحدة وإيران معا على مساعدة رئيس الوزراء في تجنب ذلك.
وقد بدأت المشاكل الأخيرة في الـ31 من مارس الماضي، عندما قدم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تشكيلة وزارية جديدة لمجلس النواب. وبالطبع فإن هذا من صلاحياته، لكنه عمل ذلك دون موافقة الأحزاب السياسية التي تهيمن على المجلس. وأغلب المرشحين من قبل العبادي هم فنيون إصلاحيون (تكنوقراط) وأشخاص محل تقدير وأصحاب مؤهلات ممتازة، لكنهم لا يمثلون الأحزاب الرئيسية العراقية ولا يحظون بتأييدها.
لقد قام العبادي بفعل ذلك تحت ضغوط هائلة. فهناك استياء واسع من عجز الحكومة عن معالجة مشاكل الاقتصاد وإدارة الدولة. فمنذ أشهر يطالب نشطاء وآية الله علي السيستاني المرجعية الشيعية العليا في العراق، بإجراء قدر من الإصلاحات بما في ذلك تقليص حجم الحكومة وتحسين الخدمات وتقليص الإنفاق المهدر ومحاربة الفساد.
وبإعلان تشكيلته الوزارية الجديدة يسعى العبادي إلى مناورة الزعماء السياسيين في العراق، ربما لاعتقاده بأنه لو طرح فريق مؤهل ومحل احترام يحظى بدعم آية الله السيستاني فمن شأن ذلك أن يجبر الآخرين على الإذعان.
غير أن ذلك لم يحدث. وذلك لمعارضة عدد من اللاعبين السياسيين الآخرين الذين لهم أنصار أقوياء داخل المجلس ـ بما ذلك أكراد وشيعة وسنة ذوي نفوذ. وقد أوضح عمار الحكيم زعيم المجلس الإسلامي الأعلى في العراق وهو حزب شيعي قوي أنه إذا لم يكن مجلس الوزراء مرتبطا بأي حزب سياسي، يكون على رئيس الوزراء ويقصد العبادي هنا والذي ينتمي إلى حزب الدعوة أن يتقدم بالاستقالة. وسرعان ما سحب الجيولوجي الكردي الذي تم تسميته لحقيبة النفط ترشيحه، لأنه بحسب قوله لم يتم طرح ترشيح من قبل أي من الأحزاب الكردية. والخبير الفني الشيعي محل التقدير الذي تم ترشيحه لحقيبة المالية والتخطيط سحب ترشيحه هو الآخر.
وسوف تكون المواقف من طرفين من الداخل وطرفين من الخارج حاسمة في تقرير ما هو آت.
فلا يزال نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، يحتفظ بقوة في السياسة العراقية ويمكن أن يفسد عملية التشكيلة الوزارية الجديدة. وإن كان بعض الدبلوماسيين والساسة القريبين من المشهد يعتقدون بأنه حتى لو كان يشعر بعدم الارتياح حيال بعض الأسماء المطروحة، إلا أنه راضٍ بشكل عام عن التشكيلة الوزارية المقترحة لأنها تبقي منصب رئيس الوزراء في أيدي حزبه، وتستبعد أولئك الذين يعتقد أنهم هم من كانوا المسئولين عن الإطاحة به في أغسطس 2104. وسوف يكون آية الله السيستاني هو اللاعب الرئيسي الآخر. فموافقته على تشكيلة وزارية إصلاحية يمكن أن يكون لها وقع كبير ويمكن لمعارضته أن تمثل ضربة قاتلة.
أما الإيرانيون، والذين يعملون في العادة كوسطاء بين الجماعات الشيعية، فهم في الغالب متشككون في العبادي وينظرون إليه على أنه وثيق الصلة بالولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد عارضت إيران مؤخرا الإطاحة برئيس الوزراء، ربما خشية أن المفاوضات المطولة حول خليفته يمكن أن تزيد من تفكك الأحزاب الشيعية وتحول الموارد الدبلوماسية والأمنية بعيدا عن محاربة داعش. وربما تدرك إيران أيضا أن النجاح المستمر ضد التنظيم الجهادي يتطلب معالجة مخاوف السنة العراقيين وليس تشجيع النزعة الطائفية.
كما لعبت الولايات المتحدة دورا مؤثرا في تسهيل الاتفاقات بين العراقيين في السنوات الأخيرة. وتتمتع الولايات المتحدة بعلاقة عمل جيدة مع العبادي حسبما أكد وزير الخارجية الأميركي جون كيري في زيارته الأخيرة لبغداد. غير أن المسئولين في واشنطن، شأنهم شأن نظرائهم الإيرانيين، قلقون من أن الأزمة السياسية في بغداد يمكن أن تؤخر الحملة لاستعادة الموصل من داعش. كما يمكن للأزمة السياسية أن تقوض محاولات العراقيين في التعاطي مع مشاكلهم المالية.
ويمكن أن تتمثل الحصيلة المثالية في الاختيار السريع لكل التشكيلة الوزارية بشكل مستقل عن الأحزاب السياسية. غير أن ذلك لا يمكن تحقيقه من الناحية السياسية حتى الآن. وفي غضون ذلك، يمكن للولايات المتحدة وإيران أن تساعد العراق على تجنب الأزمة عن طريق تشجيع الزعماء العراقيين على منح العبادي بعض ـ وليس كل ـ التغييرات الحكومية التي يريدها. ويتم مقايضة البقية مقابل التأييد الحاسم من قبل الأحزاب السياسية. وإحدى الطرق لذلك يمكن أن تتمثل في اتفاق بأن يرشح العبادي نصف الحقائب الوزارية الـ14 التي يعزم تغييرها مع السماح للأحزاب الرئيسية بترشيح النصف الآخر. ومثل هذا التطور يمكن أن يمثل تقدما على طريق الإصلاح.
يجب على كل من واشنطن وطهران الاهتمام بالوصول إلى حل عاجل للأزمة السياسية في بغداد. كما أن عليهما العمل بشكل متوازٍ من أجل التوصل إلى تسوية سريعة بين الأحزاب السياسية ورئيس الوزراء. وعلى واشنطن وطهران أن تنسقا مع بعضهما بعضا وتنخرطا مع الزعماء العراقيين لضمان عدم استفحال مغامرة العبادي.

زالماي خليل زاد
السفير الأميركي لدى العراق في الفترة من 2005 إلى 2007.
أحدث مؤلفاته (مذكرات سفير) خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى