السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقود في عمان

النقود في عمان

عندما تحكي النقود والمسكوكات تفاصيل التاريخ
مسقط ـ العمانية:
تذكر الموسوعة العمانية أن عُمان تداولت الدراهم الساسانية والدنانير والفلوس البيزنطية والفارسية من خلال تجارتهم مع الحضارات ما يعكس حجم التواصل الذي كانت تقيمه الحضارة العمانية مع غيرها من حضارات العالم في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ.
وبحسب المصدر نفسه فإن التعامل بالنقود الساسانية والبيزنطية بقي مستمرا إلى خلافة الإمام عثمان بن عفان في صدر الدولة الإسلامية.
لكن نقودًا تم العثور عليها في موقع سمهرم بمحافظة ظفار تكشف عن نقود مصنوعة من البرونز ويعود تاريخها إلى أواخر القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلاديين خلال سيطرة مملكة حضرموت والحميريين على ميناء سمهرم، وقد سكت تلك النقود تقليدا للدراخاما الإغريقية إذ نقش عليها رأس رجل من بعض الأشكال الهندسية.
وتاريخ النقود في عمان تاريخ حافل بالكثير من التفاصيل التي تقود متتبعها إلى تفاصيل كثيرة عن التاريخ العماني بشكل خاص حيث ارتبطت تلك النقود بمراحل تاريخية شهدت أحداثا وتحولات تكشف النقود نفسها عن تفاصيلها.
ويكشف مدخل النقود في عمان في الموسوعة العمانية الكثير من التفاصيل التي تبدو للوهلة الأولى تفاصيل متعلقة بالنقد نفسه ولكنها تقدم تفاصيل تاريخية مهمة. وإذا كان التاريخيون يقولون إن التاريخ تكشفه الآثار أكثر مما تكشفه الأقوال فإن الآثار التي يمكن قراءتها من النقود كثيرة واستغلها كتاب التاريخ بشكل جيدا جدا.
ويبدو أن أقدم دار إسلامية لسك النقود في جزيرة العرب كانت في عمان في عهد الدولة الأموية.
وكان عبدالملك بن مروان قد انتهى من تعريب الدنانير عام 78هـ وقام بعض الخلفاء الأمويين بضرب بعض النقود في عمان، إذ كشفت الدراسات الأثرية عن درهمين ضرب عليهما اسم عمان يرجع تاريخ الأول منهما إلى عام 700 ميلادي في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان وضرب الآخر عام 708 ميلادي في عهد الخليفة الوليد بن عبدالملك ويحمل الدرهمان نقوش العملات الأموية التي سكت بعد تعريب النقود. وفيما عدا هذين الدرهمين لم يعثر على أي نقود أموية مضروبة في عُمان. وتبدو هذه القطعة أول أثر مؤرخ من بين الآثار المعدنية أو الحجرية أو حتى الخشبية أو الورقية التي تحمل اسم عُمان بشكل صريح، كما أنها أول قطعة معدنية إسلامية مؤرخة من شبه الجزيرة العربية.
والمتأمل في صورة الدرهمين يجد أنهما يحملان نقوشا متعارفًا عليها في العملات الأموية التي سكت في فترة ما بعد الإصلاح الذي حدث في أسلوب الضرب. حيث يبدو في وسط الوجه نقش لشهادة التوحيد، وفي الجوانب عبارة تقول “بسم الله ضرب هذا الدرهم بعمان في سنة إحدى وثمانين أو تسعين” ويبدو الدرهم في حجم العملة المعدنية التي تستخدم في السلطنة اليوم من فئة “الخمسين بيسة”.
أما القطعة الثانية وكما تقول المصادر فهي إصدار غير معروف من عمان يعود تاريخها إلى سنة 151 هجرية، ويختلف ترتيب كلمات شهادة التوحيد المنقوشة على وجه العملة اختلافا ضئيلا عن العبارة الموجودة على العملة السابقة، ففي هذه العملة كتب على ثلاثة أسطر عبارة ” لا إله إلا / الله وحده لا / شريك له”، وتوجد تحت شهادة التوحيد نجمة بخمس رؤوس محاطة بكرة صغيرة من كل جانب. أما النقش فمحاط بحاشية مسلسلة بثلاث حلقات مزدوجة صغيرة. وتظهر في وسط ظهر العملة عبارة “محمد رسول الله”. مع عبارة “بسم الله ضرب بعمان سنة إحدى وخمسين ومئة” على الحاشية، تتبعها كلمة غير مقروءة. وما يلفت النظر هنا أن تلك العملتين قد صنعتا من النحاس، الأمر الذي يؤكد أنهما سكتا في صحار، المدينة المعروفة تاريخيا بصناعة النحاس.
وفي القرن الرابع الهجري ظهرت الدنانير الذهبية لأول مرة في تاريخ النقود العمانية الأمر الذي عكس الازدهار العظيم في عُمان في تلك المرحلة، رغم ذلك ظلت الفضة تمثل المعدن الشائع في سك النقود حتى الربع الأخير من القرن الرابع إلى أن قل استخدامها بعد عام 386 هجرية كما تؤكد الدراسات التاريخية.
وكشفت نقود تعود إلى القرن الرابع الهجري وجدت في عمان عن درهمين ضربا في عُمان، الأول يحمل اسم عبد الحليم بن إبراهيم، وقد ضرب عام ثلاثمائة وثلاثة عشر هجرية، بينما ضرب الثاني؛ عام ثلاثمائة وستة عشر هجرية، ويحمل اسم أحمد بن هلال.
ونشطت دار الضرب خلال القرن الرابع الهجري حيث كان يوسف بن وجيه واليا للعباسيين على عُمان وظهر اسمه لأول مرة على المسكوكات؛ عام ثلاثمائة وسبعة عشر هجرية. رغم ذلك فلم تكن سلطة الوجيهيين واسعة في عمان حيث اقتصرت على صحار وما جاورها، فقد استطاع الإمام سعيد بن عبد الله بن محبوب الرحيل، أن يسترد باقي المدن العمانية منهم.
وتذكر الكتابات التاريخية الحديثة أن كنزا عثر عليه خلال ترميم قلعة بهلا؛ أيدّ طرحا تاريخيا كان قد ذهب إليه المؤرخ سيف البطاشي الذي ذهب إلى وجود خلل في تاريخ البيعة للإمام الخليل بن شاذان والتي حددها بتاريخ 447هـ، حيث ذكر البطاشي أن بيعة الخليل تأتي بعد إمامة راشد بن سعيد، وليست سابقة له كما أوردته السير العمانية. وأكد هذا الطرح النقود التي كشفت في القلعة، فقد كشف الكنز عن درهمين فضيين، أحدهما باسم الإمام راشد بن سعيد مضروب بعمان عام أربعمائة وأربعة وأربعين هجرية، والآخر باسم الإمام الخليل بن شاذان مضروب عام أربعمائة وسبعة وأربعين هجرية.
وتظهر الدراسات التي تؤرخ للنقود في السلطنة أن البرتغاليين لم يضربوا نقودهم في عمان كما فعلوا في مستعمراتهم الهندية، وسمحوا لحلفائهم الصفويين بسك نقودهم المعروفة باللارية، فظلت العملة الأكثر استخداما في المنطقة خلال القرن العاشر الهجري، وتذكر الكتب القديمة التي أرخت لمرحلة الإمام ناصر بن مرشد أول إمام عماني بدأ مرحلة طرد البرتغاليين فتاوى يذكر فيها الدراهم اللارية.
ورغم قوة الإمبراطورية العمانية في عهد السيد سعيد بن سلطان والتي امتدت لتشمل سواحل شرق أفريقيا حيث انتقلت العاصمة العمانية إلى زنجبار، إلا أنه لم يتم سك النقود في عهد السيد سعيد وأبقى على استخدام دولار ماريا تريزا. إلا أن السيد برغش بن سعيد أصدر نقودا في عهده، بعضها ذهبي، وبعضها فضي، كانت تضرب على منوال العملات المصرية، وتم سكها في دار الضرب ببروكسل ونقش عليها تاريخ 1299 هجرية. وتألفت تلك النقود من فئتين ذهبيتين، وهما الخمسة ريالات، والريالان والنصف، ثم تم إصدار ثلاث فئات صغيرة من العملات الفضية وهي: ريال واحد، وربع ريال، والبيسة المصنوعة من النحاس. وسميت هذه النقود بـ” الرخاء” أو ” الحظ السعيد”.
وفي العصر الحديث ظهرت أول عملة تحمل اسم دار الضرب مسقط، في عهد السلطان فيصل بن تركي الذي قرر أن يكون لمسقط دار ضرب خاصة بها. وتألفت العملة من فئتين هما البيسة والغازي، ونقش على الوجه؛ السلطان فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان إمام مسقط وعمان، تاريخها ألف وثلاثمائة وأحد عشر هجرية. وبدا أن دار الضرب كانت تعمل بطرق بسيطة، الأمر الذي انعكس على النقود، التي كانت تعد على شكل صفائح نقدية في مكان غير مسقط ربما كان في دار الضرب في برمنغهام التي باعت مواد خاما لمسقط لسك نقودها عام 1316هـ.
إلا أن دار الضرب لم تواصل عملها طويلا، فقد أغلقت عام 1869م وواصل دولار ماريا تريزا رواجه في عمان، كما ازداد الإقبال على الروبية الهندية.
ومع بداية عهد السلطان سعيد بن تيمور عام 1932 أمر بنقش الحرفين “س س” على نقود معدنية أمر بشرائها من دار الضرب في بومباي لتشكل عملة ثانوية لدولار ماريا تريزا، وهذه العملة من فئة البيسة مؤرخة بتاريخ 1315، والحرفان إما أنهما يرمزان للسيد سعيد، أو السلطان سعيد. وفي عام 1367هـ/1948م طلب السيد سعيد شراء أول عملة فضية لظفار حيث كان يقيم من دار الضرب في بومباي، مع بعض القطع الذهبية. وكتب على العملة الفضية والتي كانت من فئة نصف ريال ظفاري “السلطنة السعيدية”. وفي وقت لاحق لذلك أصدر سعيد بن تيمور نقودا حربية لم يتم التداول بها إطلاقا. وفي عام 1958؛ أمر السيد سعيد بإصدار عملته الأولى المماثلة لحجم الدولار، وهي الريال السعيدي.
في العام تسعة وستين أصدر العملة السعيدية الجديدة على شكل أوراق مالية ونقود معدنية؛ لاقت إقبالا واسعا في جميع أنحاء السلطنة. وبدأ التداول فيها قبل شهرين فقط من تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في البلاد، وكانت تلك العملة مكونة من ست فئات من الأوراق المالية وعدد مساو من النقود المعدنية.

إلى الأعلى