الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “صورة المرأة في أدب الطفل” .. التشكل والإشكال

“صورة المرأة في أدب الطفل” .. التشكل والإشكال

طرحتها المؤسسات الثقافية برؤية نقدية موسعة

* تحليل خمسين نصا قصصيا من إبداع الأطفال لمعرفة ماهيات تشكل صورة المرأة
* معاناة المرأة من صورتها المهمشة في الأدب والثقافة * تقزيم دور المرأة يحتاج لإصلاح الفكر والثقافة

رؤية ـ حسام محمود:
طرحت العديد من المؤسسات الثقافية العربية والغربية صورة المرأة في أدب الأطفال وجوانب هذه القضية الإبداعية الإشكالية بشكل تفصيلي. واختارت البداية عبر طرح ومناقشة طبيعة هذه المسألة من كافة الجوانب من منطلق رؤية نقدية موسعة تبحث في جوانبها المتنوعة وتتكئ على محورين، خاصة فيما يخصها ويعتريها ضمن سياق النتاج الإبداعي الأدبي الخاص بأدب الأطفال في العالم العربي بشكل خاص . والأول هو قراءة وضع المرأة وعلاقاتها في الثقافة والأدب للتعرف على المساحة التي اضطهدت فيها شخصيتها ما شكل سياق الظلام والقهر للتاريخ البشري دون أن تنفي هذه القراءة البؤر المشرقة التي أنتجتها الكتابة عن إنسانية المرأة والتي أعطتها حقوقها ورتبتها الاجتماعية الفاعلة. أما الثاني فيتمثل بما دفع النساء المبدعات إلى أن يشكلن أدبهن الخاص الذي يسعى إلى بناء ثقافة مغايرة تتمرد على الواقع الاجتماعي. وعلى الثقافة الذكورية سعيًا إلى بناء المساواة بين الذكور والإناث في الواقع والتمثيل .

صورة النساء
انطلاقا من هذه الرؤية، تحددت منهجية الأدب في دراسته لصورة المرأة ضمن قصص الأطفال لكن في غير الاستعمال الشائع لمصطلح الصورة الصرفة الذي لا يكاد يتجاوز بها إلا قليلا مجال الإدراك الحسي لا سيما البصري منه . والحال أن الصورة في الأدب إنما تبدأ التشكل من حيث تتجاوز هذا المجال وتشرع في الدخول باللامحسوس واللامرئي الواعي وغير الواعي . والمرأة في الأدب القديم خارج اللغة والتاريخ وتتركز صورتها على عرض تواريخ وسياقات ذات غرض يتعلق بالنوع والجنس بجانب تشكل صورة المرأة في الثقافة واللغة والتاريخ بكتابات مختلفة سطعت بها نحو الأمومة وحنانها، والصداقة ودفئها، والأخوة وصلاتها الوفية، والابنة بعزتها وتعاونها. إضافة إلى صورة المرأة في كتابة الرجل التي تشكلت في دورين أولهما الدور التقليدي والذي تجسد في معظم كتابات الرواد والآخر هو الدور التحرري غير الجنسي الذي يعبر عن رؤية أكثر إدراكا للواقع . وهذا طبعا أتى تحت عنوان صورة المرأة في الكتابات النسوية. واستطاعت الكتابة النسوية تفعيل قضايا المرأة الاجتماعية والنفسية داخل أدبها وكانت كتابة المرأة فعلا مسكونة بوعي نسوى جديد يسعى إلى الخروج من الهيمنة الذكورية وتكريس الصورة النمطية نفسها عن المرأة . أما صورة المرأة في كتابات الأطفال فهي جوهر الدراسة التي انبرى لها الكثير من النقاد وذلك عن طريق تحليل خمسين نصا قصصيا من إبداع الأطفال لمعرفة ماهيات تشكل صورة (الأم ، الزوجة ، الأخت ، الابنة ) . وكذلك تبين حقيقة إذا كانت قد اختلفت هذه الصورة عن إبداع الكبار . ومن ثم يتضح التشكيل الجمالي لصورة المرأة كشيء موضوع بعناصره في بناء القصص ، مثل : (العنوان والفكرة والحبكة والشخصيات والزمان والمكان) . كما بحث الأدباء صورة المرأة من خلال علاقة هذه العناصر السابقة بصورة الفتاة والسيدة والمرأة عبر شرح تفصيلي عن طرق واستراتيجيات تغيير الفكر النمطي لصورة المرأة في قصص الأطفال العربية.

معاناة التهميش
لاقت المرأة خاصة العربية من المعاناة منذ القدم والتهميش ما يفوق الوصف سواء على مستوى التاريخ الذي جار عليها رغم ما قدمته من أدوار على المستوى الاجتماعي أو السياسي، وكذلك على مستوى الأدب الرسمي وأيضا الأدب الشفاهي الذي وصل الأجيال الحالية. فجميع الحكايات تغض الطرف عن الدور الإيجابي الذي لعبته المرأة على مدار تاريخها مكتفية بتسليط الضوء على الصورة السلبية والتقليل من مكانتها. وخطر صورة المرأة في الأدب العربي اليوم يحذر منه الباحث والناقد المصري محمد سيد عبد التواب، في مؤلفه الذي نتناوله بعرض رؤيته، وهو صاحب دراسات متعددة في مجالات الإبداع.
فهناك صورة رسمت للمرأة على مستوى كتابات الأطفال مرتكزة على مادة قصصية من أدب الأطفال يصل عددها إلى أكثر من 200 أثر كتبت للأطفال، وبعضها كتبها الأطفال أنفسهم، مرتحلا في الزمن الذي يمتد عنده إلى التراث الفرعوني حيث كشف أن المصريين (الفراعنة) أول من اهتموا بهذا النوع من الكتابة حتى ولو لم تكن بهذه الصورة المتداولة الآن، إلا أنهم حرصوا على تسجيله في برديات أو منقوشا على جدران المعابد والمقابر وهو واضح فيما كتبه جيمس بيكي الذي ترجمه نجيب محفوظ كقصة الفلاح الفصيح وقصة الغريق في الجزيرة وسنوحي. ولعل مراحل تطور أدب الطفل في أوروبا ترجع إلى القرن العشرين حيث يمثل العصر الذهبي لأدب الأطفال بانطلاقة واسعة في جميع أنحاء العالم كما تنوعت أشكال التعبير ووسائله من كتب ومجلات وصحف وأقلام، وهو ما يعزى إلى التقنيات الحديثة التي دخلت وبقوة في صناعة الكتب والنشر فضلا عن انتشار المكتبات العامة ومكتبات الأطفال. أما في الوطن العربي فقد مرت الكتابة للأطفال بأربع مراحل هي : جيل الكتابة الشعرية والقصصية التي يمثلها أمير الشعراء أحمد شوقي ومحمد عثمان جلال حيث القصص على لسان الحيوان والطير ، أما الجيل الثاني فهو جيل الكتابة النثرية ويعود به البعض إلى رفاعة الطهطاوي وخاصة كتابه المرشد الأمين في تربية البنات والبنين ، أما الكتابة الفعلية فتعود إلى علي فكري وكتابه مسامرات البنات ، وغلب على هذه المرحلة الاقتباس وتبسيط الكتب، أما الجيل الثالث والذي أطلق عليه جيل الإبداع واستمرار المسيرة فهو الجيل الذي استوعب ما بدأه الرواد وتجاوزوه وأهمهم عبد التواب يوسف ويعقوب الشاروني . أما الجيل الأخير فهو ينتمي إلى جيل ما بعد الحداثة ويحدد زمنيا بنهاية الألفية الثانية وبداية الثالثة ومن أشهر ممثليه أسماء علام وفاطمة المعدول. وقد تنوعت اتجاهات هذا الجيل إلى القصص العلمية وإن غابت موضوعات كانت رائجة عند الأجيال السابقة مثل القصص الدينية وقصص الخرافة أيضا.

اختزال المرأة
يقف الباحثون كثيرا عند مفهوم الجنس في محاولة لتعقب تاريخ التهميش الذي حاق بالمرأة، ورأوا أنه ميراث موغل في القدم فالخطاب المنتج حول المرأة في مجمله خطاب طائفي حيث يضعها دائما في مقارنة مع الرجل الذكر في مقابل وضعية المرأة الأنثى. ويحدد معالم الاضطهاد الذي تعرضت له المرأة في ثلاثة أشكال لاضطهاد نوعي وهو ما يعني تفوق الرجل وسيادته عليها. واضطهاد أبوي ذكوري حيث سيطرة الرجل على الأنثى في العائلة والمجتمع والسلطة. والثالث اضطهاد قانوني وهو منبثق عن الاضطهاد الأبوي وماثل في القوانين الوضعية بل إن شعارات المساواة والمشاركة تأتي من قبل الرجل كإحساس بالتفوق بل يذهب الباحثون إلى تحليل كافة الأدبيات التي تناولت خطاب المرأة كالمعاجم وربط المرأة بالشيطان وأيضا وضعية المرأة في كتب التراث وفي الأمثال التي اختزلت المرأة كقرينة للشيطان . وأيضا صورتها في الفن التشكيلي التي اختزلت في الجسد وهو ما دفع بالمرأة إلى أن تستثمر هذا الجسد ثقافيا في الإثارة والإغواء . وفي العصر الحديث تم اختزال المرأة على هيئة سلعة ونمط استهلاكي وهو ما قزمها . وفي إطار مصطلح الجنس حيث توصيف النوع حسب صفات معينة كانت وضعية المرأة تالية للرجل فهو الذي يقوم بالأدوار المهمة. أما الأدوار الهامشية فيلصقها بها وهو ما عبرت عنه مع الأسف كتب الأطفال فقد مالت إلى تعظيم دور الرجل بالادعاء أنه وحده قادر على الأعمال، ومنها أيضا تقليل أهمية المرأة داخل البيت أثناء وجوده. فأبسط صورة متعارف عليها رسمت للأطفال هي أن الولد يعمل ليكسب المال بغاية توفير نفقات العائلة كما أن الفتيات والنساء في القصص غالبا ما يوصفن بالتبعية والسلبية أو الجلوس في البيت لتحضير دور المستقبل وهو ربة البيت. وفي العالم العربي كرست المرأة لصورة واحدة هي العطف والحنو على أولادها وأعمالها أيضا محدودة فهي أسيرة الأعمال المنزلية والتقليدية.

إلى الأعلى