الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تجاهل أوباما لأوروبا عواقبه وخيمة

تجاهل أوباما لأوروبا عواقبه وخيمة

أما حملاتنا الانتخابية الرئاسية الصاخبة فتوضح أن الأميركيين معرضون لنفس التيارات المزعجة للتغير العصري، حيث يغير العالم روح العصر، فأصبحنا نتحرك من عقود ثلاثة من الترحيب المتفائل بسذاجة بالعولمة إلى وقائع مزعجة لعصر من ردة الفعل العنيفة.

رجل أوروبا المريض اليوم هو أوروبا الفكرة والأرض، ولقد بات إهمال الرئيس أوباما الهادئ الطويل لأقرب حلفائنا أمرا غير ملائم كما سيكتشف في جولته إلى بريطانيا وألمانيا هذا الشهر.
لقد تلطخت الانتصارات التي كانت مشعة ذات يوم للتعاون والاندماج الأوروبي باستجابات غير ملائمة على الهجمات الإرهابية في شوارع بروكسل وباريس، والتعامل غير الثابت مع فيضان المهاجرين الشرق أوسطيين والأفارقة، وتفاقم تهديد ميلاد القومية الغاضبة من جديد في أوروبا والتي أشعلت فتيل حربين عالميتين في القرن العشرين.
لم يجد الأميركيون قط أنه من السهل فهم الاتحاد الأوروبي أكثر من معرفة أنه نشأ لضمان عدم ذهاب ألمانيا وفرنسا أبدا إلى الحرب مجددا. وهذا تحقق بتشكيل اتحاد قاري فضفاض يمارس التجارة المشتركة، وكذلك السياسات الاقتصادية والدبلوماسية وغيرها. وحتى وقت متأخر لم يذهب الاتحاد أبعد من ذلك.
على أن فشل الاتحاد في تطوير المؤسسات والزعماء انكشفت سوءته من خلال المعضلات الجديدة الموجعة للقارة العجوز والتي تغذى في الداخل ومن الخارج.
حرب سوريا الوحشية وازدواجية تركيا بشأن اللاجئين والدعم المالي للحركات الدينية الأصولية داخل أوروبا كل ذلك قوض استقرار المنطقة، وعدوان روسيا على شرق أوكرانيا أغرق أوروبا في هوة سحيقة من عدم الأمن القاري.
على أن الأزمة التي تواجه الاتحاد الأوروبي متخمة بالعواقب غير المقصودة من صنع الاتحاد نفسه. فآلية صنع القرار باتت عاجزة بسبب التوسع السريع لضم 28 دولة في اندفاع لاستيعاب الدول التابعة للاتحاد السوفيتي السابق ودول أخرى منذ نهاية الحرب الباردة. وأصبحت دول شرق ووسط أوروبا ليست في عجلة للتخلي عن قوميتها المقموعة زمنا طويلا لصالح اندماج أكبر.
أضف لذلك احتمال أن استفتاء بريطانيا حول عضويتها بالاتحاد الأوروبي سينتهي بالتصويت بلا خلال هذا الصيف وسيكون لديك كارثة استراتيجية في طور التشكيل.
أصبح من الواضح بشكل مربك أن الأداء الاقتصادي في أوروبا كان غير متعادل خلال أيام مجد العولمة، فقد تكيفت ألمانيا وازدهرت، ووقفت فرنسا محلك سر، وعانت سياسيا واقتصاديا، وسرق التباين بين الدولتين من أوروبا محركا فرنسيا ألمانيا للقيادة كان يقود الاندماج ذات يوم.
يشعر الألمان بالوحدة في هذه القيادة الفردية غير المنشودة، ودفعها بشدة من أجل التقشف في اليونان وإيطاليا وغيرهما من البلدان فتح شروخا عميقة في الوحدة الأوروبية.
أما حملاتنا الانتخابية الرئاسية الصاخبة فتوضح أن الأميركيين معرضون لنفس التيارات المزعجة للتغير العصري، حيث يغير العالم روح العصر، فأصبحنا نتحرك من عقود ثلاثة من الترحيب المتفائل بسذاجة بالعولمة إلى وقائع مزعجة لعصر من ردة الفعل العنيفة.
لقد صارت الشعوبية الكالحة التي تركز على الأجانب كأهم مصدر لأمراض المجتمع اليوم تغلب على الواقع السياسي على ضفتي الأطلسي، وتطالب الأحزاب اليمينية المتشددة في المجر وفرنسا وبولندا وبريطانيا وغيرها من الدول بإغلاق الحدود القومية بدلا من فتحها على مصارعها، ولا بد من صد الأجانب أو مراقبتهم واستجوابهم.
البضائع المستوردة الرخيصة التي كانت مقبولة بشغف في السابق صارت في نظر البعض مدمرة للأرزاق في الداخل، وصارت حقبة ردة الفعل التي نحياها لا تميز بين إفراطات العولمة ونجاحاتها، ومعنى إذكاء نار الانعزالية الأميركية لتحقيق مكاسب سياسية أن نهين المستقبل ونسيء فهم دورنا في الخارج.
إن دونالد ترامب يصور التدفق الهائل للناس والبضائع والأموال والأفكار عبر الحدود المتلاشية بأنه حول الولايات المتحدة إلى أرض مهجورة غير قادرة على تحمل أعباء نشر القوات الأميركية الأمامية التي فعلت الكثير للقضاء على العداوات الإقليمية والقومية المستأسدة خلال الحرب الباردة وما بعدها، بل إنه يلمح إلى أنه ينبغي تشجيع اليابان على تطوير ترسانة نووية بدلا من إنفاق الأموال الأميركية للمساعدة في حماية هذا البلد. تلك هي الانعزالية في طور التشكل.
إن الحضور الأميركي في أوروبا في الحقيقة مكن الأميركيين من تقديم الخدمة بهدوء وتناغم تماما مثل وسطاء أمناء بين حلفائنا الأوروبيين محافظين على انخفاض حدة التوترات الإقليمية التاريخية. وهذا الكلام ينطبق على شرق آسيا. تلك مهمة نبيلة بحاجة إلى التمسك بها لا إلى التنكر لها.

جيم هوجلاند
كاتب متخصص في السياسة الخارجية بصحيفة “واشنطن بوست”
خدمة “واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز” – خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى