الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أزمة القرم بين التفكيك والتركيب

أزمة القرم بين التفكيك والتركيب

” .. حين بدا أن “التفكيكية” تواصل منحى الصعود، تقوم روسيا ـ وبمساندة ضمنية من الصين واتفاق على وحدة وتماسك إيران ـ بخطوة تكاد تبدو حرفا بمقدار مئة وثمانين درجة لمسار الأوضاع في العالم. وكأنما تبدأ “عملية تركيبية” تعيد رسم حدود وتكوينات دول وأمم سواء على أسس قديمة كانت قبل نصف قرن أو أكثر أو على أسس جديدة مختلفة تماما تتبلور الآن.”
ــــــــــــــــــــــــ
قبل عدة سنوات، وبعد غزو واحتلال العراق، دار نقاش بيني وبين صديق عراقي كان من المتحمسين لما جرى (وشغل منصبا حكوميا في بداية حكومات الاحتلال قبل أن يهجر العراق يأسا). عبرت عن تشاؤمي بمستقبل بلاده، والخشية من التفتيت على أسس عرقية وطائفية، فرد عليّ بأني متمسك بأفكار بالية وأن من حق الناس أن تختار أن تظل في دولة واحدة أو تقرر مصيرها في شكل فدرالية أو كونفدرالية أو حكم ذاتي أو غيره. واذكر أني ضربت مثلا على تخوفي بمدينة حلب (وكانت سوريا ما زالت سوريا) التي تضم أكرادا وتركمان وسريان وعربا سنة وشيعة ومسيحيين وغيرهم، لكن صديقي تجاهل المثال واعتبر ان تلك مقارنة لا تصح.
تذكرت ذلك مع متابعة الأزمة الأوكرانية وضم روسيا لشبه جزيرة القرم فيما يبدو حرفا لتطور دولي نشهده منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي يتميز بعملية “تفكيك” للدول والأمم في إطار ما وصف تارة بأنه “نظام عالمي جديد” أو “نهاية التاريخ” إلى غير ذلك من لغو الكلام. بدأ “العملية التفكيكية” بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق وانتهاء الثنائية القطبية في العلاقات الدولية مع تفتت المعسكر الشرقي ـ وإن لم يقابله بالضرورة تعزز المعسكر الغربي ـ وتوسعة الاتحاد الأوروبي. وتوالت التغييرات في أنحاء العالم من يوغسلافيا السابقة إلى المملكة المتحدة، ولم يكن نصيب منطقتنا بالقليل. ففي السنوات الأخيرة أصبح السودان سودانين وتوشك ليبيا أن تصبح أربعة ويكاد اليمن يكون يمنين أو أكثر. وها هي سوريا محل تفتيت على عدة أسس مختلفة فتكاد تتجاوز العراق في التفكك .. وهلم جرا.
وهكذا، وحين بدا أن “التفكيكية” تواصل منحى الصعود، تقوم روسيا ـ وبمساندة ضمنية من الصين واتفاق على وحدة وتماسك إيران ـ بخطوة تكاد تبدو حرفا بمقدار مئة وثمانين درجة لمسار الأوضاع في العالم. وكأنما تبدأ “عملية تركيبية” تعيد رسم حدود وتكوينات دول وأمم سواء على أسس قديمة كانت قبل نصف قرن أو أكثر أو على أسس جديدة مختلفة تماما تتبلور الآن. لهذا أتصور أن ضم روسيا للقرم، وحتى رد الفعل الغربي عليه، يتجاوز كثيرا المقارنات السريعة مع ما يجري في سوريا أو الأزمة مع إيران وحتى مقولات محاولة موسكو استعادة دور دولي فقدته بنهاية “الحرب الباردة” وثنائية القطبية في العلاقات الدولية. ولا يمكن هنا الوقوف عند القرم وحدها، باعتبارها تضم أغلبية ناطقة بالروسية (وقد استخدمت موسكو مبررا استخدمته الولايات المتحدة وحلفائها في تفكيك دول وأمم وهو حماية حرية الشعوب والأقليات، ولنتذكر حجة صديقي العراقي)، فتلك حالة متكررة في منطقة البلطيق وبحر قزوين ما أثار رعب بقية دول آسيا الوسطى.
فأغلب دول الاتحاد السوفييتي السابق بها جاليات كبيرة ناطقة بالروسية، وتعتبر نفسها روسية، وتعد دول البلطيق مثالا بارزا على ذلك. وبعض تلك المجموعات تثير قلاقل انفصالية في السنوات الأخيرة وتدفع باتجاه إعادة ترسيم حدود أو بالحصول على حكم ذاتي في إطار الدول التي تقيم فيها. خذ على سبيل المثال موقف الرئيس البيلاروسي (رئيس روسيا البيضاء) الكسندر لوكاشينكو الذي حاول منذ بداية الأزمة في أوكرانيا أن يأخذ جانب موسكو. وناهيك عن علاقاته غير الجيدة مع الغرب عموما، فإنه يتذكر التاريخ القريب جدا الذي كانت فيه عدة مدن من روسيا البيضاء جزءا من الاتحاد السوفييتي مثل غوميل وموغليوف وفيتبسك. وكما هو متوقع ايضا اعترفت كازاخستان باستفتاء استقلال القرم عن أوكرانيا، إذ تخشى تلك الدولة الغنية بالنفط من مطامع روسيا في منطقة بحر قزوين، وإن تحاشى الرئيس الأوزبكستاني نور سلطان نزارباييف أي تعليقات بشأن “ضم” القرم، فقد حذا حذوه الرئيس الأرمني سيرج ساركيسيان الذي وافقت بلاده على الانضمام للاتحاد الجمركي الذي تقوده موسكو ويضم كازاخستان وروسيا البيضاء. واكتفى ساركيسيان بالتأكيد على حق “الشعوب في تقرير مصيرها”، وفي ذهنه اقليم ناغورنو كراباخ الذي تسعى أذربيجان إلى ضمه من أرمينيا وخاض البلدان حربا حوله مطلع التسعينات من القرن الماضي.
وباستثناء قرغيزستان التي لم تعترف بضم روسيا للقرم، فإن بقية دول آسيا الوسطى مثل تركمانستان وطاجيكستان لم تشأ أن تغضب موسكو. أما مولدوفا فقد اصابها الذعر، بعدما أعلنت الأقلية الروسية فيها والتي تشكل أغلبية في اقليم ترانسدستر أنها تريد انضمام الإقليم إلى روسيا وفصله عن البلاد التي يغلب عيلها سكان يتحدثون الرومانية. ولم تكن جورجيا أقل ذعرا، إذ أعاد ضم القرم إلى اذهان قيادتها الحرب القصيرة التي خضتها روسيا ضدها لضم إقليم أوسيتيا الذي يعتبر “روسيا أكثر منه جورجيا”. ولم تخف دول البلطيق الأخرى مثل استونيا وليتوانيا ذعرها من تفكير روسيا في استعادة ما كان تحت سيطرتها بعد الحرب العالمية الثانية. صحيح ان روسيا ربما لا تفكر في “إعادة نفوذ الاتحاد السوفييتي”، فهذا أمر لا يستقيم عمليا، لكن نموذج إعادة تركيب ما تم تفكيكه قد يكون ملهما لقوى أخرى تسعى لإعادة رسم حدود لحماية مصالح أو ترغب في استعادة قدرات خسرتها في ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فهل يجد أحد أي مثال في منطقتنا على احتمالات إعادة التركيب بعد التفكيك؟ الإجابة متروكة لكم.

د. أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى