السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإبداع.. والفاعلية في تغيير البنية الفردية والجماعية 2ـ2

الإبداع.. والفاعلية في تغيير البنية الفردية والجماعية 2ـ2

علي عقلة عرسان

ينبغي أن تكون الراحة التي يحدثها الفن والأدب في النفس راحة غير مبنية على الغش كتلك التي تتم بالتمسيد على سطح الجلد وتترك الأمراض والأورام الخبيثة تنمو تحته. والنوع الذي يحدث أثر التنفيس والتخدير يقوم بعملية الغش هذه.. وهو ذلك الإنتاج الذي يرفع شعارات – مع أو ضد – ويعلن مواقف بكلمات طنانة، من دون أن يتمكن من التأثير في الناس إيصال محتواه إليهم، بما يتطلبه إحداث الاقتناع من صدق وحرارة ومنطق، وبما يتطلبه الفن من جمال وحيوية وحرارة وتشويق ووضوح رؤية وهدف، وامتلاك لناصية الإبداع ووسائله ومقوماته وقيمه.

.. ونظرًا لأنني من المهتمين بالمسرح أولًا، ولما للمسرح من دور مباشر في التأثير والتغيير، ولكونه يجمع بين الأدب والفن في وحدة لا تعرف لها مجالات الإبداع الأخرى مثيلًا، فسآخذ أمثلتي في توضيح كيفية حدوث عملية التأثير المتبادل بين المبدع والمتلقي من المسرح.
للمسرح تأثير كبير على المشاهدين، إذ إنه يمكّن من تقريب مشاعر جماعة المتفرجين وعزلها عن همومها ومشكلاتها وعن العالم الخارجي لفترة من الزمن، يشيع خلالها الاسترخاء أو “التراخي” والاستسلام في نسيجها، وتخف أو تزول تشنجات أفرادها، وتغفو خصوصياتُهم، ويكتسب كل فرد منهم بعض صفات الجماعة.. فيتأثر وينفعل ويسلك، بصورة لا يمارسها ولا يرضاها لنفسه وهو على انفراد، أو بين قلة قليلة من الناس. وفي هذه اللحظات التي تشبه لحظات غفوة “الأنا” الفردي، يتشكل في صالة العرض المسرحي مناخ خصب، يمكِّن الفنان المبدع من غرس بذور، يضمن لها الانتعاش والنماء، في نفوس أفراد هذه الجماعة التي تبدأ بالتحرك والتأثر والتفاعل وكأنها شخص واحد.
ونستطيع أن نمثل العلاقة بين ما يجري على خشبة المسرح – وهو العمل الفني المقدم بكل ما فيه من قدرات وطاقات إبداعية، ومقومات فنية وتقنية ومؤثرات، شاركت فيها عناصر بشرية، بتوظيف هادف لجهودها وإمكاناتها – وبين الكائن البشري ذي الألف رأس الذي نسميه الجمهور. نستطيع أن نمثل هذه العلاقة بمحرض ومتحرِّض، يتولد بينهما تيار ينقل الشحنة، ويصب أهدافَ وخلاصاتِ وحرارةَ نبض ما يجري على المسرح، ويركِّزها في أعماق نفس المتفرج الفرد، الذي يشعر بالشحنة الوافدة إليه من خشبة المسرح تهزُّ كيانه، وتمتلك مشاعره، وتغزو روحه، فيعيش تحت تأثيرها مراحل العمل الفني كلها.. ويمنح نفسه لها برضا، ويتركها تنغرس في ذاته بارتياح واستسلام، وتنمو بما تملك من قدرة ذاتية ومكتسبة على النماء، حتى تصبح ذات قوة قادرة على أن تحرضه وتدفعه إلى سلوك ضمن الجماعة، وفي حياته اليومية معها.. يؤكد الفكرة والإحساس، القناعة والقيمة، وما غرسته الشحنة الوافدة من المسرح في أعماقه، ويجد ذلك كله في ممارسة وسلوك ووعي جديد.
وهكذا يتحول الفرد إلى طاقة مشعة أو إلى محرّض، يرسل شحنات جديدة في جسم المجتمع الكبير، ويسهم في تغييره بالقول والعمل.
ومن هنا جاءت أهمية ذلك الدور الكبير الذي يلعبه المسرح في حياة المجتمع، ويلعبه الفن فوق خشبة المسرح، ويلعبه الأديب والفنان في حياة الأفراد والشعوب.
والفرد في مثالنا هذا يلعب دور المغناطيس الذي يحمل شحنات موجبة وشحنات سالبة، وقد تمركزت هذه الشحنات على المسرح وبدأت في الدوران الموظف، أمام وشيعة تتلقى التحريض، تتمثل بالمتفرجين في صالة العرض. وتستمر عملية التواصل التحريضي، ويتولد منها تيار إيجابي الفاعلية، بين الأفراد في الصالة من جهة والطاقة الموجهة إليهم من جهة أخرى.
ولكن.. من أين أتت تلك الطاقة التي مثلنا لها بالمغناطيس الذي يحمل شحنات خاصة ويدور ليؤدي غرضًا ويحقق هدفًا أمام جموع المتفرجين؟ لقد أتت من الواقع الاجتماعي، من البيئة، من الواقع السياسي.. من حياة الأفراد وتعاملهم مع الأنظمة ومع بعضهم بعضًا، في إطار التفاعل الحياتي اليومي مع المعطيات المادية والمعنوية. لقد رأى الكاتب والفنان حوادث ووقائع لا ترضي، وثارت لديه اعتراضات، وانفعل بما عايش، ووجد أن له موقفًا من هذا كله، وأن لديه ما يقوله للناس بقصد صدهم عن شيء أو كسبهم إلى جانب شيء، أي إقناعهم أو تغيير اقتناعهم.
فكان أن أبدع إنتاجًا بث فيه فنانون آخرون طاقات إقناع وإغراء أخرى، أغنته وقوته وبلورته إرادة وموقفًا وغزوًا إيجابيًّا، بوسائلهم الفنية، لقلوب الناس وعقولهم، ليثبتوا أفكارهم وقيمهم ومواقفهم في أعماق الآخرين، وليحرضوهم على تغيير الواقع، والثورة على مفاسده ومظالمه. ويلقى هذا الأمر صدى مستحبًّا لدى الناس الذين يكونون أصلًا في حالة معاناة وألم، ولكنهم لا يعرفون السبيل إلى الخلاص، ويكون أمامهم ما يكون. ولا بد من ملاحظة حالات في ذلك الظرف من ظروف الإبداع والتأثير ونقل الخبرة والتجربة إلى الآخر. فالفرد المبدع الخلاق، – كاتبًا كان أم مخرجًا أم ممثلًا أم رسامًا أم مؤلفًا موسيقيًّا.. إلخ – يشعر بنشوة غامرة عندما ينتهي من تقديم عمله للناس، وخاصة في أيام اللقاء الحي بينه وبين الجمهور، وفي لحظات إحداث التفاعل والتواصل الناجحين المطلوبين، ويحس بمرح وحيوية وبتخفّف من عبء كان يثقل كاهله، وبأنه يسكن قلوب الآخرين وعقولهم، أولئك الذين عاشوا معه تجربته، ورافقوه في مراحل معاناته. كما يحس بأن شيئًا ما يربطه بهم، ويوحّد طريقهم جميعًا. يحس بنوع من المصالحة مع العالم، والرضا عن النفس، ويشعر كما لو أنه أفرغ شحنة كانت تضنيه وتقض مضجعه، في أوعية رحبت بأن تستقبلها، وتحمل معه ثقل متاعه، وهي راضية سعيدة فخورة بهذا الحمل الجديد، وتشعر أيضا بأن ذلك الحمل ينتمي إليها ويخصها.
ويغمر الفنان الخالق شعور بالرضا عن الذات، وبالتفوق أيضًا، نتيجة إحساسه بالقدرة على التأثير وإحداث فعالية ظاهرة في الجمهور. وينمو على الخصوص إحساس بالانتماء يربط الفرد بالجماعة ويمتِّن التلاحم بينهما، حيث يشعر كل منهما بقرب الآخر منه، وبأنه يشاركه همومه وشواغله. وهذه اللحظات هي نهاية مرحلة وبداية مرحلة في الوقت ذاته بين الطرفين، إذ إن طاقة الفنان المبدع المختزنة في شكل عطاء فني، يهدف إلى إحداث رعشة في النفس، وبث أفكار التحريض على القيام بأعمال، هذه الطاقة، غزت نفوس المتفرجين وشحنتها بالأحاسيس والانفعالات والرؤى والأفكار ذاتها التي كانت تؤرق الفنان الخالق وتضنيه. فهل وصل إلى وضع الراحة النهائية الآن؟! لا.. إنها محطة في الطريق الشاقة.. فبعد تقديم العمل يبدأ الفنان أو الأديب بالبحث عن هموم جديدة، وتبدأ عملية غزو وتحريض أخرى له، والمحرض في هذه المرة هو الواقع الاجتماعي، هو الآخر، هو الوجود والتأمل فيه، ومعايشة الطبيعة والناس، والاصطدام بعقبات فيها مما يظهر في السلوك الفردي، أو في عادات الجماعات وتقاليدها، أو في القوانين، أو في علاقة الإنسان بالكون والموجودات. إن المحرض في هذه الحالة هو المجتمع والحياة نفسها، ومتلقي التحريض هو المبدع.
أما الناس الذين زُوِّدوا بشحنة في المسرح، فإنهم يذهبون ليترجموا هذه الشحنة إلى إرادة تغيير في نفوسهم أو في الواقع، وتستمر هذه العلاقة الجدلية التحريضية بين الفنان والمجتمع.. تشحنه الحياة الاجتماعية والطبيعة بمعطيات وأفكار ورؤى وأحاسيس جديدة، تجعله يعترض ويتمرد ويشعر بعدم التلاؤم، وبالغربة عن الحياة والناس، إلى أن يفرغ هذه الأحاسيس في شكل عمل فني يبثه في الناس، ويشاركهم وضعهم، ويشاركونه وضعه، فتعود إليه الراحة ورغبة الامتلاء في الوقت نفسه.
أما الجماعة التي تتلقى الشحنة من الفنان الخالق في المسرح – كاتبًا كان أم مخرجا أم ممثلًا – فإن أفرادها يشعرون بحالة من عدم الرضا عن الذات وعن الواقع، ويحسون بعدم التلاؤم مع الوضع غير السليم من حولهم، وتطفر في نفوسهم رغبات وإرادة التغيير إلى أن تفرغ الشحنة التي شحنوا بها المسرح، على شكل أقوال ومشاعر وسلوك ومواقف وأعمال تنفذ في الحياة الاجتماعية فتغير مجراها، وتجعلها أكثر ملاءمة لما يريدون. وهكذا تستمر، تعطيها المعاناة حرارتها ودفأها، وتؤدي حتمًا إلى تطوير الفرد والجماعة وتغيير وجه الواقع، وجعله قابلًا للتغيير باستمرار، وملء الحياة بالممتع والمفيد والجديد.
وهكذا نجد أن الإبداع – أدبيًّا كان أم فنيًّا – يغير الفرد من الداخل، إذ عن طريق الإبداع نجد – وبأسلوب غير مباشر – الفكرة تنفُذ إلى الشعور، وتتربع داخل النفس الإنسانية، وتبدأ عملها في تغيير الفكر والسلوك والقناعات باتجاه معين، مسلحة بوسائل الإبداع وقدراته. ويتوقف مقدار نمو الفكرة وفعاليتها وديمومتها، على صحتها، وعلى قوة الشحنة التي ترافق نقلها إلى المتفرج، وعلى المكان الذي تتخذه من النفس الإنسانية المتلقية (سَعة وعمقًا). وكلما وضعت الفكرة في أعماق الشعور، مرسَّخة بالصدق وحرارة الإقناع، كلما كانت فعالة وقادرة على النمو والتأثير والتغيير.. تغيير الفرد الذي هو نواة المجتمع، ومن ثمة تغيير المجتمع ببنياته المختلفة كافة.
وهكذا يكون الإنتاج الإبداعي فعالًا في تغيير المجتمع، وتكون العلاقة سليمة بين الفنان والمجتمع وبين الفن والمجتمع أيضًا.. أما إذا تحولت العلاقة الجدلية التي أشرت إليها إلى عملية عكسية، أو إذا انتفى هذا الوضع الجدلي، الإيجابي النتائج، فإن المعاناة والتحريض ينتفيان وتنتفي بالنتيجة رسالة المسرح.. رسالة الأدب والفن، وننتقل من دائرة الإبداع الأدبي والفني، إلى دائرة أخرى لا يهمني أن أسميها. ويتم ذلك عندما يأتي الجمهور إلى المسرح خالي الوفاض ويخرج منه كما دخل إليه، دون أن يشعر حتى بقيمة جمالية مجردة.. أو عندما يأتي الجمهور وهو يحمل أحزان يومه، وهموم حياته، فنمتص نقمته على الواقع، ونحولها إلى ضحكات مجانية، تملأ فراغ الصالة ولا يتجاوز تأثيرها عتبة النفس وأبواب المسرح، ونفرغ الإنسان المتلقي من شحنة غضب كان يمكن أن نوجه إليها سهامنا ونفجرها في ذاته غضبًا ساطعًا، ونارًا حارقة، أو على طريقة التفجير الذري. ووسائل التفريغ وامتصاص النقمة عديدة، وأسوأها وأفتكها هي تلك التي تدس السم في الدسم، فتتظاهر بتبني التحريض وتفجير النقمة أو غرسها في مشاتل الروح، وإذا بها في النهاية تعفي المتفرج من حمل أية قضية، أو مسؤولية، أو هموم تلاحقه في فراشه، وإذا بها تجرده من الغضب الذي كان يمكن أن يحمله كزاد يومه، ويتحول في نفسه إلى موقف معبر عن القناعة التي وصل إليها من خلال التفاعل مع الأثر الأدبي والفني.. مسرحيًّا كان ذلك الأثر أم غير مسرحي، كتابًا كان أم لوحة أم لحنًا.
ولا أريد أن يُفهم من كلامي هذا أنني أنبذ الإنتاج الإبداعي الساخر أو أزدريه، أو أقلل من قيمته.. ولكنني أريد أن أفرق بين أثر التحريض والتطهير الذي يحدثه المسرح – وأنا آخذ منه هنا مثالًا لا يحجب ولا ينفي سواه من الفنون والآداب وأنواع الإبداع – وبين أثر التنفيس والتخدير الذي يحدثه بعض الإنتاج. والتفرقة بين هذين الأثرين أو النتيجتين مهمة وأساسية في مجال البحث عن تحقيق فعالية الأدب والفن، في تغيير البنية الفردية والجماعية، وفي بيان نوعية العلاقة المتبادلة بين الأدب والفن، الأديب والفنان، وبين المجتمع.
فالمسرح الذي يهدف إلى التحريض وإحداث التطهير في داخل الفرد، يؤدي أغراضا إيجابية، سواء أغرَس حَرقة السخرية في قلب المتفرج، وكوى بلذع نارها ضميره، أو أحدث في داخله الراحة الشاملة فغسله بالدمع، وطهره من أدران الحياة، وهيأه لاستقبال الوجود برؤية جديدة، وجعله يخرج إلى الناس خروج الشمس نقية دافئة معطاء، بعد ليل ماطر عاصف. ينبغي أن تكون الراحة التي يحدثها الفن والأدب في النفس راحة غير مبنية على الغش كتلك التي تتم بالتمسيد على سطح الجلد وتترك الأمراض والأورام الخبيثة تنمو تحته. والنوع الذي يحدث أثر التنفيس والتخدير يقوم بعملية الغش هذه.. وهو ذلك الإنتاج الذي يرفع شعارات – مع أو ضد – ويعلن مواقف بكلمات طنانة، من دون أن يتمكن من التأثير في الناس إيصال محتواه إليهم، بما يتطلبه إحداث الاقتناع من صدق وحرارة ومنطق، وبما يتطلبه الفن من جمال وحيوية وحرارة وتشويق ووضوح رؤية وهدف، وامتلاك لناصية الإبداع ووسائله ومقوماته وقيمه. ذلك النوع من النصوص الذي لا يعترف الفن الأصيل بأبوته، والذي لا يتمكن من وضع المتفرج في مكانه، من حيث هو متلق للتحريض ومستقبل مرتاح، لطاقة تغيير تُبث في كيانه بطريقة مقنعة ممتعة، تؤدي فائدة ملموسة أو محسوسة، وتضعه أمام مرآة ذاته، ومرآة مجتمعه.
وهذا النوع من الإنتاج كان كثيرًا في القرن العشرين، وكانت ضجته أكبر من حجمه، وهو كالبرق الخلب تتبعه قعقعة لا تنتج طحنًا. ويتزيّا بأزياء ويحمل أسماء متعددة براقة، منها المسرح السياسي.. الأدب الملتزم، الفن الهادف.. إلى آخر تلك البراقع. وحقيقة الأمر تخفٍّ وراء كلمات حق أريد بها باطل. فنحن نريد أن يكون الفن هادفًا وملتزمًا ومرتبطًا بقضايا وطنية وقومية واجتماعية وإنسانية، وبقيم فنية وجمالية وروحية واضحة، وأن يخدم الإنسان والحياة، وأن ينبع من الأرض التي نشأ فيها لينساب إبداعًا في أرض البشر.. ولكن التزييف، والأهداف المشبوهة المستترة خلف الشعارات المزيّفة، والضعف في القدرات الإبداعية الذي يغطى بأيديولوجيات متحجرة ذات طبول وصنوج وغوغائية عجيبة.. وعدم الاستيعاب، وغياب الرؤية، كل ذلك لعب ويلعب دورًا في إنتاج مشهد ثقافي يطرد الإبداع والثقافة الحقة، كما تطرد العملةُ الرديئةُ العملَةَ الحسنةَ من السوق، ويزوّر ما يزوِّر، ويقدم “تقليعات، موضات، صَرْعات..إلخ”، يكون أثر ذلك على الفن الحق مدمرًا، ولا ينكشف أمر هذه الممارسات – إن هو انكشف – إلا بعد فوات الأوان في كثير من الأحيان. فهي أعمال لا تحدث آثارًا إيجابية حقيقية على صعيد تغيير بنية الفرد ومن ثم الجماعة، بحيث تصبح هذه البنية أفضل، ولا تسهم في تكوين بنية الناشئة تكوينًا سليمًا،بحيث تصبح هذه البنية أكمل.. ومع ذلك كله تلوّح بنار تسميها مشاعل ريادة، وتصرخ في شعاب الأرض “ها أنذا.. انظُروني”.

إلى الأعلى