الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (208) : تذوّقٌ لغويّ

نافذة لغوية (208) : تذوّقٌ لغويّ

من غرر أقوال العرب حكمٌ باقيةٌ محفوظةٌ انتخبها النقّاد أو أملتها المناسبات ، وهي موزّعة بين الوصف الجميل والحكمة البالغة ، والصورة المعبّرة المؤدّية ، والتذوق الأدبي الذي ينمّ على ثقافة عصور أصحابها ، وبعض هذه الأقوال الشعرية محفوظ دائر على الألسنة وإن نسي قائلوه ومناسباته ، وما ينطوي عليه من قيمة يتجلى في العبرة وسلامة الأسلوب وصحّة اللغة ، من ذلك قولهم لأبي العتاهية : أيّ شعر أحكم عندك وأعجب إليك ؟ قال قولي :
عَلِمتَ يا مُجاشِعُ بنُ مَسعَدَة أَنَّ الشَبابَ وَ الفَراغَ وَ الجِدَة
مَفسَدَةٌ لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَة
وكان المأمون يقول : لو نطقت الدنيا لما وصفت نفسها بأحسن من قول أبي نواس :
إِذا امتَحَنَ الدُنيا لَبيبٌ تَكَشَّفَت لَهُ عَن عَدوٍّ في ثِيابِ صَديقِ
قالوا : ومن عجيب شعر عبدالملك الحارثي وطريفه ومليحه قوله في معنى الصوفية الذي جوّده وأحسنه وأحسن الإفصاح عنه وأبرزه في أبهى معرض وأرسله مثلاً سائراً وإن كان لم يعرف الصوفية ومذهبهم .. قال :
وما زرتكم عمداً ولكنّ ذا الهوى إلى حيث يهوى القلبُ تهوي به الرِّجلُ
وقالوا أيضاً : من عجيب الشعر الذي لم يُسبق إليه قول الشاعر إسحق بن حسان الخريمي :
يُلامُ أبو الفضل في جودِهِ وهل يملك البحرُ أنْ لا يفيضا
و وصف محمد بن أبي أميّة لأبي العتاهية خبره فاستنشد شعره ، فأُنشد يقول :
رُبَّ وعدٍ منك لا أنساهُ لي أوجبَ الشّكرَ وإنْ لمْ تَفْعَلِ
أقطعُ الدهرَ بِظَنٍّ حَسَنٍ وأُجَلِّي كُرْبَةً لا تنجلي
كلما أمّلتُ يوماً صالحاً عَرَضَ المكروهُ دونَ الأمل
وأرى الأيامَ لا تُدْنِي الذي أرتجي منك وتُدْنِي أجلي
فجعل أبو العتاهية يستعيده ويبكي ويقبّل رأسه ويقول : بودِّي أنه لي ببعض شعري. ومما مازال الناس يفضّلونه في طول الليل قول خالد بن زيد الكاتب وهو :
رَقَدْتَ فلم تَرْثِ للسَّاهِرِ وليلُ المحبِّ بلا آخرِ
قالوا : وللمؤمّل بن أميل المحاربي هذا البيت السائر النادر ولا غاية لظرفه وهو عرضة لرسائل الصاحب بن عباد والصابي لحسنه وجودته وهو قوله :
إذا مرضتم أتيناكم نعودُكُمُ و تذنبون فنأتيكم و نَعْتَذِرُ
وينشد مع هذا البيت :
لا تحسبوني غنياً عن مودّتكم إنِّي إليكم و إن أَيْسَرْتُ مُفْتَقِرُ

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى